حكايات عادية جداً نوح «2» - سبنا البلاد كلّها وعشنا وحدينا

كانت أمى تطاردنى بالزواج، وكنت أقاوم وأهرب منها.

كنت طفلاً، فى الثانية عشر من عمرى، لم أبلغ بعد، بينما صابرة تتابع نموى أكثر منى، تهتم بتغير صوتى، وظهور الشعيرات الصغيرة تحت أنفى، وحين تسمع عن عائلة طيبة فيها طفلة، تصحبنى إلى هناك، كل البيوت لا تمنع دخول الأطفال، تجلس بين النسوة لتحدثهم عن صفاتى، يُحب ويُكره، ثم تطالبنى بالذهاب للعب مع عروسة المستقبل. مع أن أمى تعرف أننى أخجل أمام الغرباء، وأخجل أكثر أمام البنات.

لم تكن كباقى أمهات ضرار ممن ينشغلن بزواج البنات وسترتهن، كانت مشغولة بزواجى أنا أكثر من انشغالها بزواج حليمة أختى، إنها تعول عليَ وعلى أولادى فى الإتيان بالثأر لأبى.

فى "ضرار"، الحكاية تنتقل بين الأجيال، تزرع الكره وتُورّث العداوات، كان عليَ أن أكره أطفال مثلى فى الكُتاب، وعليهم أن يكرهونى، فقط لأن بين الأهل صراعات قديمة، صراعات لم يختاروها، ووجدوا أنفسهم مضطرين لاستكمالها.

 كان أبى "صديق"، حسب ما تُردده أمى، رجلًا طيبا، يحب رعى الغنم والذكر والسلام. لكن طيبته لم تحميه، قُتل ذات مغرب رمضانيّ، ينكر أولاد أخيه قتله، يقولون إن هناك طرف ثالث، بينما أمى تقول بأنهم من فعلوها.

إنها تريدنى استكمال المسيرة القديمة، التى بدأها جدى الحاج إبراهيم، منذ ٧٠ عاما وأكثر، وربما بدأت من أجيال تسبقه، تريدنى أن أنجح فيما فشلت هى فيه، تريدنى أن أنجب كثيرا من الذكور، ليحملون السلاح يأخذون بالثأر ويعيدون الأرض، مع أنها لم تستطع أن تجنب سوى أنا وأختى، ومع أن أبى نفسه كان يزهد الأرض، كان يعرف أنها ملعونة، ولعنتها تصيب الجميع، من يضع يدها عليها بالباطل، ومن يحاول إعادتها إعلاء للحق.

صابرة، ترى فيّ بذرة عائلة كبيرة، تعيد حق زوجها المهدور، ومن أجل ذلك تقص الغنم، وتغزل الصوف وتبيعه، لتدخر القرش على القرش، استعدادا ليوم أقف فيه عريسًا، وتبدأ هى فيه دورة الانتقام الصامت.

لا أريد المضى فى نفس الطريق يا أمى، لا أريد أن أنام بعين مغمضة وأخرى مفتوحة، أو أن أمشى فى شوارع ضرار وأنا أتلفت خلفى خائفا، مع أن على كتفى سلاح، أريد الهرب من تلك العيون التى تطالبنى بالاستمرار، أريد أن أكون حرا، أمتهن أية صنعة أخرى بعيدا عن الأرض، لا أريد أن أكون من الأعيان، فقط أريد أن أعيش حياتى مرتاح البال.

قررت الهرب، لكننى أريد أن يكون الهرب برضى صابره.

عرفت أن رضوان ابن خالى، عاد من الغربة، فذهبت إليه، كانت ملابسه تفوح برائحة مدن أخرى لا أعرفها، تتسع عينيه وتتسع عينى معها وهو يحكى الحكايات، عن البحر والرمل، الشوارع والعمارات، وأيام العمل، وعن البنات، كان الأنسب فى مساعدتى على الهروب، ليس فقط لأنه يفهمنى حين أتحدث معه، ولكن أيضا لأن صابرة تُعزه.

- خدنى معاك.

- أخدك فين يا ولدى، أنت لسه صغير، والغربة صعبة عليك.

- ما أنت سافرت وأنت صغير، خدنى وعلمنى المحارة زيك.

- أيوه، بس أمك مش عترضى.

- عترضى لو أنت قلتلها أنى هابقى معاك.

ثلاثة أسابيع من المداولات مع صابره، أعلنت فى كثير من أيامها الإضراب عن الطعام، غضبت وبكيت، وهددت، وفى اللحظات الأخيرة التى كان يستعد فيها نور للخروج من ضرار والسفر، وافقت صابره على مضض، رأيت فى عينيها الحيرة، ما بين الخوف على ولدها الوحيد، وما بين الرغبة فى تحويله إلى رجل قوى.

