سيناريوهات المواجهة الحاسمة بين تحالف القوى الإسلامية والكيان الصهيونى

نجحت القاهرة في تشكيل تحالف «اسلامی» في مواجهة المخططات الصهيونية التى تستهددف طمس هوية المقدسات الفلسطينية، وعلى رأسها المسجد الاقصى...

 التحالف ضم مصر والأردن والسعودية وقطر والإمارات وتركيا وإندونيسيا وباكستان، ويبعت برسالة مفادها أن قضية المسجد الأقصى لم تعد شأناً فلسطينياً أو أردنياً فحسب، بل أصبحت قضية إقليمية تحظى بإجماع واسع، وفي أول تحرك للتحالف الذي تقودة مصر أدانت الدول الثمان بصورة مشتركة اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى ورفع العلم الإسرائيلي داخل ساحاته، معتبرة ذلك انتهاكاً للقانون الدولى وللوضع التاريخي والقانوني القائم فى القدس الشرقية المحتلة

عن هذا التحالف ، قال د. محمد الطماوى خبير العلاقات الدولية : يمكن النظر إلى التحرك المصرى الأخير بوصفه أحد أهم التحركات الدبلوماسية الجماعية المتعلقة بالقدس والمسجد الأقصى خلال الفترة الأخيرة، إذ نجحت القاهرة في تنسيق موقف مشترك مع دول التحالف فى رسالة سياسية واضحة مفادها أن قضية المسجد الأقصى لم تعد شأنا فلسطينيا أو أردنيا فحسب، بل أصبحت قضية إسلامية وإقليمية تحظى بإجماع واسع ، وقد أدانت الدول الثماني بصورة مشتركة اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى ورفع العلم الإسرائيلى داخل ساحاته، معتبرة ذلك انتهاكا للقانون الدولى وللوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس الشرقية المحتلة.

وأضاف الطماوى : "رفع العلم الإسرائيلي داخل باحات المسجد الأقصى فيحمل دلالات سياسية ورمزية تتجاوز مجرد الاستفزاز الآني، لأنه يرتبط بمفهوم السيادة، فالعلم فى النزاعات الدولية ليس مجرد رمز وطني، بل إعلان سياسى عن السيطرة والهيمنة، ولذلك فإن رفعه داخل الأقصى يقرأ فلسطينيا وعربيا وإسلاميا باعتباره محاولة لإظهار أن إسرائيل لم تعد تكتفى بالسيطرة الأمنية على المكان، وإنما تسعى تدريجيا إلى تكريس تصور جديد للسيادة على الحرم القدسي الشريف، ورغم أن رفع العلم الإسرائيلي داخل محيط الأقصى شهد سوابق خلال السنوات الماضية، فإن تكرار هذه الوقائع بصورة أكثر علنية وبدعم من شخصيات حكومية إسرائيلية متشددة يعكس تصعيداً نوعياً في التعامل مع الملف.

فيما يتعلق بسيناريوهات التحرك الإسلامي بقيادة مصر فإن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في تكثيف الضغوط السياسية والدبلوماسية عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العامة ومنظمة التعاون الإسلامي إضافة إلى توسيع دائرة العزلة السياسية لإسرائيل على المستوى الدولي. كما يمكن أن تتجه القاهرة وعمان والدول المشاركة إلى تعزيز التحركات القانونية أمام المحافل الدولية وتوثيق الانتهاكات بصورة منهجية أما خيار الضغوط الاقتصادية أو العقوبات الجماعية فيظل محدوداً فى ظل توازنات النظام الدولى والدعم الأمريكي الواسع لإسرائيل، لذلك فإن الرهان الأساسي يبقى على بناء موقف دولي متراكم يرفع الكلفة السياسية لهذه الإجراءات الإسرائيلية.

