حكايات عادية جداً - نوح «9»: ابن الحرام لابس بدلة مزهرة

وجدوا تحت مخدتى لفة كبيرة، لم أعرف ما هى، صحبونى معهم خارج المنزل، رأيت الدهشة فى عيون النساء والأطفال وكبار السن ممن خرجوا من بيوتهم لاستطلاع الأمر. انتظروا، شىء ما خطأ، لست المقصود بالتأكيد. لم يسمعنى أحد، لم يعطونى فرصة لأن أتكلم أو أسأل، أركبونى البوكس، علق الضابط بجملة وحيدة: "فى النيابة قول اللى أنت عايزه".

 فى غرفة مظلمة، علقونى فى حديد الشباك، مرت عليّ لحظات تمنيت فيها الموت من الألم، دارت فى مخيلتى أسئلة كثيرة عن لماذا؟، وكنت أبدد مخاوفى بأمل كبير فى أن يكون الأمر مجرد حلم، كابوس سينتهى بالاستيقاظ والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.

فُتح الباب فى اليوم التالى، صحبونى معهم إلى الخارج، لم أعرف شيئا من الطرق التى نظرت لها من شباك السيارة الضيق، حتى وصلنا للمكان المقصود، أعرف هذا المكان، عملت فيه من قبل، أكلت وشربت وامتلأ جسدى بالعرق من تعب العمل، أدخلونى غرفة، اللافتة الصغيرة الموجودة فى المكتب تقدم صاحبه، محمود الحلو، وكيل النائب العام.

بدا الرجل ودودا وهو يشير للكرسى الموضوع أمامه ويدعونى للجلوس، جلست فأخرج من جواره صندوقا كبيرا، فتحه فظهرت تلك اللفافة التى وجدوها تحت مخدتى، كانت ملفوفة بقماش أحمر، وكأنها كفن لميت.

كان لديّ فضول لأن أعرف ما بداخلها، حتى ظهر منها الأفيون، قرب الوكيل اللفافة من أنفه، شمها، تملك منى شعور كبير بالقلق.

-يا مزاجك العالى يا نوح؟

-(شعرت أننى فاقد القدرة على أعصابى، خرج صوتى مرتعشًا) مزاجى العالى إيه يا باشا أنا راجل صنايعى، بقالى أكتر من ٢٠ سنة فى البلد دى متعمليش محضر، لا فيها ولا فى أى مكان تانى، سيادتك المحكمة اللى بتحقق معايا فيها دى، أنا مشطبها محارة.

ربما لو كانت اللفافة بانجو، لقلت أستحق، لأننى أتعاطاه، لكن أفيون؟، كان الأمر مرتبا، والدلائل ضدى، يراودنى شعور غامض، يحمل أملا فى الله، أننى سأخرج من هذا المكان، وسينتهى هذا الكابوس.

انتهى التحقيق، أعطانى أربعة أيام حبسا على ذمة القضية، رآنى الضابط الذى قبض عليّ وأنا خارج من النيابة، لا أعرف ما الذى دار فى عقله وهو يخرج من جيبه مالا ليعطينى إياه، هل شعر بالتوهة التى تعترينى؟، هل شعر أننى مظلوم؟، هل سأل عنى وعرف ما عانيته فى حياتى؟، هل أوقفته سيرتى التى لم يكن فيها شىء يسوءنى سوى الهرب؟

كنت حادا معه حين قلت: اللى دفعته فى الحرز كفاية يا باشا.

*****

لم يسأل عنى أحد سوى رضوان، أحضر معه محاميا ليتولى الأمر، قال الأستاذ إن القضية سهلة، فهناك ثغرات بين المدون فى المحضر ومواصفات الحرز، وأن البراءة مضمونة.

وجاءت النتيجة مفاجأة، غاب المحامى عن الجلسة النهائية، وصدر الحكم، ليتحول الكابوس إلى واقع مرير، بعشر سنوات سجنا.

لم أبع شيئًا، لم ألمس تلك السموم،  لم أعرف الطريق إليها، لماذا لم يسألنى أحد من أنا؟، لماذا اكتفوا بالأوراق، واهتموا بالتوقيع والختم ولم يهتموا بالحقيقة؟، وكيف صار الكذب أقوى من الحقيقة؟

****

من بعد مساء الخير/ على خفر الليل

اللى شاربين العذاب والضنا

يا سجن يا أبو السجون كفياك فشخرة

ابن الحرام فيك لابس بدلة مزهرة

وابن الحلال فيك حديد خلف خلاف من ورا

تم ترحيلى إلى "بورسعيد العمومي"، استقبلنا المساجين بتلك الأغنية، كان عالما جديدا وغريبا، لا أعرف من أكون فيه، سجينا أم بريئا أم ضحية، قررت من الخطوة الأولى ألا أتورط فى علاقات مع أحد، لا ضباط ولا مخبرين ولا مساجين، الاحتكاك مع هذا العالم يجلب المتاعب، يجعلك أمام اختيارين؛ إما أن تكون من الفتوات أو المنسحقين، لا أريد أن أكون فتوة ولا أتحمل أن أكون من المنسحقين، اخترت أن أختبئ فى نفسى، فى ملابسى وقصصى وآلامى، ألا يشعر بى أحد.

 جلست أتابع قوانين هذا العالم، حاكمه الأول، النبطشى الذى يختاره المخبر من بين القدامى، وفى كل يوم يأتى للسجن إيراد ما يقرب من ٢٠٠ محكوم عليه ينتظر دوره فى التوزيع، على كل مسجون جديد أن يقدم ٥ علب سجائر للنبطشى، يحصل منها على علبتين، ويكون للمخبر ٣ علب.

