حكايات عادية جداً - ولاد الحرام «الحلقة الأخيرة» سلام مؤقت

ومرت سنوات، أقامت فيها "ضرار" مقامين متجاورين، لـ "سلامه" و"أبو ناصر"، وبجوارهما احتفلوا بالعيد المبارك.

لم يكن الشتاء قد انتهى بعد، كان أمشير ما زال يلعب بالغبار والأتربة على وجوه الناس وفوق أسطح بيوتهم، لكن الجو اختنق فجأة، نزل الحر، حتى بات الناس لا يستطيعون التقاط أنفاسهم، وبدا الجبل من بعيد كخزنة جهنم يلقون على أهلها الوقود والنار.

وصل القادمون للثأر  إلى "ضرار" فزادهم الحر خنقا، وأضاف على ضيقهم ضيق.

كانت الخطة أن يــربط "عبد الغفار"، و"مدثر" و"أبو ناصر" فى أرض الحاج إبراهيم، ليس مطلوب فى المرحلة الأولى سوى مواجهة "خطَار" فقط، لا داعى لسؤال ميشيل النصرانى عن فدانيين الأرض، ولا أهل العمدة عن الفدان الذى حصل عليه مقابل تواطئه من الباطل، المهم أن "خطار" لا يستطيع أن يضع قدمه فى أرض الحاج إبراهيم بعد الآن.

إنه لن يفهم سوى لغة القوة.

لم يكن "خطار" وحده أيضا، فمنذ أن عرف بوصول أولاد عمه، مطالبين بأرضهم، هرع  إلى أصدقاء الجبل والليل، عقد معهم صفقة كى يناصروه، يساعدوه على فرض سيطرته وطرد الغزاة، وما أن تستتب الأمور، يعطيهم ثلاثة فدادين من الأرض.

كان العرض مغريا لانضمام 5 منهم، وكان هو سادسهم، وبدا السؤال يجوب "ضرار"، من يهزم الآخر، الستة أم الثلاث؟

ورغم أن "خطَار" بدا فى عيون الناس بلا رادع، أفعاله مخيفة، غير أن فى أعماقه، كان يداهمه طارق الخوف، فينغص عليه النوم، ولا يستطيع مواجهته والتغلب عليه سوى بالخمر.

******

أجلت "مكة" الذهاب معهم إلى "ضرار"، لم تذهب مع أخيها ورفقائه، اصطحبت أمها، وذهبت  إلى الشيخ "صديق" فى قنا، يقول الناس إنه من الباب الشريف، أما هو فلا يقول عن نفسه سوى: عبد لله وكفى.

كانت قد عرفته فى الشيخ عبد القادر الجيلانى، حين رأته أول مرة توقفت عند هيئته، فلم يكن كباقى المشايخ من أصحاب الوجوه البيضاء والبشرات الناعمة التى يشع منها النور، كان أسود اللون، نحيفا، على رأسه عمامة بيضاء كبيرة وفى يده عصا بروحين، وكان بسيط المأكل والمشرب والنوم، ويحب لعب العصا مع الناس، وقد لاعبته مكة وهى فى ملابس خادم الساحة "عبد الوهاب"، ورغم تلك البساطة، كان الناس ينادونه وعيونهم فى الأرض تأدبا: يا سيدى.

 فى ساحته بقنا، جلست "مكة" وأمها على الأرض،  قالت: يا سيدى، أنا عبد الوهاب الذى كان يقدم لك الأكل والخدمة فى سيدى الجيلانى.. ابتسم: عرفتك يا ابنتى منذ أن دخلتى، وعرفت والدك الحاج إبراهيم من قبلك، رحمه الله، فأماته فى مدينة نبيه صل الله عليه وسلم.

*****

لم تكن المواجهة سهلة فى "ضرار"، لقد فرضت على الناس 6 أيام وليال من الحظر، لم يهدأ فيها ضرب النار، ورغم عدد من وقف مع "خطار"، وعلمهم أكثر بجغرافيا الأرض، لكنهم لم ينجحوا فى دخولها، حتى جاء اليوم السابع.

تسلل "خطار" من القبلى، وأصدقاؤه يغطون عليه، حتى وصل لـ "أبو ناصر" فقتله، وكاد أن يقتل "عبد الغفار، وينه تلك المعركة، لكن "عبد الغفار" كانت أسرع بالرد، خرجت رصاصة بندقيته الألمانى، لتسكن  قلب "خطار".

فى نفس اليوم، نزل السيل، فضرب البيوت والغيطان والناس والأرض، وأنهى المعركة.

*****

بعد شهر، من الخراب، عقد الشيخ "صديق" المؤتمر فى نصف القرية، وقد دُعى إليه أهالى "ضرار" جميعا، حتى النساء كان لهن مكان.

جالسا على الأرض، وحوله "المجاديم"، قال الشيخ صديق، وكان بليغا: "صلوا على مصدر كل خير، أسأل الله رضوانا، وأستهديه، طالبا منه العون، مستجيرا بحبيبه، صل الله عليه وسلم، أرجو من سادتنا، أصحاب هذا الجمع المبارك، أن يرضوا عنى، ويتقبلونى ناصحا بينهم".

فيهتف أهل "ضرار": "قابلينك، قابلينك"، كمن يلوذ بمن يمنحه النجاة.