بشأن الدعم الأمريكي قال الطماوى يظل أحد أهم العوامل التي تحد من فعالية الضغوط الدولية على الحكومة الإسرائيلية، ومع ذلك، فإن الحديث عن وجود تباينات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي لا يعنى بالضرورة وجود خلاف استراتيجى بين واشنطن وتل أبيب فالخلافات غالباً ما تدور حول إدارة الملفات والتوقيتات والأساليب، وليس حول جوهر التحالف، ولذلك فإن أي توتر شخصى أو سياسي بين الطرفين لا ينعكس عادة على مستوى الالتزام الأمريكي بأمن إسرائيل أو دعمها السياسي والعسكري.

فيما يخص القانون الدولى اضاف الطماوى: " الموقف القانوني يبدو واضحا نسبيا، فالأمم المتحدة لا تعترف بضم القدس الشرقية، وتعتبرها أرضا محتلة وفق قرارات دولية متعددة، كما أن أى إجراءات تهدف إلى تغيير الوضع التاريخي والقانونى للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس تعد مخالفة للقانون الدولى ولقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، غير أن المشكلة الأساسية لا تكمن فى غياب النصوص القانونية، بل في غياب آليات تنفيذ ملزمة قادرة على إجبار إسرائيل على الامتثال لهذه القرارات، وهو ما جعل الكثير من الإدانات الدولية تظل فى إطار المواقف السياسية أكثر من كونها إجراءات عملية مؤثرة.

وتابع : أما أهداف حكومة نتنياهو من هذا التصعيد فتتداخل فيها الاعتبارات الداخلية مع الحسابات الأيديولوجية، فالحكومة الحالية تعتمد بدرجة كبيرة على أحزاب وقوى دينية وقومية متشددة تعتبر المسجد الأقصى محورا أساسيا لمشروعها السياسي ومن ثم فإن السماح باقتحامات أوسع أو رفع الأعلام أو توسيع نطاق الأنشطة اليهودية داخل الحرم القدسي يهدف إلى إرضاء هذه القاعدة السياسية، وفى الوقت نفسه فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها مستقبلاً، كما أن هذه السياسات تمنح الحكومة الإسرائيلية أدوات لحشد جمهورها الداخلي في ظل الأزمات السياسية والأمنية المتلاحقة.

وأضاف: في ما يتعلق باتفاقات التهدئة ووقف إطلاق النار التي ترعاها مصر والولايات المتحدة، فإن استمرار الاستفزازات في القدس والأقصى يضعف فرص نجاحأي ترتيبات طويلة الأمد وعن ذلك يختتم تصريحاته الطماوى قائلا : " لأن القدس تظل من أكثر الملفات حساسية فى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقد أثبتت التجارب السابقة أن أى تغيير في الوضع القائم داخل الأقصى يمكن أن يتحول بسرعة إلى عامل تفجير يمتد أثره إلى الضفة الغربية وغزة والمنطقة بأسرها.

ويشدد الطماوى على ان ما يجرى في المسجد الأقصى لا يمكن فصله عن صراع أوسع يتعلق بمستقبل القدس وهويته السياسية والدينية التحالف الإسلامي الذي تقوده مصر يمثل محاولة لوقف مسار فرض الوقائع الجديدة على الأرض، لكنه يواجه تحديات كبيرة ترتبط بميزان القوى الدولى والدعم الأمريكي لإسرائيل، ومع ذلك، فإن استمرار التحرك العربي والإسلامي المشترك يبقى عاملاً مهما للحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني للأقصى ومنع انتقال الأزمة إلى مرحلة أكثر خطورة قد تهدد الاستقرار الإقليمي بأكمله.

من ناحيته، قال د. أيمن شبانة أستاذ العلوم السياسية : "تتزايد" الدعوات فى المرحلة الراهنة إلى إقامة حلف إسلامى فاعل لمواجهة سياسات إسرائيل لتهويد القدس، فى ظل تصاعد الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الواقع الديموغرافي والقانوني والديني للمدينة، خاصة في القدس الشرقية ومحيط المسجد الأقصى.

