ديمترى دليانى: تحويل المقاومة إلى حزب سياسى لايتوّج إلا بالاستقلال والسيادة د. أسامة عامر: حل أزمة القطاع تكمن فى منح الشعب الفلسطينى أبسط حقوقه وسام زغبر: تحويل «حماس» إلى حزب سياسى لن يحل المشكلة
فى الوقت الذى يواصل فيه العدو الصهيونى جرائمه ضد المدنيين العزل فى قطاع غزة، يطالب المبعوث الأممى إلى القطاع نيكولاى ملادينوف بإنهاء ملف الأنفاق ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية قبل البدء فى ملف إعادة إعمار القطاع المدمر بفعل آلة الحرب الصهيونى طول أكثر من عامين، وهو ما يحقق أهداف الاحتلال الصهيونى بعدم إعمار القطاع، واستمراره كمكان غير صالح للحياة. كما تؤجل خطة ميلادينوف انسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة إلى مراحل لاحقة. وهو ما تتمسك به حكومة الكيان كجزء من خطتها لاستمرار احتلالها لقطاع غزة، و"حشر" مليونى فلسطينى فى شريط ضيق جنوب وغرب القطاع ومنعهم من العودة إلى ديارهم المدمرة تمهيداً لتنفيذ المخطط المعلن بإجبار سكان القطاع على النزوح القسرى منه إلى خارج فلسطين التاريخية.
من جانبها ترفض الفصائل الفلسطينية التخلى عن سلاحها مقابل وعود وخدمات تقدم لأعضائها، وتشترط قيام الدولة الفلسطينية المستقلة قبل التخلى عن سلاحها والموافقة على دمج عناصر أجنحتها المسلحة فى قوات الدولة الوليدة. وتشكك الفصائل الفلسطينية فى جدوى الوعود والضمانات الغربية، والتى لم يلتزم الاحتلال الصهيونى بشيء منها بل ويواصل انتهاك جميع اتفاقيات السلام التى وقعها مع الجانب الفلسطينى بل ويعتبرها مجرد "محطة" لتحقيق هدفه الرئيسى وهو ترحيل الشعب الفلسطينى من أرضه واستكمال جريمته التى بدأها فى نكبة عام 1948.
إعادة احتلال قطاع غزة
من ناحيته يقول القيادى فى حركة فتح ديمترى دليانى إن سلاح حماس فى قطاع غزة والتزاماتها فى إطار اتفاق وقف إطلاق النار مع دولة الإبادة الإسرائيلية، شأن تفاوضى لا يصح الخوض فيه إعلامياً، والمفاوض الفلسطينى لا يزال يبحث تفاصيله ويخوض حوله اشتباكاً سياسياً. أما إذا كنا نتحدث عن تحويل أى فصيل فلسطينى إلى حزب سياسى وتصفية جناحه العسكرى أو أجنحته، فهذا يقع فى قلب الصراع الدائر حول تعريف السلطة والشرعية الوطنية تحت وطأة الاحتلال. لكن التاريخ يعلمنا أن تحولات حركات التحرر الوطنى إلى أحزاب سياسية لم تؤت ثمارها إلا حين تتوج بالاستقلال والسيادة، وكل محاولة سابقة لترويض النضال الفلسطينى مقابل وعود سياسية انتهت إلى تكريس الهيمنة الاستعمارية الإسرائيلية. مشيراً إلى أن وثيقة ملادينوف بمحاورها الخمسة عشر وما تلقته من دعم أمريكى وإقليمى، تُقرأ كضرورة لتنظيم مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار الذى تنتهكه دولة الإبادة ليل نهار، لكن من الواضح أن هناك ملفاً بالغ الحساسية فى هذه الوثيقة، وهو أن دولة الاحتلال تحتفظ لنفسها بحق النقض الأمنى على أى تقدم.