ندفع نصف قاروصة سجائر شهريًا، ثمنا للسماح بوجود تليفزيون وريسيفر فى العنبر، ومثلهم مقابل السماح بالطبخ، يتم تقسيمهم على ٢٠ مسجونًا تقريبًا، عدد سكان العنبر.

كان يرسل لى رضوان حوالة شهرية بما تسمح به ظروفه، ٥٠٠ جنيه، ٣٠٠، ومرات لا يوجد، تأتى الحوالات على بوسطة السجن، وتُصرف بونات، لا يعترف السجن بالأموال، إما بونات تسمح بالشراء من الكافيتريا، أو سجائر تسمح بالحياة فى العنابر.

عشت فى هذا المكان ٤ شهور، لم أستحم فيهم سوى ثلاث مرات، كان الحمام بالخارج، بلا باب، فقط ستارة، من يحاول أن يتجاوز الوقت المخصص له بداخلها، سيكون من نصيبه الضرب، ٤ شهور من الهرش، رأيت فيهم الكثير وعرفت الكثير، وأهم ما عرفته، هو سبب وجودى هنا، قال لى مسجون بدوى، إننى خروف، كبش فداء، خصوم عيّاد أرادوا إبعادى عن صراع الأرض، بطريقة سهلة، فوضعوا لفافة الأفيون، وبلغوا عنى، وأغرب ما عرفته، أن عياد كان يعرف ولم يتدخل، وأن الأرض فى حقيقة الأمر ملكهم، وأنه المعتدى، خدعنى عياد واختفى، أوهمنى بالأمس أننى صديقه، وبات اليوم لا يعرفنى.

*****

٢٨ يناير ٢٠١١

هذا اليوم، كانوا قد نقلونا إلى سجن الترحيل، استعدادا لإرسالنا إلى سجن برج العرب، كان من المفترض أن نخرج الثانية صباحا، تأخرت السيارة، قالوا إن الوضع الأمنى فى البلد ليس على ما يرام، وسننتظر إلى الغد.

فى اليوم التالى، بعد أذان العصر مباشرة، فوجئنا بأصوات مرتفعة، حالة كبيرة من الربكة، أبواب العنابر تُفتح، هناك من يحمل الآلى ويضرب النار، قُتل ما لا يقل عن عشرة أفراد، هناك من فتح علينا خراطيم مياه المطافئ، غرباء كانوا يصرخون: اللى هيقعد هيموت.

خرجت مع الخارجين، لم أكن أعرف إلى أين أذهب، اتصلت على رضوان، فاتصل على أصدقاء له يعملون فى بورسعيد، أعطاهم رقمى، ووجدت من يتصل بى ويسأل عن مكانى.

بعد دقائق، وجدت "تاكسي" يقف أمامى، اصطحبنى من فيه إلى بيته، شاهدت ليلتها المدينة من الشباك وهى تحترق، اللهب والدخان يتصاعد، المطافئ، الأقسام، الفوضى.

فى الصباح، وجدت رضوان أمامى، أخبرنى أن الكمائن التى مر عليها فى الطريق مضروبة، أخذنا سيارة وذهبنا إلى الإسماعيلية، إلى جماعة أقاربنا من البلد، استحمينا وأكلنا ونمنا، وحين عاد الليل قررنا التحرك.

قبل أن نصل القاهرة بثلاثين كيلو تقريبا، صادفنا كمين فى الطريق، أوقف الميكروباص الذى نركبه، طلب منا الأمين "البطايق"، كنت قد تركت بطاقتى الورقية فى الإسماعيلية، خشيت أن يبحثوا عن اسمى فى الأجهزة فينكشف أمرى وأعود إلى السجن، لم أخطط للهرب، لكن بعد أن شممت رائحة الحرية، وعادت عيناى تنظر للحياة على اتساعها، لست على استعداد للعودة إلى السجن، لا طريق آخر سوى الهرب.

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حكايات عادية جداً شهادات تنشر لأول مرة إمام.. سيرة أخرى «1»
حك\
حكايات عادية جداً - نوح «18» رجال عدوا البحر ما اتبلوا
كنت واقفا مع رضوان، أعلى الجبل، كان متحمسًا وهو يشير إلى "الضهرة"، ويع
حكايات عادية جداً زيارة لأكبر سباق خيل شعبى فى صعيد مصر
حكايات عادية جداً: نوح «16» أخبار وأهرام كل يوم فى بلاويكى
نوح « 13 » ما لذَّةُ العيشِ إلّا صحبةُ الفقرا
حكايات عادية جداً نوح «12» الحب من قبل البشر

المزيد من أقلام

نحو الحرية - ذكرى العبور .... والفتح

لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...

بروح رياضية - «جمال» متعمد

ما يقدمه فريق الزمالك من مستوى فنى متميز خلال الفترة الأخيرة يدعو للتوقف والتأمل، فقد فشل الأبيض مع عدد كبير...

نحو الحرية - المشروع القومي (کاری اون)

في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...

بروح رياضية - دورى للجميع

عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،


مقالات

البـاب الأخضـر
  • السبت، 14 مارس 2026 09:00 ص
مسجد الفتح بميدان رمسيس
  • الجمعة، 13 مارس 2026 09:00 ص
وحوى يا وحوى وتحطيم الهكسوس
  • الخميس، 12 مارس 2026 06:00 م