وتكتسب هذه الدعوات زخماً إضافياً مع تزايد الاقتحامات للمسجد الأقصى ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض. وفى هذا السياق أكد الرئيس السيسي أن «القدس» ليست مجرد مدينة، وإنما رمز لهويتنا وقضيتنا»، كما شدد على أن «القدس الشرقية ستظل عاصمة الدولة التى يرتضيها ويتطلع إليها الشعب الفلسطيني والشعوب العربية». كما أكد العاهل الأردني الملك عبد الله الثانى أن «القدس خط أحمر»، بينما وصفها الرئيس التركى رجب طيب أردوغان بأنها «قضية كل المسلمين».

واضاف شبانة : وتنبع أهمية إنشاء حلف إسلامي من أن العالم الإسلامى يضم ٥٧ دولة في إطار منظمة التعاون الإسلامي، ويزيد عدد سكانه على ملياري نسمة أي ما يقارب ربع سكان العالم. كما يبلغ الناتج المحلى الإجمالي المجمع لدول المنظمة نحو ۸ تريليونات دولار وتسيطر دولها على نسبة مؤثرة من احتياطيات الطاقة العالمية، حيث تمتلك الدول الإسلامية ما يزيد على ٦٥ من الاحتياطي النفطى المؤكد عالميا. ويمنح ذلك الحلف المحتمل أدوات ضغط سياسية واقتصادية لا تتوافر لكثير من التكتلات الدولية الأخرى.

وتابع : تبرز مصر باعتبارها المرشح الأبرز للقيام بدور

قیادی داخل هذا الحلف. فهى أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان بأكثر من ۱۱۰ ملايين نسمة، وتمتلك أحد أكبر الجيوش فى الشرق الأوسط وأفريقيا، فضلاً عن موقعها الاستراتيجى الذى تتحكم من خلاله في قناة السويس التي يمر عبرها ما بين ۱۰ و ۱۲٪ من التجارة العالمية. كما تتمتع القاهرة بتاريخ طويل من الوساطة في القضية الفلسطينية، واستضافت عشرات جولات المصالحة الفلسطينية منذ عام ٢٠٠٥ ، الأمر الذي يمنحها رصيداً سياسيا يصعب تعويضه.

أما الدول المؤهلة للانضمام إلى الحلف فيقول عنها شبانة :"

تشمل عربياً السعودية التى يتجاوز ناتجها المحلى تريليون دولار وتحتضن الحرمين الشريفين، والجزائر والإمارات وقطر والكويت والمغرب والأردن وفى أفريقيا تبرز نيجيريا التي تضم أكثر من ١١٠ ملايين مسلم، والسنغال والصومال وموريتانيا. وعلى المستوى الإسلامي الأوسع تمثل تركيا، البالغ عدد سكانها نحو ٨٦ مليون نسمة، وباكستان التي تمتلك السلاح النووى ويزيد سكانها على ٢٤٠ مليون نسمة، وإندونيسيا التي تعد أكبر دولة إسلامية سكانياً بأكثر من ۲۸۰ مليون نسمة، وماليزيا.

ويمكن أن يتحرك الحلف عبر خمسة مسارات متوازية: دبلوماسيا بتوحيد المواقف داخل الأمم المتحدة. وقانونيا بدعم الملاحقات القانونية الإسرائيل وحكامها أمام المحاكم الدولية، واقتصادياً باستخدام أدوات الضغط والاستثمار والمقاطعة الانتقائية، وإعلامياً بتعزيز الرواية العربية والإسلامية للقدس، وتنموياً عبر تمويل مشروعات الإسكان والتعليم والصحة داخل القدس الشرقية.

ومن المتوقع أن يؤدى قيام مثل هذا الحلف إلى رفع الكلفة السياسية والدبلوماسية السياسات التهويد. و تعزيز صمود الفلسطينيين، وإعادة تدويل قضية القدس، فضلا عن إحياء مستوى أعلى من التنسيق الاستراتيجي بين الدول الإسلامية حول إحدى أكثر القضايا توحيداً للرأى العام الإسلامي، بما يحول الدعم للقدس من مواقف رمزية متفرقة إلى قوة مؤسسية جماعية ذات تأثير ملموس.

