غواصة صينية تنزع مظلة التفوق العسكرى الإسرائيلى
تقاطعت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر مع قلق إسرائيلي بالغ، عزته دوائر في تل أبيب إلى معلن ونقيض في تلاقي أهداف القاهرة وبكين على رقعة المصالح المشتركة بين البلدين، ومستجدات تحملها آفاق التعاون الرحبة في مختلف المجالات، فضلاً عن انعكاسات الخطوة على معادلات إقليمية ودولية، تعكس مدى حدة صراع الانتقال من عالم أحادي القطب إلى نظير متعدد الأقطاب.
وتشى بنود تقارب القاهرة وبكين بتموضع المصريين وسط دائرة القوى العظمى، التي تعيد صياغة القدرات الإقليمية والدولية بمفاهيم جديدة، تثور على أحادية الإدارة والتحكم في تقرير مصير الأمم، وتتيح متسعًا جديدًا نحو استقلالية القرار وتحديد خارطة المصالح بما يضمن مصالح الشعوب.
ووفقًا لتقديرات دوائر أبحاث إسرائيلية، هدفت الزيارة بجدول أعمالها التقليدي إلى تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، والاحتفاء بالذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية. وركزت أيضًا على توسيع النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي للصين في الشرق الأوسط وأفريقيا، إلى جانب تعزيز العلاقات الدفاعية؛ علاوة على ترسيخ مكانة البلدين كشريكين رائدين في منطقة «جنوب العالم»، وتنسيق المواقف بشأن القضايا الإقليمية والدولية، وفي طليعتها الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والتجارة البحرية.
عقود التصدير
ولا يتنازل التقارب المصري الصيني عن توسيع نطاق مبادرة «الحزام والطريق» عبر زيادة دمج مصر، ولا سيما منطقة قناة السويس، في مسارات التجارة العالمية للصين؛ بالإضافة إلى الحفاظ على زخم التدريبات العسكرية المشتركة، مثل مناورات القوات الجوية «نسور الحضارة 2026».
وقبل أسبوع من الزيارة، استبق المصريون والصينيون وصول الرئيس شي جين بينج إلى القاهرة بإبرام عشرات عقود التصدير بين شركات مصرية والصين في مجالات الزراعة والمنسوجات والمعادن؛ كما وسّع الرئيسان السيسي وشي جين بينج نطاق اتفاقيات شملت عدة قطاعات، من بينها: توسيع المنطقة التجارية والصناعية المصرية – الصينية «تيدا» في العين السخنة، لتزيد مساحتها من حوالي 7 إلى 10 كيلومترات مربعة؛ وإنشاء مجمعات تصنيع لألياف البوليستر والإطارات، ومنتجات الرعاية الصحية، باستثمارات تتجاوز مليار دولار.
وشملت العقود المبرمة اتفاقيات إطارية لدمج أنظمة رقمية متطورة في شبكة الكهرباء المصرية والتحول نحو الطاقة المتجددة؛ واتفاقيات أخرى لإنشاء مصانع صينية جديدة على الأراضي المصرية، خاصة مصانع الأجهزة المنزلية، مما يتيح للصين تجاوز القيود التجارية العالمية.
هدايا بكين
إلا أن دوائر الرصد الإسرائيلية تعزو إلى غير هذه البنود أهمية أعلى في تغيير قواعد القوة في كامل المنطقة، مشيرة إلى اعتزام بكين منح المصريين «هدايا» غير مسبوقة. وفيما تشير كلمة «هدايا» في العرف الدبلوماسي، إلى حزم المساعدات، أو الاستثمارات الضخمة، أو المشاريع التكنولوجية المرموقة، لكنها تعني في انفتاح العلاقات المصرية الصينية تطورًا أشمل، دق ناقوس الخطر في واشنطن وتل أبيب، وأثار لديهما قلقًا بالغًا، لا سيما إذا لامست قفزات التعاون التكنولوجي أداءات مركز القيادة الاستراتيجية في العاصمة الإدارية الجديدة «الأوكتاجون»!
