حكايات عادية جداً - نوح «18» رجال عدوا البحر ما اتبلوا

عجبى على رجال عدوا البحر ما اتبلوا/ عدوه بحرده لا مالوا ولا ذلوا

وفى أول الليل حدا الخمَار يتسلوا/ وفى آخر الليل فى حرم النبى صلوا.

سمعت صوت السماعة قادمًا من بعيد، فعرفت أنه طه، وأنه يحمل خبراً جديدا، كان الصباح، وكنت أضبط فرشتى استعدادا للنوم، فمنذ أن اتخذت من الجبل مأوى، وأنا أنام النهار وأصحو طوال الليل كى أبقى بعيدا عن أعين الناس، لم أنزل طوال السنوات الثلاث الماضية إلى البلد، سوى مرات معدودة، كانوا ليلا، وكانوا سريعا للاطمئنان على أمى وأختى.

طه أخبرنى أن خالى كرم مات، والدفنة بعد صلاة الظهر.

******

خالى كرم، من أعطى أمى البيت الذى تعيش فيه، كان ميراثها نصف قيراط فأكمله قيراط من نصيبه، أشرف على البناء، وإدخال الكهرباء والماء، وأكمل ما لم يستطع ذهبها ومدخراتها إكماله.

وأنا صغير، كان يأخذنى مع رضوان للخياط، كى يفصل لنا جلاليب العيد، وفى كل سوق جمعة، يرسل لأمى كيلو لحم وكيلو الفاكهة، حتى آخر جمعة قبل وفاته.

مات خالى كرم، مات أبو رضوان.

لم يكن يعنينى فى الطريق إلى المقابر أننى عليَ حكم وهارب من السجن، لم تعنينى نظرات الناس المندهشة لظهورى فى وضح النهار، نزلت التربة، يدى فى يدى رضوان، نتلق الجسد وندخله اللحد.

خرج رضوان من القبر، يمسح جبهته من التراب وعينيه من الدموع، وذهبت معه إلى المندرة، كى أقضى ساعة معه قبل أن أعود إلى الجبل، دخلت مع الداخلين، جلست فى آخر دكّة، ولم تمر سوى دقائق، حتى فوجئت بالحاضرين ينهضون من أماكنهم ويخرجون مهرولين على صوت إطلاق نار، لحقت برضوان على البوابة، ماذا حدث؟

- ناس جامع وناس رزق مشتبكين.

*********

سبع سنوات أو ثمانية، وأولاد العم يتقاتلون، فى صراع يُتلف الزرع ويعطل الحياة، مع أنهم أهل بعض، يجمعهم النسب والجيرة، واسم جد واحد.

بدأت القصة حين قُتل شاب من ناس جامع، لم يتجاوز العشرين من عمره، مات بالخطأ أثناء مشاجرة جرت أحداثها ليلا، لم ير أحد فيها القاتل، لكن الفتنة وُجهت الاتهام إلى ناس رزق.

من بين الموجودين فى العزاء رجل يُدعى الحاج عبد العزيز، متهم وولده فى قتل الشاب، وقف الناس مكتوفى الأيدى، فقلت: "سأذهب لأُفضّ الاشتباك"، التفت إليّ الحاج عبد العزيز كما لو كان غريقًا تعلّق بقشة: "اذهب ربنا يقويك"، فقلت له: "اتصل بأهلك، قل لهم إنى فى الطريق".

كان هناك شاب يقف على دراجة نارية، طلبت أن ينقلّنى إلى مكان الاشتباك، تهرّب وتردّد، فنظر إليه الحاج عبد العزيز، وكان صاحب كلمة، "اذهب معه، لن تموت ناقص عمر."

*****

توقّف بى الشاب على بعد مئتى متر من موقع الاشتباك، عاد بدراجته فتابعت السير وحدى، وتغيّر مسار الرصاص فجأة إلى استهدافى، الطلقات تحت قدماى وفوق رأسى، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، لم أتوقف، حتى أصبح، قلت بصوت عال: إن أردتم قتلى، فأطلقوا الرصاص فى اللحم، وسأموت شهيدا، فقد جئت فى خير.

أشار أحدهم لمن خلفه، فتوقف الضرب، سألنى وكان يعرفنى من العريش: ما المطلوب يا نوح؟

- توقفوا الضرب يا خالد، وتنزلون من أعلى المنازل.

- لن نوقف الضرب، ولن ننزل من أعلى البيوت.

- استعيذوا بالله من الشيطان، هذا طريق خراب، لا مكسب فيه.

- نحن أصحاب حق.

- هناك طرق كثيرة لأخذ الحق، الدم طريق الشيطان لا طريق الحق.

- فعلنا كل شيء ولم نصل لحل.

-  أعطونى فرصة أخيرة، أريد فقط أن تنتظرونى للمغرب.

نظر أحدهم لى بنبرة خذلان: جاءنا الكثير وانتظرنا ردهم ولم يردوا.

-  بنادقكم بين أيديكم، والمغرب قريب.

*****

بعد أن أوقفوا الضرب فتقدمت إلى ناس رزق، وما أن اقتربت حتى هجموا على دفعة واحدة، رفع شاب منهم بندقيته فى وجهي: إلى أين ذاهب؟، فقلت: هذا طريق عام! لا يحق لك أن توقفنى، أين الزغبى؟ قل له نوح.

ظل الرجال يحيطونى ببنادقهم حتى جاء الزغبى، سألني: من أنت؟، فقلت: "اتصل بوالدك واسأله"، نظر إليّ بتردد، ثم اتصل وفتح مكبـر الصوت، ليحـدثهم الحـاج عبد العزيز: "امشوا ورا نوح".