وأشار دليانى إلى أن تمسك المبعوث السامى بإنهاء ملف الأنفاق وربطه بالتسوية السياسية، هو ووضع للعصى فى العجلات لعرقلة أى جهد دولى لإعادة الإعمار، فشبكة الأنفاق التى حفرها مقاومون بأظافرهم فى مواجهة حصار مطبق، هى تجلٍ من تجليات حق شعبنا فى الدفاع عن وجوده. ومن الناحية التفاوضية، جرى تناول ملف الأنفاق فى المفاوضات بين حركة حماس ودولة الإبادة، وفى المبادرة التى سُميت باسم ترامب والتى بنى عليها قرار مجلس الأمن الذى منح الشرعية الدولية للحراك الذى تلاه. لافتاً إلى أن وثيقة ملادينوف تؤجل الانسحاب الكامل لجيش الاحتلال الإسرائيلى من قطاع غزة وتقسمه إلى مراحل زمنية غامضة وذلك هو الصلب الاستراتيجى لمخطط إسرائيلى يهدف إلى إدامة السيطرة الاستعمارية العسكرية وإجهاض أى فرص لتجسيد سيادة فلسطينية مستقبلية على القطاع. فالمخطط الذى يتحدث عن ثلاث مراحل وصولاً إلى "خط أحمر" يُبقى على 20% من مساحة القطاع كمنطقة عازلة تحت الاحتلال، وذلك يخدم ثلاثة أهداف: ابتزاز شعبنا فى أى مفاوضات لاحقة، واختلاق حزام استيطاني-عسكرى دائم، وإبقاء سيف الاجتياح مسلولاً فوق رؤوس أكثر من مليونى إنسان فلسطينى. لذلك فإن شعبنا الذى صمد فى وجه آلة الإبادة الإسرائيلية أكثر من عامين ونصف، لن يقبل بأن يُستبدل احتلال شامل بآخر جزئى ومزمن. فالانسحاب المرحلى دون جدول زمنى مُلزم وضمانات أممية صارمة، يشكل كميناً سياسياً لإنضاج نوع جديد من الاحتلال تحت يافطة قديمة اسمها التسوية.
أولى خطوات التحرير
حول الضمانات الممكنة لإلزام الكيان الصهيونى بالانسحاب الكامل من قطاع غزة، يقول دليانى: فى ظل الصمت المطبق للمجتمع الدولى، بل تواطئه الصارخ مع جرائم دولة الإبادة الإسرائيلية، تغدو الضمانات الورقية وحدها نوعاً من الخداع الذاتى. الضمانات الحقيقية تنطلق من ثلاثية: الحسم الأممى، الوحدة الوطنية، وتكلفة العدو ثمن استمرار الاحتلال.
الضمانة الأولى التى يجب انتزاعها هى قرار أممى تحت الفصل السابع يفرض انسحاباً كاملاً غير مشروط من قطاع غزة، مقروناً بقوة حفظ سلام دولية تملك صلاحية استخدام القوة لتنفيذه. وهذا يبقى أمنية فى ظل الرفض الأمريكى القاطع له.
أما أقوى ضمانة واقعية على الأرض فهى الجسد الوطنى الموحد. موحد خلف استراتيجية واحدة، قادر على قلب المعادلات. فوحدة الشعب الفلسطينى رصاصة فى صدر المشروع الاستيطانى، واستمرار الانقسام هدية مجانية لدولة الإبادة.
أضف إلى ذلك ضرورة استمرار الدبلوماسية الشعبية الفلسطينية فى الضغط من أجل تعليق كامل لاتفاقيات الشراكة بين دولة الاحتلال ودول العالم، وفرض مقاطعة اقتصادية وأكاديمية شاملة، ومحاكمة مجرمى الحرب الإسرائيليين فى المحاكم الدولية.
وتابع دليانى: أن خارطة الطريق المعلنة تنص على أن "الحزب السياسى الذى ينبذ النشاط المسلح يمكنه المشاركة فى الانتخابات الوطنية"، ما يفتح باباً نظرياً لممارسة حماس وغيرها دورها كقوى سياسية مدنية. هذا المخرج يتيح لحماس الاستمرار فى المشهد السياسى، لكنه يتطلب تطبيقاً فعلياً لمراحل اتفاق وقف إطلاق النار، وضمانات دولية ملموسة بعدم العودة إلى الحرب. كما يتطلب مصالحة وطنية شاملة تعيد بناء النسيج السياسى الفلسطينى على أسس ديمقراطية. وأى قفز فوق هذين الاستحقاقين سيجرد خريطة الطريق من قيمتها السياسية. كما أن الافتراض بأن فصائلنا يمكن شراؤها بامتيازات وظيفية أو خدماتية ينم عن جهل مركب بطبيعة حركات التحرر الوطنى الفلسطينى. فحماس حركة سياسية-عسكرية ضاربة فى العمق الشعبى، وسلاحها أداة نضال فى مواجهة الإبادة، لا بضاعة فى سوق المساومات. صحيح أن الحركة تسعى عملياً إلى دمج عدد من عناصرها فى ترتيبات إدارية جديدة، لكن هذا التكتيك يندرج فى سياق سعيها الطبيعى لتأمين موقع متقدم فى معادلة الإدارة بعد الإبادة، وليس قبولاً برشوة سياسية.
وأشار دليانى إلى أن إعادة بناء الحجر فى قطاع غزة يستوجب إحدى خطوتين: إما يقظة قيادية شجاعة، ولو متأخرة، تنهى الانقسام، وإما أن تفسح هذه القيادة الطريق لقوى وطنية اخرى أكثر فاعلية لتستعيد زمام المبادرة. وذلك لإحباط محاولات تحويل قضيتنا الوطنية جذرياً من نضال شعب تحت الاحتلال من أجل التحرير إلى مجرد "أزمة إنسانية" تعالج بالطحين والخيام، والتى هى أساساً حق لشعبنا.
فدولة الإبادة الإسرائيلية تسعى إلى تحييد البعد السياسى والحقوقى لقضيتنا، وإبقاء غزة سجناً مفتوحاً يعتمد على الفتات الدولى. إعادة الإعمار الحقيقية تكمن فى إدخال الحرية وإنهاء الاحتلال وبناء الدولة الفلسطينية. وكل حديث عن مساعدات من دون حراك سياسى ينهى الاحتلال ليس أكثر من مسكن لمريض يُقتل ببطء، والجلاد الإسرائيلى يمسك بالمشرط ويتحكم بجرعة المخدر.
تكرار سيناريو غزة فى الضفة
وشدد دليانى على أن إسرائيل تخطط لتكرار سيناريو غزة فى الضفة الغربية ولكن مع بعض التغييرات، فما يحدث هو تنفيذ متسارع ودامٍ لعملية تطهير عرقى فى القدس المحتلة وباقى أنحاء الضفة الغربية، يستنسخ وحشية غزة بأدوات مختلفة وبوتيرة أقل دموية لا يصعب إخفاؤها عن العالم. فالأرقام ترسم مشهداً مرعباً: منذ بداية العام الماضى، استشهد 1,102 فلسطينى وأصيب 9,034 آخرون فى القدس وباقى أنحاء الضفة المحتلة. وتحت غطاء الدعم الأمريكى المطلق، تنفذ حكومة المجرمين فى تل أبيب مخططاً لتقطيع أوصال الضفة وتحويل مدننا ومخيماتنا إلى كانتونات معزولة يسهل ابتلاعها. إنه السيناريو ذاته الذى طُبق فى غزة، ولكن بتقنية "التقطيع الزمنى والمكاني" التى تخدع الأعين الدولية. إنها إبادة جماعية بالتقسيط، والمجتمع الدولى المتواطئ يكتفى ببيانات إدانة بليدة والنزيف مستمر.
تحول حماس إلى حزب سياسى لا يحل مشاكل غزة
من جانبه يقول الكاتب والباحث السياسى الفلسطينى وسام زغبر إن محاولة تحويل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى حزب سياسى، مع إنهاء جناحها العسكرى، يأتى ضمن تصورات دولية تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الفلسطينى بعد الحرب. غير أن هذا السيناريو يواجه جملة من العقبات الجوهرية يمكن إجمالها فى:
أولاً: لا تنظر حماس إلى سلاحها بوصفه مجرد أداة عسكرية، بل تعتبره جزءاً من مشروع مقاومة مرتبط باستمرار الاحتلال.
