"قصة الإلهة سخمت".. ودمار البشرية

الإلهة سخمت هي (الصورة المنتقمة لحتحور)، إلهة الحرب والاوبئة، سخمت معناها القوية

ناجية نجيب فانوس
مدير عام سابق بالمتحف المصري
خبير أثري وسياحي

1. مؤامرة البشر:
في زمن سحيق، عندما كان الإله "رع" (إله الشمس) يحكم الأرض، كبر وشاخ وأصبح شعره من لازورد وعظامه من ذهب، فأخذ البشر يستهزئون به، فقرر رع تأديبهم، فأرسل إليهم حتحور ابنته في صورتها المتوحشة الإلهة سخمت في هيئة اللبؤة المتوحشة ففتكت بأغلب البشر وكادت تقضي عليهم.

2. تحول حتحور إلى سخمت:
تحولت حتحور إلى "سخمت"، المعبودة الشرسة ذات رأس اللبؤة، وأطلقت العنان لغضبها، وبدأت في تدمير البشرية، وحولت الأرض إلى أنهار من الدم، وكان عطشها للدماء لا يرتوي.

3. الخطة لإنقاذ البشرية:
عندما رأى "رع" أن سخمت أوشكت على إبادة الجنس البشري بالكامل، ندم على قراره وأراد إيقافها، لكنها لم تستجب.

• خدعة البيرة الحمراء:
أرسل رع رسله إلي إليفنتين (أسوان الآن) يأتون به بمادة الديدي (صبغة حمراء اللون) وأعطاها لإله هليوبوليس وأمره بتحضيرها، فطحن الإله المادة الحمراء وحضر خادماته الجعة وملأوا 7000 إبريق من الجعة الملونة باللون الأحمر وقاموا بسكبها في المكان التي كانت تنوي سخمت الفتك منه حتي وصل عمق الجعة الملونة 4 أمتار، ملئت الحقول.

فلما رأت سخمت ذلك ونظرت في انعكاس صورتها الجميلة فرحت وظنت أن هذه دماء بشرية فشربت وسكرت ونسيت الأمر لكن عندما أنقذهم رع قرر أنه لم يرغب في البقاء مع البشر هذه المخلوقات الناكرة للمعروف.

ولقد قال {وبحياتي لقد تعب قلبي من وجودي معهم} وهنا تدخل الإله نون العظيم ودعى البقرة السماوية نوت، وجلس رع على ظهرها في قاربه فرفعته إلي السماء ولكن عندما نظرت للأسفل ارتعشت من الارتفاع الشاهق، فنادي رع الإله شو وأمره أن يضع نفسه تحتها فنفذ شو وقام بسند البقرة السماوية، ومنذ ذلك الحين بقرة أصبحت بقرة السماء التي تلمع النجوم على بطنها يتحرك إله الشمس رع في قاربه فوقها.

ورغم أن سخمت لا تُشبه مصاصي الدماء النمطيين في الفولكلور اليوم، إلا أنها تُعتبر من أوائل مصاصي الدماء في الأساطير.

• تظهر تفاصيل هذه القصة في نصوص "كتاب البقرة السماوية" (The Book of the Heavenly Cow).

• عثر على هذه النصوص مكتوبة داخل مقابر فرعونية مثل مقبرة توت عنخ آمون، وسيتي الأول، ورمسيس الثاني، وتعود غالباً لفترات ما بعد الدولة الحديثة (الأسرة 21 وما بعدها).

من هي سخمت؟
• اللقب: "القوية"، "الملتهبة"، وسيدة الحرب والأوبئة.
• الشكل: جسد امرأة ورأس لبؤة شرسة الملامح.
• الوظيفة: كانت رمزاً للدمار والتدمير، ولكنها في الوقت نفسه كانت حامية للملك ومسؤولة عن حمايته من الأعداء.

تُظهر هذه القصة التوازن في العقيدة المصرية القديمة بين الدمار (سخمت) والحماية، وكيف أن القوى المدمرة يمكن إدارتها أو استغلالها.

وكانت سخمت توضع على راية الحرب حين يخوض المصريون حروبهم، حيث تقول الأنشودة الشعرية لرمسيس الثاني في حرب قادش: إنه طلب من آمون أن ينجده فأعطى له آمون قوة سخمت في ذراعه.

وفي الأزمنة القديمة كان "مونتو" هو إله الحرب ومقره أرمنت، إلا أنه بناء على الأسطورة المصرية التي أرسلتها الآلهة كعقاب للبشر بسبب ظلمهم، فإن سخمت في العصور الحديثة للمصريين أخذت وظيفة آلهة الحرب، حيث وُضعت تماثيل سخمت القوية كشكل لبؤة جالسة على العرش الذي تزينه علامة توحيد شمال وجنوب مصر، وتمسك بيدها مفتاح الحياة "عنخ"، وعلى رأسها قرص الشمس وثعبان الكوبرا، ورُمز لها برموز الحرب والصحراء والأوبئة، حيث لم يكن يتم اللجوء لسخمت في الحرب فقط؛ لأنها عادلة ومنتقمة في الفكر المصري القديم فقط، فهي كانت آلهة الأطباء والشفاء؛ لأن الطب ارتبط عند المصريين بالشفاء من الحالات النفسية؛ لذا قدم الملك أمنحتب الثالث التماثيل لها كى يتم شفاؤه.

فهي كانت آلهة الأطباء، والأم التي ترتبط باللبؤة فتدافع عن صغارها بكل ما أوتيت من قوة وتعطي لهم الحماية، ارتبطت سخمت بالجندية والعسكرية، وبالأرض التي لا تُقهر، حيث كانت سيدة الأرضين "الدلتا والصعيد"، لذا فقد احتفظ المصريون بصورتها في الحكايات الشعبية أيضا ومازالوا.

ارتبطت سخمت بالأدب الشعبي، إذ يُعتقد أن الأسطورة الشعبية الشهيرة «أمنا الغولة»، جاءت من شكل المعبودة سخمت المخيف المتمثل في شكل أنثى الأسد ووجودها في الظلام فكانت تبعث الخوف والرعب في قلوب الناس، ولذلك ارتبطت فكرة أمنا الغولة في الأدب الشعبي بسخمت، فهى ما زالت تعيش حتى وقت قريب في الأساطير الشعبية، وحتى البوابة الموجودة بجوار معبدها كان اسمها بوابة العبد، وذلك مرتبط بشكل سخمت في الأدب الشعبي التي تأتي لإخافة الأطفال.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مقالات

قصة الأخوين

الاخوين
الامير المسحور
قصة الملاح
ناجية فانوس

المزيد من مقالات

هل بات القانون الدولي عديم الفائدة، أم أننا نحاكمه بجرائم من ينتهكونه؟

في ظل ما يشهده العالم من توالي صور القتل، والتهجير، والحصار، واستهداف المدنيين، صار سؤال ثقيل يتردد على ألسنة كثيرين:...

"قصة الإلهة سخمت".. ودمار البشرية

الإلهة سخمت هي (الصورة المنتقمة لحتحور)، إلهة الحرب والاوبئة، سخمت معناها القوية

الإعلام العلمي.. الغائب الحاضر في زمن المعرفة وصناعة المستقبل

في عالم تتسارع فيه الاكتشافات العلمية بوتيرة مذهلة، لم يعد كافيًا أن نمتلك المعلومة، بل أصبح التحدي الحقيقي في كيفية...

العالم إلى أين؟ قراءة في ملامح مرحلة انتقالية مضطربة!

"العالم إلى أين؟" سؤال أصبح ضرورة لفهم واقع يتغير بسرعة غير مسبوقة حيث أن النظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب...