عانيت طويلاً فى الأيام الأولى، قبل أن أعتاد الأمر.
من أول "إصحى"، التى يطلقها رضوان وهو يهزنى قبل أن تستيقظ الشمس، وحتى نداء "نضف العدة" الذى يعلنه غالبا مع أذان العصر، كل شىء يحدث بسرعة، كل شىء كان مُتعبًا.
كنا نعمل فى منطقة الضاحية، عمارات حديثة بثلاثة أدوار، تنشأها الحكومة لأهالى العريش، وتنفذها شركة اسمها الرائد العربى، ومقاول بدوى اسمه عبيد مسلم، يعمل معه رضوان بالطريحة، والطريحة المفروضة على كل صنايعى وعامل، كى يحصلا على يوميتهما كاملة، أن ينجزا الشقة فى ٦ أيام، يوم للأسقف، ويوم للكمر والعمدان، و٣ أيام لحوائط الغرف والصالة والمطبخ والحمام، ويوم للجهارة.
ولأننى لم أمارس المهنة من قبل، كان على رضوان أن يضاعف من مجهوده كى ينجز الطريحة وفى نفس الوقت يعلمنى، يتسبب الأمر فى تأخرنا، يجعلنا آخر من يترك الموقع، وفور عودتنا للحوش الذى كنا نسكن فيه، لم يكن أمامنا وقت أو طاقة لفعل أى شىء، كنت بالكاد أرش جسدى سريعًا بصفيحة ماء، وأكل لقمة، ثم أسلم رأسى للنوم، وقبل أن أحركها أجد رضوان يوقظنى لبدء يوم جديد، أنام الليل كله، ومع ذلك، حين أستيقظ أشعر وكأنى لم أنم من شدة التعب.
نخرج من الحوش قبل أن تخرج الشمس، أمشى نائما وراء رضوان، حتى نصل إلى العمارة التى نعمل فيها، يبحث رضوان هنا وهناك عن بقايا الخشب ليشعل النار، يضع الأخشاب الصغيرة بين قالبين طوب، فوقهما سيخين حديد، عليهما كنكة مسودة من الدخان، تغلى طوال النهار بالشاى.
أبدل ملابسى بملابس العمل، وأهرول إلى الدور الأرضى، علمنى رضوان كيف أرفع شيكارة الأسمنت، كيف أنظم نفسى حتى يتحمل رحلة الصعود بها إلى الطابق الثالث، لحظات الوصول دائما ما تكون الأصعب، شيكارة تلو الأخرى، حسب ما يحتاجه العمل، كل شىء بمعيار، أظل أقلب حتى يختلط الأسمنت بالرمل، أصنع من الخلطة شكل دائرى، أضع فيه الماء، وأترك الخلطة تشرب.
حين أعود لرضوان، أجده بدل ملابسه، وصب الشاى، وسخن الفول، وفرش لنأكل.
بقلبك، كُل، قلب، ارفع، ناول، إيدك، اعجن، انزل، اطلع، هات، اخلص، ها، رحت فين؟
وكانت أسعد كلمة أسمعها منه، "نضف العدة" معلنا انتهاء العمل، وأسعد أيامى، يوم الجمعة، يوم الراحة والقبض وغسيل الملابس وطبيخ اللحمة، وحق النوم ظهرا والتأخر فى المقهى مساءً.
كنت سعيدا برغم كل شىء.. فى النهاية أنا بعيد عن أمى وخططها لحياتى.
صحيح أننى عانيت كثيرًا فى البداية، لكننى تعلمت الكثير أيضًا وبسرعة، بعد شهر واحد فقط، أصبحت مع رضوان أول عامل وصنايعى ينهيان الطريحة، يعلن المؤذن عن صلاة الظهر وأنا أنظف العدة، وأصبح لدينا متسع من الوقت للراحة والترويح عن النفس.
اعتاد رضوان الذهاب لمقهى "الأسيوطي" أمام المطافئ، المقهى الذى يجمع أهل ضرار، ولم أكن محبًا للمكان فلا أذهب معه، لا أريد مشاهدة أحدًا من البلد، لا أريد أن أسمع عن مشاكلها وصراعاتها، لا يعنينى من قتل من، اخترت أن أجعل نهاية يومى مختلفة.
مع الغروب أخرج من الحوش مغمورا بانتعاش الاستحمام، أتمشى إلى ميدان الرفاعى، أشترى نصف كيلو تفاح أخضر بلدى، يضعه لى البائع فى كيس بلاستيكى، أدخل المقهى المجاور وأستأذن المعلم كى أشرب، يشير بالسماح دون النظر، فهو دائمًا مشغول بالقطع البلاستيكية الملونة التى يضعها فى العلبة التى أمامه، الأخضر شاى والأزرق قهوة.
أضع كوب ماء فى كيس التفاح، وبعد أن أغسله جيدا أخرم الكيس من أسفل بالخارج، أصفى الماء، ثم أجلس فى حديقة الميدان، تتقاطع فى الميدان شرايين العريش الثلاثة، فهو يربط شرق المدينة بشمالها وغربها بجنوبها، هنا كل الناس، هنا أفضل من كل أفلام المقهى.
أجلس لأتأمل الحركة، تمتزج مزازة التفاح البلدى فى فمى، بمشاهد المسافرين والعائدين عبر موقف السيارات القريب، البائعون الذى يتقدمون السوق، روائح التوابل التى تختلط بروائح السمك المشوى، النداءات المتداخلة ما بين سائقى سيارات الأجرة والباعة الجائلين، اللهجات المتبادلة على النواصى، صعيدى وبحرى وفلسطينى، أذان المغرب، تعلو الأغانى البدوية الخارجة من المحلات لتغمر الميدان بالموسيقى، يتماهى الصوت مع البنات اللائى يقفن أمام محلات التجميل والملابس، ويتمازحن مع بعضهن البعض.
وايش علمك با الأسمرانية
لا إله إلا الله وارحم شويه
ها دول البيض حن القلب ليهم
قلبى صويب اليوم وارحم شويه
هادول البيض ما دوبنا فى هواهم
والسمر رياح رياح خدونا معاهم
وارحم شويه
أحببت سيناء، من القنطرة إلى رفح فى الشمال، من راس سدر لدهب ونويبع فى الجنوب، وفى الوسط المغارة وسدر ونخل، ولا يمكن أن أنسى الحسنة التى عملت فيها لثلاثة شهور، وفى نهاية كل يوم، كنت أصعد للجبل المجاور لمكان العمل، كى أشاهد مخلفات حرب ٧٣، كانت البيادات الملقاة على الأرض، والخوذ التى نال من بعضها الصدأ، والدبابات المضروبة، تثير بداخلى الفضول عن ماذا حدث هنا.
ثلاث سنوات مضت دون أن أعود إلى ضرار، ودون أن تكف أمى عن إرسال الرسائل، أو يكف رضوان عن محاولاته لإعادتى، كنت أهرب فى اللحظات الأخيرة لأبقى هنا بعيدا، حتى حدث ما لم أتوقعه.
***********
الحسنة ١٩٨٦
كنا نعمل فى بيت بدوى، كان يوما هادئا، أعماله تحتاج للعقل أكثر من العضلات، جهزت تكنة الجهارة، وما أن بدأ الجبس يتماسك، وبدأت أغرف وأناول رضوان الواقف على السقالة، طالوش والثانى، حتى توقف رضوان، مع أن العمل يحتاج للسرعة قبل أن يشتد الجبس.
- إيدك يا معلم.
- أمك.
هل يشتم؟، رضوان ليس بالشتام، أردت التأكد: بتقول ايه؟
- باقولك أمك.
- مالها أمى.
- وراك.
بالتأكيد رضوان يمزح، فما الذى يأتى بأمى هنا، لا تستطيع صابره أن تترك الصعيد، فأبعد مكان ذهبت له فى حياتها، كان قنا المدينة، حتى لو أرادت المجيء، لن تستطيع، إذا كان نوح الذى يسافر للبلد كل خمسة أو ستة شهور، لا يزال يتأكد من اسم المواقف والمحطات التى يتنقل بينها حتى يصل، فكيف يكون الأمر بالنسبة لصابره.
ضحكت دون أن ألتفت، فكرر الجملة، ضغط على الحروف حتى تكون واضحة، وهو يشير خلفى: بأقولك أمك، بص وراك.
نعم كانت هى بالفعل، فعلتها أمى، قطعت ما يزيد عن ٨٠٠ كيلو، بل ووصلت للمكان الذى أعمل فيه، فعلتها دون أن تتخلى عن البردة التى ترتديها، لم تكشف وجهها إلا أمامى ورضوان.
يا جبروتك يا صابره.
كان شعورى يسبقنى لاحتضانها، وقبل أن أصل، استقبلتنى يدها لتصفعنى على وجهى.
زلزلتنى، كانت الصفعة الوحيدة الذى تلقيتها من أحد فى حياتى، مازال صوتها يرن فى أذنى حتى الآن، ولا يزال شعورى بها مستمرا رغم مرور السنوات.
- عايزه منى إيه يا أمه؟
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...
ما يقدمه فريق الزمالك من مستوى فنى متميز خلال الفترة الأخيرة يدعو للتوقف والتأمل، فقد فشل الأبيض مع عدد كبير...
في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...
عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،