وزادت التوجسات الإسرائيلية والأمريكية مع تلقى المصريين عرضًا من شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة «هواوي» لإمداد القاهرة بما يربو على 2000 شريحة متطورة للذكاء الاصطناعي، وتخصيصها لمراكز بيانات الحكومة المصرية؛ وهي خطوة تمنح مصر قفزة تكنولوجية هائلة، وتثير قلقًا كبيرًا لدى واشنطن وتل أبيب، بحسب تعبير موقع «نتسيف» المحسوب على دوائر أمنية في إسرائيل.
10 مليارات دولار
ولا تسقط من مربعات الرصد والترقب الإسرائيلية، اعتزام الصينيين زيادة الدعم المالي الكبير والاستثمارات المباشرة في القاهرة، والتي تتجاوز حاجز الـ10 مليارات دولار، وهو ما يساعد الاقتصاد المصري على مواجهة أزمة نقص العملة الصعبة؛ علاوة على المضي قدمًا في مشاريع طموحة مدرجة حاليًا على جدول أعمال البلدين، ومنها إنشاء مجمع ضخم لإنتاج الألومنيوم في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بقيمة تقديرية تبلغ حوالي ملياري دولار.
وتتفاقم مخاوف إسرائيل على وجه التحديد من التقارب المصري الصيني على مسار التعاون العسكري، إذ لا تستبعد تل أبيب انفتاحه على ما يساهم في تغيير ميزان القوة الإقليمي، ويؤثر على معادلة التفوق العسكري النوعي الذي تحتكره إسرائيل في المنطقة.
ووفقًا لتقرير مطول نشره موقع «نتسيف» العبري، تستند تل أبيب إلى تسريبات وصفتها بالأجنبية، لا تستبعد احتمالية إجراء القاهرة وبكين مباحثات متقدمة، تحصل بموجبها الأولى من الثانية على غواصات من طراز 039A Type، مشيرة إلى أن نطاق هذه المباحثات لا يقتصر على مجرد عملية الشراء، بل يمتد ليمل نقل التكنولوجيا وتعزيز التعاون الصناعي بين الطرفين، مما قد يمهد الطريق لشراكة مصرية أكبر في أنشطة التصنيع أو التطوير مستقبلاً.
الأكبر أفريقيا
وبموجب التسريبات، التي تروج لها إسرائيل، تسعى القاهرة إلى إبرام صفقة مع بكين، تحصل بها على غواصات صينية من طراز «تايب 039A» (فئة يوان)، وهو ما يغيّر ميزان القوى في البحرين المتوسط والأحمر، ويُحدث تغييرًا في الديناميكيات العملياتية للبحرية، ويزيد تحقيق التوازن في ميزة التخفي لدى سلاح البحرية المصري، الذي يعد بالفعل الأكبر في أفريقيا، وفق اعتراف الموقع العبري.
ووفقًا لمتابعات الرصد العسكري الإسرائيلي، يعتمد سلاح البحرية المصري حاليًا على غواصات ألمانية؛ ورغم تطورها، إلا أنها تفتقر، بحسب منظور تل أبيب، إلى نظام دفع مستقل عن الهواء. في المقابل، تم تجهيز الغواصات الصينية المدرجة ضمن الصفقة المحتملة مع القاهرة بنظام دفع مستقل عن الهواء، يعتمد على محرك «ستيرلينج» (Stirling engine) مما يتيح للغواصات من هذا النوع البقاء مغمورة تحت الماء لمدة تتراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع متواصلة دون الحاجة للصعود إلى السطح أو استخدام أنبوب التنفس (سنوركل). وبمدى عملياتي يبلغ حوالي 12,000 كيلومتر، توفر الغواصات الصينية لمصر قدرة فتاكة وخفية على فرض السيطرة البحرية (الاعتراض) عند الممرات الاستراتيجية الحيوية، ولا سيما مضيق باب المندب، وجنوب البحر الأحمر، فضلاً عن تعزيز حماية طرق التجارة عبر قناة السويس.
