صلاة النصر في محراب الفيروز

بقلم محمود علام

ثمة بقعةٌ في هذا الكون، تقف شامخة كحارس التاريخ عند بوابة الشمس؛ تتجاوز بقدسيتها حدود الخرائط، وتعجز الأقلام عن وصفها كموطئٍ من أرض، تستعصي بصمودها على منطق الفناء. وهي تحمل فى ثناياها ذلك "الثرى" الذي خُلط بمسك النبوة، فصار السير فوقه صلاة، والصمت في رحابه عبادة.

طوال أزمنة من الصبر، ظلّت تُخبئ في جوفها صدى تكبيرات لا تخفت, وتختزن بين سهولها وجبالها حكايا السماء, ظن الكثيرون أنها غابت يومًا ما، لكنها ظلت تتنفس باليقين حين ضاق به المدى. أرادوها حدودًا ترسمها الجغرافيا، فأصبحت هي القلب الذي يضخ الكرامة في العروق؛ أرادوها مقبرة للتاريخ فأضحت هي التاريخ ذاته؛ أرادوها تِيهًا تضيع فيه الخطى، فباتت هي المدار الذي تدور فيه الكواكب.

هنا، حيث يعانق الصخر الماء في مشهد أسطوري، تتوضأ الروح بفيض التضحيات، وتتيمم النفس برمل الإرادة، لتستوي تلك البقعة المباركة ــ رغم أنف العِدا ــ على عرش السيادة أعزّ شأنًا وأنفذ حكمًا وأرفع مقامًا.

هي البرزخ الرابط بين قارتين، هي الجبال التي لا تزال تحفظ سر النصر، هي الرمال التي تُعلمنا أن العزّة ليست نصًا يُكتب بل قدرٌ يُصان, هي الشواطئ التي ترفرف فوقها رايات الحق، هي المحراب الشاهد على مناجاة الأرض للسماء، هي موضع سجود جباه الأبطال, وهي النصل الذي نحر أحلام الغزاة, فما تركت لهم فوق ثراها إلا ذكرى الهزيمة النكراء.

نعم.. إنها هي؛ سيناء .. أيقونة التحرير، وفاتحة اليقين, وسيدة الأرض.

سيناء .. محراب التجلّي وميقات الوحي ومآثر الأنبياء

إن ما طرحناه في الاستهلالية عن هذه الأرض ليس محض اجتهادٍ بشري أو رؤية فلسفية مجردة، إنما هي حقيقةٌ تسامت في أعماق التاريخ؛ منذ أن اصطفى الله هذه البقعة لتكون مأوى للقداسة، وقبلة للروح، ومسارًا تباركت برماله مواكب المرسلين.

فسيناء ليست أرضًا تُقاس بحدود الأميال، ولا تُختزل في إحداثيات رسمت بالحبر على الخرائط ؛ إذ هي أبعد من جغرافيا تتشكل من رمال وجبال، إنها "محراب الكون" الذي أُودعت فيه فيوضٌ من الأسرار الربانية، فغدت ــ في مكنون غيبها ــ موضع تجلٍّ إلهي، توقف عنده الزمن ليرقب تلاقي السماء بالأرض، ولتتحول ذرات رمالها إلى شاهد حيّ على لحظات مهيبة، لم تألفها بقعة سواها على وجه البسيطة.

فعلى أديمها احتضنت غريبًا آوى إلى بئر"مدين" بقلبٍ يملؤه الانكسار، اختلطت في محيطه خُطى العابرين بـ جلبة الساعين إلى الماء. وفي فنائه، وقفت ابنتا "النبي شعيب" على حافة الانتظار، وقد أضناهما الزحام وكفّهما الحياء، فبادر نبيُّ الله "موسى"بخطى النبلاء، يدفع عنهما عنت الجمع، وسقى لهما بصمت المحسنين، قبل أن يستظلّ بشجرة ليودعها شدّته، ويبثّ إلى ربه لوعته : }رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ{. فكانت هذه البئر، في تلك البقعة المباركة، موعدًا للسَكن والأهل، وبداية لرحلة نبوة لم تطو القرون ذكراها.

