السعادة ممكنة - «عبد الرحمن على » أمل متجدد وحضور طاغٍ

(سنوات من عمرى مضت أصابني قدرى فيها بمرض طويل تمتعت خلالها بسلام داخلى ورضا ويقين بتجاوز الأزمة، لذلك قضيتها - قدر استطاعتي - في تسجيل قراءات ومشاهدات تحليلات ورؤى فلا زال الأمل يراودني بأن السنوات العشر المفقودة من عمري

التليفزيوني تعوض بما أعددت له).

. كانت تلك كلماته حين التقيته في ذلك اليوم من أغسطس عام ١٩٩٠ في مكتبه بمبنى التليفزيون المصرى حيث كان يتقلد منصب رئيس البرامج الثقافية بالقناة الأولى، وذلك بعد عودته من رحلة علاج انقطع خلالها عن العمل لمدة تجاوزت العشر سنوات، عاد متفائلا بأمل متجدد في أعماقه بأن يعوض فترة التوقف بتقديم برامج جديدة مهمتها تبسيط الثقافة في توب يناسب جميع الفئات الاجتماعية، إلا أنه وجد من البعض معاملة أشبه بما يلاقيها خيل الحكومة الذي ينتظر رصاصة الرحمة.

. إنه عبد الرحمن على الذي بدأ عمله كمذيع ومعد برامج عام ١٩٦٥، ذلك بعد أن دفعته متابعته لأهم الأحداث الثقافية والفنية على الساحة المصرية لأن يوسع من دائرة اهتمامه بها وبحثه في مفرداتها، كما دفعته أيضا لأن يتقدم إلى المسابقة التي أعلن عنها مسئولو التليفزيون عن حاجتهم إلى مذيعين، فتقدم ونجح.

. مرت سنوات قدم خلالها العديد من البرامج الهادفة منها بكرة وبعده) و (۲۰) سؤال) و (مجلة الفن

والأدب وغيرها كثير.

. أما عمله كممثل فقد جاء بعرض من "ممدوح الليثي" كاتب السيناريو حينذاك والمخرج "حسين كمال التجسيد دور منصور باهي في رواية (میرامار)، وعلى الرغم من رفضه في البداية متحججا بقناعة مؤداها أن المذيع هو إنسان النصف ساعة. وهي مدة البرنامج الذي يقدمه، أما الممثل فهو إنسان ال ٢٤ ساعة يتقمص شخصا غيره ربما يكون مختلفا عنه تماما، يأكل، ينام، يحب، يكره، ينتج بل ويفشل بأسلوبه وطريقته إلا أن الأديب نجيب محفوظ مؤلف الرواية حسم هذا التردد والرفض بأن أكد عليه أن للفيلم رسالة لا تقل عن رسالة أية برنامج ثقافي جاد. ومن هنا جاءت قناعته بأهمية التمثيل كعمل مسئول ليكرر التجربة فى فيلمى فجر الإسلام) و (السكرية). حتى أوقفه مرضه الطويل عن التمثيل أيضا كما أوقفه عن تقديم البرامج، وعند عودته قابله المنتجون والمخرجون بذات الكيفية التي عومل على أساسها من قبل كجواد عجوز في ساحة السباق.

. موقف متكرر سواء من القائمين عن إدارة التليفزيون أو الإنتاج السينمائي إلا أن هدوء ملامحه، ورصانة صوته، وحب الناس وتعلقهم به كإنسان ومذيع وممثل كانوا هم جواز مروره إلى عقول وقلوب المشاهدين عند عودته من جديد.

على الرغم من نجاح برامجه التي كانت تحاول فك طلسمات قضايا ثقافية شائكة وبطولته الثلاثة أعمال سينمائية يعد كل منها علامة بارزة في تاريخ السينما المصرية وهي: ميرامار السكرية، فجر الإسلام إلا أن عشقه الأول والأخير والأقرب إلى قلبه في رحلة إبداعه تلك كان تقديمه لصلاة الجمعة كل أسبوع والذي تمنى لو أن تقدم له دعوة تقديمها ولو لمرة واحدة بعد الغياب.

. حرم من الزواج وبالتالى من أن يكون له أبناء يبادلونه حبا واهتماما، وعلى الرغم من ذلك كان يرى أن الحياة لا تستقيم بدون الآخر، وأن الحب الحقيقي. هو أداة تصالح الإنسان مع ذاته ومع الآخرين بل ومع الكون كله.

الآخر لديه ليس كياناً مفرداً وإنما هو جوهر ينظم العلاقات والأفكار والمبادئ والقيم، وقد يكون الرجل بالنسبة للمرأة، أو المرأة بالنسبة للرجل، أو الصديق أو الابن، لكن ... المبهر أن يكون هو كل هؤلاء في شخص واحد، وكان يرى أن الانسان بدون الآخر يعيش في عدم مؤلم ومعطل المعنى الوجود ذاته.

. جمعته رحلة العلاج إلى لندن بالفنان عبد الحليم حافظ فكان الألم سر الألفة بين قلبيهما، والأمل في الشفاء سر التصاق أحدهما بالآخر حتى إنه قال: (عبد الحليم شغل وجدان كل مصرى بكيانه الراقي في دنيا الشدو، أحببته واحتفظت له في نفسي بمكانة غالية كأحد معجبيه، إلى أن تقابلنا في لندن فتواء منا فى ألم واحد ضاقت بيننا المسافات، تعمقت الصداقة والفهم المتبادل، فكانت خسارتي كبيرة ومؤلمة بموته).

. كان يرى أن العقل رافدا من روافد الوجدان، لذلك كان يختار مادة برامجه بعقل وعاطفة، وهذا كان ضمانه الوحيد لأن يكون كل ما يقدمه مفيداً وممتعاً لا يهدر وقت المشاهد، بل ويحترم عقله ويكون محاطاً بجهد مهنى تتحقق فيه المتعة مع الفائدة.

هذا ما جعله رافضا لفكرة أن العمل الإداري معوق للإبداع، بل على العكس كان يتمنى أن كل صاحب منصب يكون مبدعا فى مجاله وألا يترك إبداعه ونجاحه كمسئول ضحية لثغرات البيروقراطية.

. ظل متفائلا رغم الوهن والمرض والحرمان انعكس تفاؤله على تأكيده الدائم بأن قيمنا لم تفقد كلية وأن المواجهة لاسترجاع ما فقدناه تبدأ من البحث عن موانع استخدام القدرات التي تجعل من الإنسان كياناً راقياً ومجيداً لتصبح حركته في المجتمع الصغير والكبير حركة نبيلة ومفيدة.

مؤكدا على أن المطلوب من البرامج الثقافية أن تترجم واقعنا الثقافي مع تعزيز قيم الصدق والأصالة والعمل والنضج ليصل أي إنسان أو أي مجتمع إلى رشده الحقيقي، فالمطلوب ليس بانوراما لكل ما هو قائم وإنما الانتقاء منه مما يستحق التركيز عليه، وإعلاء قيم الجيد والجيد فقط مع أمنياته بأن تذاع البرامج الثقافية في توقيتات حيوية على القنوات التليفزيونية. . أشاد ببعض مقدمى البرامج من أمثال درية شرف الدين"، و"راوية راشد"، و "خديجة خطاب"، و"نجوى إبراهيم"، و"سهير شلبى" و"ماجدة أبو هيف"، ومن الجيل الثاني أماني أبو خزيم" "نانو حمدى" و منى عبد الوهاب" مؤكدا على حاجتهن إلى مساحة أكبر على الشاشة ليقد من كل ما لديهن من إبداع مؤكدا على أن الجمال الداخلي والقدرة على التواصل أهم بكثير من شكل المذيع أو المذيعة، حيث إن المهمة الأكبر لهم هي عرض وشرح أفكارهم و ليس إبراز

تفاصيل ملامحهم.

. كان اللقاء مع "عبد الرحمن على أحد لقاءاتي الصحفية التي أعتز بها كثيرا .. جمعتنا ألفة نفسية وتوافق فكرى في صداقة قلما يجدها الإنسان في حياته.

. صداقة لم تدم طويلا في الواقع حيث توفي في مارس ١٩٩٤ عن عمر يناهز ٥٣ عاما، وبقيت ذكرى كلماته كنبراس مضىء كلما حلت الظلمة والظلام وانحسرت الأمال ووهنت العزيمة: سيظل الحب طاقة ضوء متجددة منذ بدء الخليقة حتى قيام الساعة طاقة تستدعى على أثرها النجوم أخواتها في كل ليلة لتتجاور في لوحة بديعة من خلق الرحمن، وتشرق يفعلها الشمس كل صباح ليعم النور والدفء، بالحب نتجاوز الآلام، وتستدعى الأمال بالحب تحلو الحياة).

 	دعاء السنجري

دعاء السنجري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

بروح رياضية - درس الجمهور

فى كل مرة يثبت الجمهور أنه العنصر الأقوى.. الأوفى.. الأصدق.. لا يستفيد إلا بتلك الجرعة المعنوية التى يحصل عليها عند...

السعادة ممكنة - «عبد الرحمن على » أمل متجدد وحضور طاغٍ

(سنوات من عمرى مضت أصابني قدرى فيها بمرض طويل تمتعت خلالها بسلام داخلى ورضا ويقين بتجاوز الأزمة، لذلك قضيتها -...

بروح رياضية - شروع فى «دمج»

يشعر بعض المهتمين والمنشغلين بأحوال ومصير الأندية الجماهيرية والشعبية فى مصر ببصيص من  الأمل  فى الآونة الأخيرة، يعد الحديث حول...

من يحكم ويتحكم فى رقاب ومصير حكام العالم!

من قبل ميلاد مارلين مونرو ومرورا بمونيكا لوينسكى ومؤكد ليس نهاية بجيفرى ابستين ووو هناك من يحكم ويتحكم فى مصير...