تمارا حداد الباحثة والمحللة الفلسطنية تقول : المعطيات المتاحة تشير إلى صدور موقف مشترك من وزراء خارجية مصر والأردن والإمارات والسعودية وقطر وتركيا وإندونيسيا وباكستان، أدان اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى ورفع العلم الإسرائيلي داخل ساحاته، واعتبر ذلك انتهاكا للقانون الدولى وللوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس الشرقية المحتلة.

دلالات هذا التحرك تتمثل في:

توحيد الموقف الدبلوماسي الإسلامي والعربي في قضية ذات حساسية دينية وسياسية عالية.

منح القضية زخما دوليا أكبر عبر تحرك جماعي بدلا من

بيانات منفردة.

تأكيد رفض أي إجراءات تستهدف تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى والقدس.

دعم الجهود الأردنية المرتبطة بالإشراف على المقدسات الإسلامية في القدس.

تضيف حداد قائلة : أن رفع العلم داخل باحات المسجد الأقصى يتجاوز كونه فعلا رمزيا، إذ يقرأ باعتباره:

- رسالة سيادية وسياسية مرتبطة بالصراع على القدس. - محاولة لإظهار حضور إسرائيلي مباشر داخل موقع في مكانة دينية خاصة لدى المسلمين.

تحديا للوضع التاريخي والقانوني القائم الذي تدعو الدول العربية والإسلامية إلى الحفاظ عليه

أما مسألة ما إذا كانت هذه هي المرة الأولى، فليست الأولى على الإطلاق؛ فقد سجلت في سنوات سابقة حوادث فردية ومتفرقة لرفع الأعلام أو الشعارات الإسرائيلية خلال اقتحامات أو مناسبات قومية إسرائيلية، إلا أن تكرارها واتساع التغطية الإعلامية لها

يزيد من حساسيتها السياسية.

تشدد تمارا أنه من منظور القانون الدولي، تعتبر الأمم المتحدة والعديد من الدول أن القدس الشرقية أرض محتلة، وأن أي إجراءات أحادية لتغيير وضعها القانوني أو الديمغرافي تثير إشكالات قانونية كبيرة لكن الإشكالية الأساسية ليست غياب النصوص القانونية بل محدودية آليات التنفيذ، خصوصا عندما تصطدم قرارات المؤسسات الدولية بحسابات القوى الكبرى واستخدام حق النقض في بعض الملفات.

 	 هانم الشربينى

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ديمترى دليانى: تحويل المقاومة إلى حزب سياسى لايتوّج إلا بالاستقلال وال
رسائل الرئيس السيسى فى أسبوع الاضطرابات الإقليمية..
يصيي
بيا
اللجنة الوطنية لإدارة غزة
اللجنة الوطنية» لإدارة قطاع غزة
تنسيق مصرى - أمريكى لتحصين اتفاق وقف الحرب فى غـــزة..
توابع موافقة الكنيست الإسرائيلى على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين

المزيد من سياسة

تفاصيل التحركات المصرية لحسم معركة تكسير العظام.. فى القرن الأفريقى

تلعب الدولة المصرية دورًا فاعلا لتعزيز التعاون مع دول القرن الأفريقي وترفيع العلاقات الاستراتيجية مع دول أريتريا والصومال وتأتى هذه...

سيناريوهات المواجهة الحاسمة بين تحالف القوى الإسلامية والكيان الصهيونى

نجحت القاهرة في تشكيل تحالف «اسلامی» في مواجهة المخططات الصهيونية التى تستهددف طمس هوية المقدسات الفلسطينية، وعلى رأسها المسجد الاقصى...

رسالة تعكس طبيعة العلاقات المصرية الصينية فى ظل الاضطرابات الدولية

السفير محمد حجازى: مصر ليست طرفاً فى الصراع الأمريكى الصينى.. وتلتزم بالسياسات المرنة د. إبراهيم نوار: سياسة القاهرة تقوم على...

«الإخوان الإرهابية» تلجأ لسلاح الحرب النفسية لشحن المواطنين ضد الدولة

منير أديب: الجماعة تكذب كما تتنفس.. والشائعات سلاحها ضد الدولة سامح عيد: التنظيم يعتمد على الكتائب الإلكترونية لتشويه الحكومة عزت...