ومن غربة البئر إلى نار الهداية؛ في ليلةٍ شتائيةٍ قارسة، وعند تخوم الصمت الممتد، وقف موسى ذات أوانٍ معلوم لا يشبه ما قبله ولا ما بعده، قال لأهله بلسان الرجاء: }امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى{. فهي ــ كما صورها البيان القرآني على لسان موسى في سورة طه ــ مهد القبس ومستقرُ الهدى؛ هناك، لدى الوادي المقدس طُوًى، عند سفح الطور، ناداه "الودود" من حُجب الغيب:}فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ{، فأنصت الوجود كلّه خاشعًا لهيبة النداء، وارتجفت الرمال من وقار التجلّي.

وجاء الأمر الإلهي: }فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ{؛ في إشارة لجلال المنادي، وقداسة الموقف، وهيبة الأرض. وتجلّى الحق سبحانه مبشرًا: }أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا{. هنالك، خرَّ الجبل دكًّا، فانحنت الأوتاد العصية، وخشعت الكتل الصخرية، وغدت محرابًا للتنزيل، وانفتحت في الوجود آفاقٌ بكر، كُتبت أولى سطورها بمداد من نور الملكوت، وباتت أرضها أمانةً مقدسةً، يحمل ريحها عطر الوحي, وتحفظ أصداء: } إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ إلى يوم يُبعثون.

هناك، تلقى "كليم الله" ميثاق النبوة؛ كلمات من نور نُحِتت في الوجدان قبل أن تُخطَ على الألواح. ثم كان الارتقاء الأكبر، إذ صعد الجبل ثانيةً لميقات ربه أربعين ليلة؛ وسط مهابة الرعد، ومخافة البرق، وكِسَفِ الغمام، ليحمل الألواح الحجرية فيها هدًى ونورًا. ثم عاد بنبض "الوصايا العشر" في جوانحه، مقبلا بها على قومه ليُقيم موازين العهد، ويُصلح المسير ويُجدّد بها صلة الإنسان بخالقه.

وفي رحلة التيه فوق أراضيها، وعند أول بئرٍ بعد البحر، إذ كان الماء مُرّا كالحسرة، ألقى موسى غصنًا بأمر ربه؛ فأعذب مُرّها، وأبرأ مِلحها. وحين استبدَ الظمأ بالقلوب، ضرب موسى بعصاه الصخر الأصم؛ فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، قد علم كلُ أناسٍ مشربهم، وكأنّ الأرض تُسبّح بارئها بلسانٍ من ماء.

وفي ختام المسير، حين انحنى النخيل للريح وهمس في أذن الرمال، استراح التائهون المتعبون تحت ظلال اثنتين وسبعين نخلة؛ رفعت سعفها كأكفٍّ تلهج بالثناء في سكون البرية، لتكون تلك الواحة شاهدًا على أن الأرض التي بوركت بقداسة التجلي، لن تكف عن منح مرافئ الحنان وملاذات السكينة.

ولأن سيناء هي "أرض المواعيد"، زادت رمالها طُهرًا حين وطأتها أقدام البتول ورضيعها المبارك. فبينما كانت خيول الظلم تقتفي أثر النور، انفتحت سيناء كذراعين حانيتين؛  لتغدو الملاذ الأول، والممرّ الآمن للعائلة المقدسة في رحلتها المباركة نحو النجاة. هنا، سارت الصّديقة مريم العذراء تظللها غيوم الرأفة، تحمل بين يديها "كلمة الله" رضيعًا، تمضي به في دروبٍ يباركها المولى، تمسح بقداسة عبورها وعثاء الطريق. ففي كل خطوةٍ خطتها، كان الرمل يلين تحت قدميها إجلالا، والريح تسكن لئلا تُقلق غفوة الطهر في مهد ذراعيها، فامتزج أريج النبوة بقداسة الخطى، وتناغم صدى ترانيم العبور بتسابيح الجبال.