ثانياً: البيئة السياسية الفلسطينية الحالية لا توفر ضمانات حقيقية تجعل التخلى عن السلاح خياراً مقبولاً أو آمناً.
ثالثاً: التجربة الفلسطينية مع الاتفاقات السابقة عمقت حالة الشك تجاه الضمانات الدولية والإسرائيلية.
وحتى فى حال حدوث تحول سياسى داخل حماس، فإن أزمة غزة لن تُحل تلقائياً، لأن جوهر الأزمة يرتبط بالاحتلال والحصار والسيطرة الإسرائيلية على المعابر والحدود والموارد، وليس بوجود السلاح فى يد المقاومة.
وأشار زغبر أن خارطة الطريق التى يطرحها المبعوث السامى لمجلس السلام الدولى لإعادة هيكلة غزة تقوم على ثلاث ركائز أساسية:
وعقب بالقول: أن الإشكالية الأساسية فى هذه المقاربة تكمن فى تقديم الأمن الإسرائيلى كأولوية تتقدم على الحقوق الوطنية الفلسطينية، فى حين ترى قوى فلسطينية عديدة أن أى إعادة هيكلة حقيقية يجب أن تنطلق من: وقف الحرب بشكل نهائى، وانسحاب الاحتلال من القطاع، وفتح المعابر بشكل كامل وإدخال المساعدات دون قيود، وبدء عملية الإعمار بعيداً عن الشروط السياسية أو الأمنية المجحفة. وهو ما تتمسك به القوى الفلسطينية مع رفضها الكامل لتحويل الملفات الإنسانية إلى أدوات للابتزاز السياسى.
وعن تمسك المبعوث السامى لغزة بإنهاء ملف الأنفاق وربطه بالتسوية السياسية يقول زغبر إن إسرائيل لا تنظر إلى الأنفاق باعتبارها قضية أمنية فحسب، بل كجزء من منظومة القوة العسكرية فى غزة، لذلك يجرى ربط إنهائها بأى تسوية مستقبلية، غير أن هذا الربط يواجه اعتراضات فلسطينية واسعة:
تأجيل الانسحاب الإسرائيلى من غزة
الفصائل الفلسطينية، ومن بينها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، تنظر إلى أى تأجيل للانسحاب باعتباره محاولة لتحويل الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم، لا سيما مع توسيع المناطق العسكرية داخل القطاع من 53% إلى 64%. لذلك، من المستبعد أن تقبل المقاومة الفلسطينية ببقاء الاحتلال لفترات مفتوحة من دون جدول زمنى واضح وملزم للانسحاب الكامل.
وأضاف زغبر أنه لا توجد حتى الآن ضمانات فعلية قادرة على إلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من غزة، الأمر الذى يستدعى إصدار قرار دولى ملزم من مجلس الأمن، وتوفير رعاية وضمانات من قوى دولية وإقليمية، ونشر قوة الاستقرار الدولية، وربط أى شراكات أو مساعدات لإسرائيل بالتزامها بالاتفاق.
لكن عملياً، تبقى المعضلة الأساسية فى غياب آليات تنفيذ حقيقية، خصوصاً فى ظل الدعم الأميركى لإسرائيل، وضعف قدرة المجتمع الدولى على فرض العقوبات أو المساءلة.
وأشار زغبر إلى أن حماس ترفض التخلى عن سلاحها مقابل امتيازات سياسية أو دمج عناصرها فى السلطة، لأنها ومعها فصائل المقاومة الفلسطينية، ترى أن بقاء السلاح مرتبط باستمرار الاحتلال، وأن أى اندماج سياسى لا يمكن أن يكون بديلاً عن حق فصائل المقاومة فى الدفاع عن الشعب الفلسطينى فى مواجهة العدوان الإسرائيلى. لكن ذلك لا يمنع من ظهور صيغ وسطية، مثل: إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، دمج إدارى ووظيفى لعناصر الحركة، والاتفاق على هدنة طويلة الأمد مقابل إعادة الإعمار.
غير أن الوصول إلى مثل هذه الترتيبات يتطلب توافقاً فلسطينياً داخلياً وضمانات سياسية لا تبدو متوفرة حتى الآن.
ولفت زغبر إلى أن هناك خطر حقيقى يتمثل فى اختزال قضية غزة بجميع أبعادها فى البعد الإنسانى فقط، عبر التركيز على المساعدات، والإغاثة، والغذاء، والدواء، والإيواء، وكل هذه الأمور حقوق مشروعة، لكن يتم التركيز عليها فى مقابل تهميش البعد السياسى المتعلق بإنهاء الاحتلال وحق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره.
وفى هذا الإطار، تؤكد القوى الوطنية الفلسطينية على ضرورة الموازنة بين أولوية إنقاذ الوضع الإنسانى الكارثى، وعدم تحويل غزة إلى مجرد "أزمة إنسانية" منفصلة عن القضية الفلسطينية الوطنية، كقضية تحرر وطنى.
وحذر زغبر من مخطط إسرائيلى لتكرار سيناريو غزة فى الضفة الغربية، قائلاً: جميع المعطيات تشير إلى أن إسرائيل تتجه بالفعل نحو تصعيد مشروع الضم والسيطرة فى الضفة الغربية، ولكن بأدوات مختلفة عن تلك المستخدمة فى غزة، من أبرزها: توسيع الاستيطان وتهويد القدس، وإنشاء مناطق عسكرية ومحميات مغلقة، والسيطرة على الأراضى والمواقع الأثرية، وإضعاف السلطة الفلسطينية تدريجياً. مضيفاً أن المشروع الإسرائيلى يقوم على تفكيك الجغرافيا الفلسطينية، ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة متصلة جغرافياً، وذلك من خلال فرض وقائع دائمة بالقوة العسكرية والأمنية. وبذلك يتحول نموذج "الإدارة الأمنية والإنسانية" المفروض على قطاع غزة إلى نموذج أوسع يطبق مستقبلاً فى أجزاء من الضفة الغربية، ولكن بأدوات وأساليب تتناسب مع طبيعة الوضع هناك.
التمسك بسلاح المقاومة
من جانبه يقول الكاتب والباحث السياسى الفلسطينى الدكتور أسامة عامر إن حماس حركة مقاومة ضد الاحتلال الصهيونى، شأنها شأن كل قوى المقاومة والنضال الفلسطينى الممتد عبر التاريخ. وهى الحركة الأشد قوةً وعنفواناً فى وجه الإحتلال الصهيونى خلال السنوات الأخيرة، لكنها بالوقت نفسه حركة سياسية غير عدمية وتوازن بين مصلحة شعبها وبين الضغوطات الهائلة التى تمارس عليها، وسبق لحماس أن أسست "حزب الخلاص الوطنى الإسلامي" وكان حزباً سياسياً موازياً ومستقلاً تنظيمياً وإدارياً عن الحركة، وكان ذلك فى فترة التسعينيات عند قدوم السلطة الفلسطينية 1994 وتسلم هذه السلطة مناطق الحكم الذاتى فى الضفة الغربية وقطاع غزة. وبكل تأكيد يجرى الآن طروحات على "حماس" لتحولها إلى حزب سياسى وتصفية جناحها العسكرى، لكن فى تقديرى يبقى هذا مسار نظرى يطرح خلال جولات المفاوضات، والحركة تربط تحولها لحالة سياسية كاملة بقيام الدولة المستقلة ذات السيادة على الأراضى الفلسطينية التى أقرتها المواثيق الدولية، وأضاف "عامر": حينها ستقوم الحركة بدمج جناحها العسكرى المسلح بالقوات النظامية العسكرية والشرطية فى أجهزة الدولة الفلسطينية شأنها شأن كل القوى والأجنحة العسكرية الفلسطينية، ودون تحقيق هذا الشرط (قيام الدولة) ستبقى قضية تحول حماس لحزب سياسى وحل جناحها العسكرى تواجه تعقيدات سياسية وميدانية. أما حل أزمة قطاع غزة ففى تقديرى لا تكمن فى قضية نزع سلاح حماس وقوى المقاومة، بل بإنصاف الشعب الفلسطينى ومنحه أبسط حقوقه أمام تغول العدو الصهيونى، الذى يشن حرب إبادة وتطهير ومحاولة تهجير ضد أهالى قطاع غزة، وهذا يتطلب ممارسة ضغوط حقيقية من الوسطاء والضامنين للاتفاقات الموقعة ويتطلب مسارات اقتصادية ودولية متوازية.
وأضاف عامر أن تطبيق خارطة طريق المبعوث السامى لمجلس السلام الدولى لإعادة هيكلة قطاع غزة تتطلب أن يواجه ملادينوف الحقائق على الأرض وهى وجود شعب يتعرض لعمليات إبادة يومية، وعليه أن يواجه صلف حكومة الحرب الصهيونية التى شنت حربها العدوانية الأخيرة على غزة منذ أكثر من عامين، ولا تزال مستمرة فى هذه الحرب، ففى كل لحظة نشهد عمليات قتل واغتيالات للفلسطينيين داخل غزة رغم اتفاقات التهدئة ووقف الحرب. فقطاع غزة لا يزال يعيش حالة حرب يومية ومعها حالة إنسانية غاية فى الصعوبة، ناهيك عن أزمة عدم الإعمار وانهيار البنية التحتية بالكامل، وكل هذه تحديات أمام ملادينوف ومجلسه ، وكل ذلك يتطلب موقفاً دولياً حازماً يلجم هذا الاحتلال الصهيونى، ويتطلب ضخ مليارات الدولارات، وتوافقاً دولياً لإعادة الإعمار، وتمكين الفلسطينيين من حقوقهم السياسية الطبيعية وحينها قد يتحقق بشكل طبيعى دمج القوى الفلسطينية المقاومة وعلى رأسها حماس فى النظام السياسى الفلسطينى المدعوم دولياً وعربياً.
وتابع عامر: ملادينوف ينفذ رؤية أمريكية إسرائيلية ويضغط على الحلقة الأضعف وهى الجانب الفلسطينى، ويركز على البدء بتغيير بنية الحكم فى القطاع بدلاً من إصلاح الدمار الذى تسبب به الاحتلال الفاشى، وبدلاً من البدء بتنفيذ الإرادة الدولية وإنصاف الشعب الفلسطينى وتمكينه من أبسط حقوقه يأتى ملادينوف ويشترط إنهاء ملف الأنفاق هو حقيقةً يضع العصى فى العجلة، ويؤخر الاستجابة الإنسانية العاجلة لسكان وأهالى قطاع غزة، ويتغافل عن الانتهاكات اليومية للاحتلال الصهيونى فى قطاع غزة، وحتى فى الضفة الغربية والقدس التى تتعرضا يومياً للانتهاكات الصهيونية من الجيش وميليشيات المستوطنين المحمية من جيش العدو الفاشى، وكلها مناطق فلسطينية محتلة حسب التعرف الدولى، شأنها شإن قطاع غزة. وبالتالى تكون شروط ملادينوف هى عملية فرض وقائع استباقية وشروط سياسية فى وقت يعيش فيه أكثر من مليونى فلسطينى وسط دمار هائل يحتاج إلى عمل يمتد لجيل كامل لإزالته، لهذا فى تقديرى يجب فصل الجانب الإنسانى وتدفق المساعدات عن المسار السياسى الذى يزداد تعقيداً بسبب صلف الإحتلال وخروقاته المستمرة لكل الاتفاقات التى تم التوصل إليها بمعرفة الوسطاء والضامنين.
وأكد عامر أن العدو الصهيونى لا يلتزم بالاتفاقات التى يوقع عليها، لأنه احتلال إجلائى إحلالى، تقوم عقيدته على التوسع والقتل وهدم البيوت واقتلاع الشجر والحجر، فهى عقيدة احتلالية فى فرض مناطق عازلة يسميها زوراً بالمناطق الآمنة وهو يريدها آمنة لجنوده، ولتجريد قطاع غزة وقوى المقاومة فيه من كل مقومات السيطرة الميدانية. وبكل تأكيد قوى المقاومة الفلسطينية ترفض هذه الوقائع التى يحاول الاحتلال فرضها واستمرار اجتياحاته وتوغله فى قطاع غزة، وترفض قوى المقاومة أى تراجع عن الانسحاب الكامل وتتمسك بالتنفيذ الحرفى والمتبادل لمراحل الاتفاق.