إسرائيل تعترف
وتقر مصادر التقرير الإسرائيلي بأنه إذا تكللت المناقشات المتعلقة بنقل التكنولوجيا بالنجاح، تصبح مصر مركزًا إقليميًا لأعمال الصيانة، وربما حتى الإنتاج المشترك؛ ومن شأن ذلك أن يقلل من مدى تأثرها بحظر الأسلحة الغربي، وأن يتيح لها الحفاظ على أسطول يتمتع بجاهزية وقدرة تشغيلية أفضل على المدى الطويل.
وتستعرض دوائر عسكرية في تل أبيب إمكانات الغواصات الصينية من فئة «يوان»، مؤكدة أنها تجسد فلسفة تختلف عن تلك التي تتبناها الغواصات الأوروبية، وأشارت في هذا الخصوص إلى اعتماد «يوان» على تقنية «ستيرلينج» المشابهة لتلك المستخدمة في الغواصات السويدية؛ كما تتميز الغواصة الصينية بطلاء ماص لموجات الرادار والسونار (بلاطات عازلة للصوت)، وهي مزودة بأسلحة فتاكة تشمل صوارخ كروز مضادة للسفن (مثل صاروخ YJ-18) وتوربيدات متطورة موجهة (مثل Yu-6).
وفيما يتعلق بأنظمة القتال وإدارة الأسلحة، تضاهي الغواصة الصينية معظم الطرازات الغربية. أما الميزة الرئيسية فتكمن في أسعارها الميسرة وغياب الشروط السياسية المرتبطة بالصفقة، مما يتيح لمصر التفاوض في آن واحد مع كل من فرنسا وألمانيا لدفع الأسعار نحو الانخفاض.
قدرات التخفي
وبموجب هذه المميزات، اعترفت تل أبيب بأن إقدام المصريين على هذه الخطوة مع الصينيين، يعد تهديدًا محتملاً مباشرًا وغير مباشر على البحرية الإسرائيلية، حتى في ظل اتفاقية السلام القائمة، إذ تفضي الصفقة المحتملة إلى تآكل التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي، الذي تكفله اتفاقية (QME) الإسرائيلية مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول منذ حرب أكتوبر 1973، علاوة على أن إسرائيل رسخت بهذه الاتفاقية تفوقها البحري المطلق تحت سطح الماء، استنادًا إلى فجوة تكنولوجية، توفرها الغواصات الألمانية من طراز «دولفين»، المزودة بنظام الدفع المستقل عن الهواء؛ إلا أن حصول مصر على تكنولوجيا الدفع المستقل عن الهواء (AIP) الصينية يقلص هذه الفجوة العملياتية.
وترفع قدرات الغواصة الصينية مستوى عجز البحرية الإسرائيلية عن مراقبة تحركات الأسطول المصري في البحرين المتوسط والأحمر، نظرًا للقدرات التخفي الفحشة التي تتمتع بها الغواصة «يوان»، وهو ما يفرض على تل أبيب زيادة الاستثمار في قدرات الحرب المضادة للغواصات. كما تشكل قدرة الغواصة الصينية على إطلاق صوارخ كروز بعيدة المدى ضد أهداف برية أو قطع بحرية، تهديدًا للمنشآت الاستراتيجية الإسرائيلية، مثل منصات الغاز والموانئ.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
عباس شراقى: التنين الصينى يجيد استخدام العلاقات والصداقات التجارية لحسم الملفات السياسية
حسام الدجنى: العرب مطالبون بتنفيذ اقتراح الرئيس السيسى بتكوين جيش عربى موحد منصور أبو كريم: بكين تدعم الحقوق الفلسطينية دون...
حسن سلامة: المناورات المصرية الصينية ترسيخ لسلام مبنى على القوة اللواء نصر سالم: التسليح الصينى يكسر التفوق النوعى لإسرائيل عمرو...