فسيناء هي "واحة الأمان" التي احتضنت مسار الرحلة المقدسة ذهابًا وإيابًا؛ فكل نخلةٍ انحنت لتُسقط رُطبًا جنيًا، وكل بئرٍ فاضت لتسقي ركبهما، غدت مزارًا للروح، وشاهدةً على أن هذه الأرض هي حِمى الله الذي اختاره ليحفظ أثر النور. وإلي اليوم، تحمل سيناء في أنفاسها عطر تلك الرحلة، لتبقى بقعة لا يطولها ظلام ما استضاءت بنور عيسى وطهر مريم.

كما أن سيناء هي "الصراط الأرضي" لمواكب الأنبياء؛ نُسجت في أرجائها خيوط النور، وتشبع هواؤها بعطر التوحيد. هنا، سار الخليل إبراهيم، شيخ الأنبياء، قاصدًا كنانة الله، وعاد وبصحبته هاجر؛ سليلة أرض الكنانة, وهبة أهل مصر للعالمين وأمّ الذبيح إسماعيل. و فوق هذه الدروب، عبر يوسف الصديق مرتين: مرّةً فتًى غريبًا في ركب قوافل الـمشترين يطويه الصمت والأسى، ومرّةً عزيزًا تسبقه قوافل الخير، داعيًا أباه يعقوب وإخوته من كنعان إلى رحاب مصر أرض الطمأنينة والسلام.

لقد مثّلت سيناء لهؤلاء الصفوة "خلوةً كبرى"؛ ففي صمت جبالها تفتحت بصيرة، وفي سكون ليلها تهيأت روح لحمل الأمانة. هي الأرض التي شهدت عبور "الكلمة" و"الرؤيا" و"الصبر"، فصارت رمالها ذاكرةً حية لأقدام لم تطأ الأرض إلا لتُصلحها. فكل حجرٍ فيها يحفظ سرًّا من سيرة الصالحين، وكل ذرة رملٍ تهمس بصدى دعوات الصادقين، لتظلّ سيناء هي مسافة مقدسة بين الوحي المُنزل من رب السماء.. وشهود الوجود.

 

وهكذا، تتابعت على أرض سيناء هالات النور النبوي؛ فكانت الأرض التي آوت خطى الخليل إبراهيم، وشهدت صبر يوسف ومرور أبيه يعقوب، واحتضنت طهر مريم وبشارة عيسى. وهي ذاتها البقعة التي شهدت تنزيل رسالة موسى، مؤيدًا بأخيه ووزيره هارون، ومصحوبًا بفتاه يوشع بن نون لدى مجمع البحرين؛ ثم توجها الخالق في النهاية بالقسم العظيم في محكم التنزيل. فرُفعت سيناء في الذكر الحكيم إلى مصافّ اليقين، حين اقترن ذكرها بـ "البلد الأمين"، وجاء "طور سينين" شاهدًا أزليًا على ميثاق غليظ عُقد بين السماء وهذه الرمال. إنها البقعة التي لم يُقسم الرب بجبالها إلا لأنها "شامة الأرض"؛ فصار أمنُها من أمان الروح، واستقرارها جزءًا من قدسية الرسالة وبهاء الوجود.

 

لقد غدت سيناء ــ بهذا الختم الإلهي ــ بجبالها وأوديتها وتينها وزيتونها, أسمى من حدود الأوطان؛ إنها أمانة الله في عُنق التاريخ، والوادي الذي لا يُقتلع من جذوره ما دام في القرآن آيةٌ تُتلى بذكره، وفي الوجدان يقينٌ بأن بقعةً أقسم بها الخالق .. لا يملك كائنٌ من كان أن ينال من كبريائها.

 

رمالٌ تأبى الخضوع .. ولا تقبل القسمة

وإذا كانت سيناء قد تشبّعت بعطر التوحيد، فغدت في سكينتها "محرابًا للوحي" يتردد فيه صدى خطى الأنبياء؛ فإنها في أتون التاريخ كانت قاعدةً للجسارة. لم تكن هذه الرمال يومًا مجرد فضاءٍ للمرور، ولا كانت معاركها مجرد اشتباك بين الجيوش، بل كانت صراعًا بين حقٍّ عصيٍّ على التفريط فيه، وقوةٍ توهمت أنها تملك الأرض. كانت سيناء دائمًا "ميزان القوى" ومقبرةً انكسرت على صخورها أطماع الإمبراطوريات؛ فمنذ أن خطّ أجدادنا الأوائل طريق "حورس الحربي"، وسيناء لا تغفو عينيها، تحرس بوابة الشرق بكل يقظة.