يرقق قلوبهم بسؤاله: "ماقدرش أوقف، مسمحينى"، فيرد الجمع: "مسمحينك".

لم يكن، مع تلك الأحداث التى مرت بها "ضرار"، مع تلك الفواجع التى عاشتها عائلاتها، لم يكن لأحد  القدرة على دخولها، وفتح جراحها للتطبيب، سوى الشيخ "صديق" ورفاقه، لقد ألهمه الله القدرة اختراق القلوب، والطبطبة عليها بمجرد الحديث، وفى الحديث لا يخشى فى الحق لومة لائم.

ولسمعته، ونزاهته وعدالته، أحبه الناس فى كل البلاد، كانوا يقرأون الفاتحة موافقة على ما سيحكم به وهم مغمضو العيون.

******

تحدثت مكة، حكت قصة الحاج إبراهيم الذى ظل مخلصا لامرأته حتى ماتت وبلغ السبعين من العمر، تحدثت عن طمع أولاد أخيه فيه، عن تقسيمهم لأرضه عليهم، وهو حى بينهم، ثم استكثارهم عليه أن يتزوج من أخرى، واستكثارهم على الله أن يهبه من الأبناء ولد وفتاة.

سألت عن ذنب "سلامه" الطيب الأخرس، حتى يذبح، وذنب محمود النجار حتى يُقتل، وذنب "منصورة" حتى يُهتك عرضها، وذنب مدثر حتى يُضرب ويُهان، وعن ذنب أمها حتى تُرمى بالحجارة وتُطرد من "ضرار".

قدمت "مكة" ختم والدها الأصلى، لتكشف تزوير الوصية التى ادعت أن والدها تنازل فيها عن الأرض لأولاد عيسى، وشهد البدوى بما حدث فى مقتل "سلامه"، ودل على مكان دفنه، وانتظر الناس ثلاثة أيام حتى يصدر الحكم.

*******

تعود أرض الحاج إبراهيم إلى أولاده وزوجته، كاملة دون نقصان، بما فيها فدان الأرض الذى حصل عليه العمدة ظلما وبهتانا، والفدانيين الذى حصل عليهما ميشيل النصرانى، على أن يحصل على أصل المبلغ الذى أعطاه لـ "خطار"، 40 جنيها،  دون فائض وربا.

ولحقن الدماء، يتزوج "عبد الغفار" من ابنة عمه "محروسة"، على أن تسامح فى أخيها، وتتزوج "مكة" من "عبد الشافى"، على أن يسامح لله فى دم أخيه، والسماح من شيم الكرام.

*****

 

وعاشت "وطفة" فى بيت زوجها الحاج إبراهيم، مكرمة من الناس أجمعين، بينما ألهت الدنيا "عبد الغفار"، بالأرض والمال حتى تسلل الطمع إلى قلبه تجاه أخته.

ومع أنه، وبحكم زواجه من "محروسة"، كان مستحوذا على أرض أبناء عمه ولاد عيسى، ومع أنه ذاق من مرارة الظلم من قبل وقاسى، لكن آيته انقلبت، وتحول من مظلوم لظالم.

والغريب، أن "وطفة" وقفت بجانبه ظالما، بعد أن وسوس لها الشيطان، أن وجود ابنها قوى، بالمال والأرض والسلاح، هو ما سيضمن لهم الأمان فى "ضرار".

ولم يمنع فرق العمر بين "محروسة" و"عبد الغفار" من أن ينجبا 4 بنات ومازالا يبحثان عن الولد، وكأن الله أرد أن يريها قدرته فى نفسها، فهى من أنكرت من قبل أن ينجب الحاج إبراهيم وهو فى السبعين، ها هى ما زلت تنجب مع أنها تخطت الأربعين.

بينما لم تنجب "مكة" سوى ولدين، "عبد القادر" تيمنا بسيدى الجيلانى الذى تربت بكنف مقامه بالقصير، و"صديق" تيمنا بالرجل الذى أعاد الحقوق لأهلها والسلام للأرض، حتى ولو كان سلاما مؤقتا، لن يستمر طويلاً.

 

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حك\
حكايات عادية جداً - نوح «18» رجال عدوا البحر ما اتبلوا
حكايات عادية جداً: نوح «16» أخبار وأهرام كل يوم فى بلاويكى
حكايات عادية جداً نوح «12» الحب من قبل البشر
حكايات عادية جداً - نوح «9»: ابن الحرام لابس بدلة مزهرة
احمد
عطا
عطا

المزيد من أقلام

نحو الحرية - ذكرى العبور .... والفتح

لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...

بروح رياضية - «جمال» متعمد

ما يقدمه فريق الزمالك من مستوى فنى متميز خلال الفترة الأخيرة يدعو للتوقف والتأمل، فقد فشل الأبيض مع عدد كبير...

نحو الحرية - المشروع القومي (کاری اون)

في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...

بروح رياضية - دورى للجميع

عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،


مقالات

البـاب الأخضـر
  • السبت، 14 مارس 2026 09:00 ص
مسجد الفتح بميدان رمسيس
  • الجمعة، 13 مارس 2026 09:00 ص
وحوى يا وحوى وتحطيم الهكسوس
  • الخميس، 12 مارس 2026 06:00 م