"روح، بس...."، قبلت يدها ولم أكن فى حاجة لما بعد "بس"، لم أتلفت لكلماتها التى تدعونى فيها للانتظار قليلا، كى تسلق بيض وتجهز لى لقمة أتناولها فى الطريق، خرجت من البيت مسرعا، لا أريد أكل أو شرب، أنا الآن ممتلئ، يكفينى الهواء المنعش الذى أشعر به فى صدرى، حملت حقيبتى المعدة من أسابيع والموضوعة جوار الباب، وخرجت أهرول، أخاف أن تغير رأيها أو تأتى خلفى لتعيدنى، كانت عيون القرية تتبعنى بشىء من الريبة، لا أريد أن أبقى هنا، أريد أن أكون حرًا.

****

آه يا أمى لو خرجت مثلى من ضرار، لغيرتى كثيرا من أفكارك، لا يمكن أن تكون الحياة فقط هى زواج وخلفه وصراع وقتل، لا يمكن أن يكون الدم هو الوسيلة الوحيدة للحياة، الناس يبتسمون لبعضهم البعض فى الشوارع، عشرات العشرات من بلاد مختلفة يحملهم قطار واحد، انظرى إلى السيارات التى تمشى على الأسفلت، العمارات ذات الأدوار المتعددة، نهر النيل الذى يلمع كالسيف تحت أشعة الشمس، الجبال التى تبدأ وتكبر ثم تنتهى فى صمت وهى تتحول إلى صحراء، انظرى للنخيل إنه يجرى من الشباك، لا يقف مكانه ثابتا حتى الموت كما فى ضرار.

*****

كان راديو السيارة المرسيدس التى نقلتنا من رمسيس بالقاهرة، يبث أغنية مناسبة وقت وصلنا إلى معدية القنطرة، أغنيها أحيانا بينى وبين نفسى، "سبنا البلاد كلّها وعشنا وحدينا/ وكرهنا ناسها وأهلها يتحكَّموا فينا/على شط بحر الهوى رسيِت مراكبنا/ والشوق جمعنا سوى إحنا وحبايبنا".

كان الهواء يتحرك سريعًا يراقص الناس على المعدية، وعلم مصر يرفرف بفرحة على المقدمة، وكان الناس قد خرجوا من سياراتهم ليشهدوا القناة، هناك من داعب المياه بيده، كيف يا أمى تريدى أن تحرمينى من كل هذا، انظرى إلى الضفّة الأخرى، الأرض أوسع وأرحب.

 شمال سيناء ١٩٨٣

رأيتُ البحر لأول مرة بعيدا عن صور رضوان، كان واسعًا وحرًّا، زرقته مختلفة كأن السماء سقطت فيه وتعلّقت به، أطفال تركض بأقدام حافية على الشاطئ، وصيادون يصلحون شباكهم، ورمال تتمدد كأنها ذهبٌ يلمع تحت شمس الغروب، والنخيل كمن يقف مبتهجا، وهو يستقبل الزائرين.

كان آخر ضوء للشمس يغمر المدينة، حين نزلنا الموقف القديم، وبدت العريش كالحلم، كل شىء كان فيها كالحلم، من صوت المؤذن للمغرب، للسوق تنبعث منه روائح البهارات والشطّة والسمك، محلات بيع ملابس البحر، اللهجة البدوية، الناس يرتدون ملابس أخرى غير التى فى ضرار.

ذهبنا إلى الحوش الذى يسكن فيه رضوان، خلف مسجد الرفاعى، بقيت فى العريش ثلاث سنوات، قبل أن أعود لأمى، أو بالأدق أن تعيدنى إليها، كى تورطنى فى الصراع.

 	 أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حك\
حكايات عادية جداً - نوح «18» رجال عدوا البحر ما اتبلوا
حكايات عادية جداً: نوح «16» أخبار وأهرام كل يوم فى بلاويكى
حكايات عادية جداً نوح «12» الحب من قبل البشر
حكايات عادية جداً - نوح «9»: ابن الحرام لابس بدلة مزهرة
احمد
عطا
عطا

المزيد من أقلام

نحو الحرية - ذكرى العبور .... والفتح

لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...

بروح رياضية - «جمال» متعمد

ما يقدمه فريق الزمالك من مستوى فنى متميز خلال الفترة الأخيرة يدعو للتوقف والتأمل، فقد فشل الأبيض مع عدد كبير...

نحو الحرية - المشروع القومي (کاری اون)

في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...

بروح رياضية - دورى للجميع

عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،


مقالات

البـاب الأخضـر
  • السبت، 14 مارس 2026 09:00 ص
مسجد الفتح بميدان رمسيس
  • الجمعة، 13 مارس 2026 09:00 ص
وحوى يا وحوى وتحطيم الهكسوس
  • الخميس، 12 مارس 2026 06:00 م