على أديمها، نبتت القلاع كشواهد أبديّة على السيادة؛ فمن "قلعة ثارو" ــ التي دوّت منها صرخة التحرير الأولى ضد الهكسوس ــ صيغت فلسفة البقاء، فكانت سيناء هي "خطّ الدفاع الأول" الذي لم ينكسر. ومواجهاتها ممتدة؛ حيث خاض المصريون القدماء فوق رمالها حروبًا جسورة لتأمين مناجم الفيروز والنحاس، صادِّين حملات الطامعين وزحف الغرباء، لتظلّ ثرواتها مصونةً بحدّ سيف العزيمة، ومحميّةً بيقظة المقاتل الذي لم يرَ في سيناء منجمًا للفيروز فحسب، بل رآها عِرضَ الوطن وتاج كرامته.

ومع بزوغ الفجر الإسلامي، عبرت سيناء جحافل النور تحت راية "عمرو بن العاص"؛ فكانت رمالها شاهدةً على مناوشات "الفرما" و"العريش"، حيث فُتحت بوابات مصر على حقبةٍ جديدةٍ من الحق. وغدت في عهد "صلاح الدين الأيوبي" معقلاً للسيادة وقبلةً للأمان؛ فارتفعت فوق قممها "قلعة الجندي" و"قلعة صلاح الدين" في طابا، كأوتادٍ من كبرياء، ترفع المآذن وتُشرع سيوف الحقّ لتأمين طريق الحجيج، وقصم ظهور الصليبيين الذين ظنوا أن في سيناء ثغرةً، فإذ بها عليهم سدٌّ منيع.

وحين مر بها نابليون بجيشه الغازي، طامعًا في بلوغ الشام، كانت سيناء له مذبحًا للطموح؛ ففي قلعة العريش، وأمام صمود حاميتها من المماليك والمصريين لأحد عشر يومًا تحت لهيب المدافع، وبقلوبٍ لا تعرف الوجل، شهدت رمال العريش ملحمةً ضاريةً. هنالك، أدرك المستعمر الفرنسي أن سيناء لا تُسلم مفاتيحها لمن جاءها غازيًا مستكبرًا، وأن أحلام الإمبراطوريات العجوز التي تُبنى فوق الخرائط، تذروها رياح الجسارة فوق تلالها المسكونةٌ بروح الممانعة.

لقد ظلّت سيناء هي الامتحان الصعب لكل غازٍ؛ لم يدخلها فاتحٌ إلا بعهد، ولم يطأها غاصبٌ إلا وخرج منها يجرّ أذيال الخيبة؛ فترابها لا يقبل القسمة، وهواؤها لا يتنفس إلا برئةٍ مصرية. إنها الأرض التي شهدت حوارًا خشنًا بين الإرادة والعدوان عبر العصور؛ ففي كل شبرٍ من "الفرما" إلى "العريش"، ومن "نخل" إلى "الطُّور"، هنالك حكاية جنديٍّ مرابطٍ أدرك أن ضياع الرمل هو ضياع الروح. كانت ــ ولا تزال ــ هي المنطقة المحرمة التي صقلتها التجارب، قبل حتى أن تدخل في أتون المواجهات الكبرى التي أعادت صياغة وجه التاريخ الحديث.

 

جمرٌ متقد .. وأراضٍ لا تقبل الترويض

مع انتصاف القرن العشرين، أصبحت سيناء ترمومتر السيادة ومحور الصراع الكوني. ففي خريف عام 1956، حين أعلن الحقّ المصريّ استعادة وتأميم قناته، ثار غبار الأطماع من جديد؛ فاجتمع الطامعون الثلاثة في ليل التآمر ليجعلوا من رمال سيناء ثمنًا لغرورهم.

