لا أحد يعبر النهر مرتين: عن التغير الذي لا ننتبه له في حياتنا وعلاقاتنا

لأننا نظن أن كل شيء كما هو… بينما كل شيء يتغير. يقول الفيلسوف اليوناني هيراقليطس: "لا يمكنك أن تنزل النهر مرتين." قد تبدو الجملة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل معنى أعمق بكثير مما نتصور. فالنهر الذي نعود إليه ليس هو نفسه، والماء الذي يمر ليس هو ذاته، وحتى نحن… لسنا الأشخاص الذين كناهم منذ لحظة.

منى عبد العزيز
مستشارة علاقات زوجية وأسرية
نائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري

 

ورغم وضوح هذه الفكرة، نتعامل في حياتنا اليومية وكأن كل شيء ثابت. نعود إلى نفس الأماكن، نفس العلاقات، نفس الذكريات، ونتوقع أن نجدها كما تركناها، دون أن ننتبه أن الزمن لا يمر من حولنا فقط، بل يمر من داخلنا أيضا.

ما الذي يتغير فعلا؟

التغير لا يكون دائما واضحا أو مفاجئا. في أغلب الأحيان، يحدث بهدوء. يتسلل إلى التفاصيل الصغيرة، إلى طريقة تفكيرنا، إلى إحساسنا بالأشياء، إلى ردود أفعالنا التي لم تعد كما كانت.

قد نلتقي بشخص عرفناه منذ سنوات، ونتحدث معه بنفس الكلمات، لكن بشعور مختلف. أو نعود إلى مكان كان يحمل لنا معنى خاصا، فنكتشف أن هذا المعنى لم يعد كما هو. ليس لأن المكان تغيّر فقط، بل لأننا نحن تغيرنا.

حين نظن أن العلاقات ثابتة

أحد أكثر الأماكن التي يظهر فيها هذا الوهم هو العلاقات. نتعامل مع بعضنا وكأننا نسخ ثابتة، نتوقع نفس ردود الأفعال، نفس القرب، نفس الطريقة في الفهم. لكن الحقيقة أن كل طرف يتغير بطريقته، أحيانا دون أن يلاحظ ذلك.

قد نشعر فجأة أن هناك مسافة ظهرت في علاقة كانت قريبة، أو أن الحوار لم يعد بنفس السلاسة، أو أن ما كان يجمعنا لم يعد يكفي. نحاول تفسير ذلك بحدث معين، بينما السبب أعمق وأبسط في الوقت نفسه: التغير.

لماذا نصدم من التغير؟

لأننا نرتبط بالصورة، لا بالحقيقة. نحتفظ في أذهاننا بنسخة قديمة من الأشخاص، من أنفسنا، من العلاقات، ونتعامل على أساسها. وعندما لا تتطابق هذه الصورة مع الواقع، نشعر بالارتباك، وربما بالخذلان.

لكن التغير ليس خطأ، ولا خيانة، ولا فقدانا بالضرورة. هو جزء طبيعي من الحياة، حتى لو لم نكن مستعدين له دائما.

التغير لا يعني الفقد دائما

أحيانا نربط التغير بالنهاية، لكن ليس كل تغير فقدا. بعض العلاقات تتغير لتصبح أهدأ، أو أعمق، أو مختلفة في شكلها، لكنها لا تختفي. وبعضها الآخر ينتهي، ليس لأنه كان خطأ، بل لأنه لم يعد مناسبا لما أصبحنا عليه.

القبول بهذه الفكرة لا يكون سهلا، لأننا نميل إلى التمسك بما نعرفه، حتى لو لم يعد يشبهنا. لكن إدراك أن التغير جزء من الاستمرار، لا من الفقد، قد يخفف من هذا التعلق.

ماذا عن أنفسنا؟

ربما الجزء الأصعب في هذه الفكرة، هو أن نرى تغيرنا نحن. أن نعترف أننا لم نعد نفس الأشخاص، وأن ما كان يناسبنا في وقت ما، لم يعد كذلك الآن.

نتمسك أحيانا بنسخة قديمة من أنفسنا، بدافع الحنين، أو الخوف، أو الشعور بالاستقرار. لكن هذا التمسك قد يجعلنا نشعر بالتناقض، كأننا نعيش حياة لا تشبهنا تماما.

هل يمكن أن نقاوم التغير؟

نحاول أحيانا أن نفعل ذلك، أن نحافظ على كل شيء كما هو، أن نعيد نفس اللحظات، نفس العلاقات، نفس الإحساس. لكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة. التغير لا يحتاج إلى قرار، بل يحدث على أي حال.

السؤال الحقيقي ليس كيف نمنع التغير، بل كيف نتعامل معه.

كيف نقترب من الفكرة؟

ربما البداية تكون بالانتباه. أن نلاحظ ما تغيّر، بدل أن ننكره. أن نسأل أنفسنا: ماذا أشعر الآن؟ ماذا لم يعد يناسبني؟ ماذا تغير في الآخرين؟

هذا لا يعني أن نتخلى عن كل شيء، بل أن نرى الواقع كما هو، لا كما نريده أن يكون.

في العلاقات… ماذا نحتاج؟

نحتاج إلى مرونة، وإلى مساحة تسمح بالتغير دون خوف. أن ندرك أن العلاقة لا تبقى حية لأنها ثابتة، بل لأنها قادرة على التكيف. وأن القرب الحقيقي لا يعني أن نظل كما كنا، بل أن نستمر في محاولة فهم ما أصبحنا عليه.

ربما لا نستطيع أن نعبر النهر مرتين، لأن النهر يتغير، ولأننا نحن أيضا نتغير. لكن هذا لا يعني أن نفقد الطريق، بل أن نتعلم كيف نسير فيه بشكل مختلف في كل مرة.

فالحياة لا تطلب منا أن نثبت،
بل أن نعي… كيف نتغير.

 

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز

المزيد من مقالات

هل بات القانون الدولي عديم الفائدة، أم أننا نحاكمه بجرائم من ينتهكونه؟

في ظل ما يشهده العالم من توالي صور القتل، والتهجير، والحصار، واستهداف المدنيين، صار سؤال ثقيل يتردد على ألسنة كثيرين:...

المرأة صانعة المحتوى

في زمن لم يعد فيه “الصوت” مرتبطًا بالمنصات التقليدية، بل بشاشة هاتف صغيرة قادرة على الوصول إلى ملايين المتابعين في...

لا أحد يعبر النهر مرتين: عن التغير الذي لا ننتبه له في حياتنا وعلاقاتنا

لأننا نظن أن كل شيء كما هو… بينما كل شيء يتغير. يقول الفيلسوف اليوناني هيراقليطس: "لا يمكنك أن تنزل النهر...

حكاية ساكنة "البيت الفرنسي" بجوار معبد الأقصر والولع بالحضارة المصرية

مع منتصف القرن التاسع عشر؛ لمع اسم مصر عاليا في مجال الآثار، وبدأ الأجانب يفدون إليها للسياحة والاستمتاع، وساعد مناخها...