- وما المطلوب؟

- أوقفوا ضرب النار، وعودوا إلى مندرتكم.

- ثم؟

- انتظروا منى زيارة بعد العصر.

******

ماذا سأفعل الآن؟، كيف ورطت نفسى فى قضية لا ناقة لى بها ولا جمل؟، كنت أفكر فى أمور كثيرة، إلى أن وصلت الأسفلت، فظهر أمامى على ابن همام مارا بجراره، لمحنى فتوقف.

ركبت معه، وفى الطريق بدا ممتعضًا مما وصلت إليه ضرار، الجميع متضرر، من يملك ومن لا يملك، المتصارعين فى انتظار من يخرجهم من هذا الفخ، من يتقدم ليقول كفى، ولا أحد يتقدم، بالعكس أولاد الحرام ينفخون فى النيران لتزداد اشتعالا.

- من من الشباب، لديه عقل وحكمة يمكناه من التدخل، الشباب المتعلم الواعى.

- هناك الكثير.

- قل لى واحد من الكثير.

- أشرف ابن الحاج عبد الفتاح، المدرس فى الأزهر، الجميع يحترمه.

-  كلّمه حالًا.

*****

انضم إلينا أشرف ثم الأستاذ ضياء، موظف الشئون الاجتماعية، الذى يسعى طوال النهار على دراجته من أجل أن يحصل الأرامل والفقراء على قبض شهرى يحميهم من قسوة الحياة.

- أريدكم التدخل فى قضية ناس جامع وناس رزق، ربما نوقف الدماء ابتغاءً لوجه الله.

رأيت فى عيونهم التردد، ثم لمعة أعينهم بالحماس، تركنا الغداء وركبنا جرار على ابن همام، كى نصل إلى الحاج عبد العزيز، وقت العصر، وكان الرجل مع بعض شباب عائلته فى الانتظار.

وما أن بدأ يحكى، حتى انسالت الدموع من عينيه، تحدث ما يقرب من الساعة عن هذا الصراع، وحين انتهى، سأله الأستاذ أشرف: أيرضيك شرع الله؟

- ومن لا يرضى بشرع الله؟

- حتى لو كان الحكم عليك أن تترك بيتك وأرضك وزرعك ومالك، وتخرج من البلد.

- إذا كان هذا هو شرع الله، أوافق.

- أعطنا مهلة ١٥ يوما، وسنرد عليك.

********

سمعت آذان المغرب، ونحن فى الطريق لناس جامع، لقد تأخرنا.

قبل أن نصل إلى بيوتهم، لمحت صبياهم يشعلون زجاجات المولوتوف، ويلقونها فى قصب ناس رزق، كنا فى ديسمبر، القصب عالى وينتظر الحصاد، يا له من خراب. تقدمت أصرخ: "أوقفوا النار، أوقفوا النار".

دخلت مع على وضياء وأشرف نقطع القصب، نفصل الجزء المشتعل عن الجزء الذى لم تمسك فيه النار، كاد الدخان أن يخنقنا.

ظللنا ننهج حتى أنهينا الأمر بصعوبة، ودخلنا مندرة ناس جامع، غرفنا الماء من الزير دون أن  نستأذن أحدا، غسلنا وجوهنا، وعيون ناس جامع تتابعنا بصمت، حتى انتهينا، فسألنا أحدهم: ما المطلوب؟

- مطلوب أن نتعشى.

اندهش من طلبى، فأكملت: أنتم أهل كرم، أم ألا يوجد أكل؟

بعد نصف ساعة تقريبا، كانت الأعصاب قد هدأت، جاءت صينية كبيرة ممتلئة بالطعام، نزلت من الدكة، أمسكت لقمة، ونظرت لهم: "لا تؤاخذونى، أنا لست كلبًا لأكل وحدي". تبادلوا نظرات التردد، ثم بدأوا ينزلوا واحد تلو الآخر، كانوا جوعى، لم يتركوا شيئًا فى الصحون.

مع مجيء الشاى، راحوا يحكون قصتهم حتى انتصف الليل.

وفى النهاية سألناهم: "أيرضيكم شرع الله؟ حتى لو حُكم عليكم أن تتركوا البلد وكل ما لكم فيها؟". فقالوا: "يرضينا".

- إذن أعطونا مهلة ١٥ يوما، وسنأتى لكم بالرد.

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حك\
حكايات عادية جداً: نوح «16» أخبار وأهرام كل يوم فى بلاويكى
حكايات عادية جداً نوح «12» الحب من قبل البشر
حكايات عادية جداً - نوح «9»: ابن الحرام لابس بدلة مزهرة
احمد
عطا
عطا
عطا

المزيد من أقلام

نحو الحرية - ذكرى العبور .... والفتح

لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...

بروح رياضية - «جمال» متعمد

ما يقدمه فريق الزمالك من مستوى فنى متميز خلال الفترة الأخيرة يدعو للتوقف والتأمل، فقد فشل الأبيض مع عدد كبير...

نحو الحرية - المشروع القومي (کاری اون)

في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...

بروح رياضية - دورى للجميع

عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،


مقالات

مسجد الفتح بميدان رمسيس
  • الجمعة، 13 مارس 2026 09:00 ص
وحوى يا وحوى وتحطيم الهكسوس
  • الخميس، 12 مارس 2026 06:00 م
حديقة الأزبكية
  • الخميس، 12 مارس 2026 09:00 ص