تحرر وطنى لا قضية إنسانية
وشدد عامر على أن الشعب الفلسطينى بكل أطيافه ورغم كل صنوف العذاب التى يتعرض لها خصوصاً فى الحرب العدوانية الأخيرة على قطاع غزة، يرفض تحول قضيته الوطنية السياسية وحقوقه وثوابته إلى قضية إنسانية وقضية مساعدات، فهذه كلها حقوق طبيعية كفلتها جميع المواثيق الدولية، والشعب الفلسطينى فى قطاع غزة على وجه التحديد وأمام عظيم ما قدم من تضحيات يرفض رفضاً قاطعاً بأن تتحول قضية قطاع غزة إلى مجرد ملف إنسانى، مع تسليمنا بتداخل البعد الإنسانى مع الجوانب السياسية والاستراتيجية العميقة للحقوق الفلسطينية، فمع أهمية جهود الإغاثة الدولية والأممية، ومع أهمية أن يبقى التركيز الإعلامى اليومى منصباً بشكل كبير على معارك إدخال المساعدات الإنسانية، إلا أن هذا لم ولن ينفى أصل القضية وأصل الأزمة التى تظل فى جوهرها قضية سياسية، قضية تحرر وطنى مرتبطة بوجود الاحتلال الصهيونى على الأراضى الفلسطينية.
وأوضح عامر أن إسرائيل لم تتوان للحظة عن مواصلة عمليات القتل الممنهجة ضد الشعب الفلسطينى أينما تواجد، فضلاً عن استمرار عمليات التهويد فى الضفة الغربية المحتلة، عبر مصادرة الأراضى واقتلاع الأشجار وحرق المزروعات وحتى حظائر المواشى، وتوحش عمليات التوسع الاستيطانى والذى يسرى كالسرطان فى جسد الأرض الفلسطينية، ويحاول العدو الصهيونى تنفيذ سياساته الرامية إلى تغيير الواقع الميدانى والقانونى فى الضفة الغربية، ويشمل ذلك توسيع رقعة الاستيطانى، وقد تختلف التكتيكات والآليات التى يستخدمها العدو الإسرائيلى فى قطاع غزة، عما يستخدمه فى الضفة الغربية، لكن المحصلة والهدف واحد، وقد يلجأ هذا العدو المجرم لسياسات تصعيدية أكثر عنفاً فى الضفة الغربية خصوصاً أمام حالة العجز الفلسطينى والعربى والدولى فى لجم هذا الاحتلال. ومؤخراً تم مصادرة أراض فلسطينية رغم أنها مصنفة على أنها ضمن مناطق (أ) حسب اتفاقية أوسلو، وذلك لتقطيع أوصال الضفة الغربية وفصل شمالها عن جنوبها. مع استمرار عمليات القتل واقتحام المدن والمخيمات الفلسطينية فى كل محافظات الضفة الغربية، وتدمير البنية التحتية على غرار ما حدث ويحدث فى غزة، وهنا يحدث التشابه مع ما يحدث فى غزة وإن كان بوتيرة أقل نسبياً لكنها مستمرة وخطيرة فى الوقت نفسه إذا تمثل أراضى الضفة الغربية والقدس جوهر مستقبل الصراع مع هذا العدو.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ديمترى دليانى: تحويل المقاومة إلى حزب سياسى لايتوّج إلا بالاستقلال والسيادة د. أسامة عامر: حل أزمة القطاع تكمن فى منح...
د. طارق فهمى: صياغة تفاهمات استراتيجية واقتصادية.. تعيد التوازن لعلاقات واشنطن د. محمد فرحات: حزمة من الملفات المعقدة كانت على...
تسويـة النزاعـات القائمـة بالطـرق السلميــــــــــة.. والحفاظ على سيادة الدول إصلاح النظام المالى الدولى.. وكسر معضلة الديون السيادية عدم الإضرار بمصالح...
تعد اللحظة الراهنة في السودان هي الأخطر منذ اندلاع الصراع المسلح، حيث تحولت الأراضي السودانية من ساحة نزاع داخلى إلى...