هنالك، في قلب الرمال، كانت سيناءُ شاهدةً على أولى معارك الانبعاث الحديث؛ فمن "ممرّ متلا" الذي تحول جحيمًا، إلى فدائيي "بورسعيد" و"العريش"، أثبتت الأرض مرّةً أخرى أنها لا تمنح أمانًا لمحتل. ورغم سُطوة الطيران وجبروت البوارج، إلا أنّ الإرادة المصرية جعلت من هذا العدوان انتحارًا لأطماعهم تحت التحام الجسد الواحد؛ ليرحل الغزاة وتظل سيناء مصرية الهوى والهوية.

إلا أن القدر كان يخبئ لسيناء اختبارًا هو الأقسى في تاريخها الحديث؛ ففي يونيو 1967، خيّمت سحابة قاتمة من الوجع فوق التلال، حين غدرت الآلة العسكرية بالسكينة، واستباح المحتلّ ممراتها الطاهرة. فلم تكن هزيمة سلاحٍ فحسب، بل كانت جُرحًا في الكبرياء؛ حيث صمتت المآذن حزنًا، واغتصبت الأسلاك الشائكة جسد الصحراء، وظن الواهمون أن سيناء قد تروّضت خلف"خطّ بارليف" وحصون الوهم.

غير أن ما غاب عن حسابات الغزاة، هو أن سيناء لا تستسلم ولا تركع، حتى في لحظات الانكسار، فكانت حرب الاستنزاف هي الصرخة التي لم تنقطع، حيث أضحى كل "خندقٍ" محرابًا للموت من أجل الحياة، وكل "رأس عشٍّ" مدرسةً في الجسارة، ليعلم العدو أن إقامته فوق رمالها ليست إلا وقوفًا فوق جمر مستعر، ينتظر لحظة الانفجار العظيم الذي سيعيد الحق إلى نصابه الصحيح، وقد كان في أكتوبر المجيد.

العبور إلى اليقين .. يوم صار الصّيام نورًا, والساتر هباءً منثورًا

في ظهيرة السادس من أكتوبر، العاشر من رمضان، انشق صمت يوم "الغفران" المخيم على سيناء عن صرخات مدوية ع هزة أرضية مصرية لم يتحسسها غزاة الأرض، بل استشعرتها جينات التاريخ القابع في أعماق الرمال، إذ التقت إرادة الصائمين بقداسة الميدان. في تلك اللحظة، لم يكن الجوع ضعفًا، بل كان طاقةً مسكوبةً من نور، وكان الظمأ هو الوقود الذي أحرق أوهام الغاصبين. لقد عبر "الصوَّامُ" حواجز المستحيل بقلوبٍ معلقةٍ بالحق، فكانت صرخة "الله أكبر" هي الإفطار الحقيقي لأرواحٍ حبست أنفاسها ست سنواتٍ  خلف قيد الأسلاك الشائكة والسواتر الترابية. لم يكن العبور العظيم مجرد تحطيمٍ لأسطورة خطّ بارليف، أو اجتثاث لجذور قلاع الوهم التي شُيدت بالصلف قبل الأسمنت؛ بل كان لحظة نطقت فيها الأرض بلغتها الأصلية، ففتحت مصر رئاتها لتتنفس هواءها المعهود.

في تلك الساعات المقدسة، تكلمت الإرادة فصمت العالم؛ وبات مانع السويس المائي، جسرًا للكرامة، وتحول المقاتل المصري إلى إعصارٍ كاسح من طين ونار، يثأر لكرامة الأرض التي جُرحت في يونيو، ويُعيد كتابة قواعد لعبة الحرب والسلام. إن معارك "الفردان" و"ممرّ متلا" و"كبريت" ليست مجرد اشتباكاتٍ عسكرية، بل كانت طقوسًا لاستعادة العِرض؛ حيث رُوي التراب بدم الأبطال، ليزهر اليقين بأن أسطورة الجيش الذي لا يُقهر قد ذابت كما كان الحال مع الساتر الترابيّ أمام خراطيم الحقّ والعزيمة.

لقد كانت سيناء في حرب العزّة والكرامة الميقات والمكان؛ ففوق تلالها التي تأبى الخضوع، رُفع العلم ليس ليعلن نهاية المعركة فحسب، بل ليُعلن أن كل ذرة رملٍ فيها قد غُسلت من دنس الاحتلال، لتخرج من أتون النار أشدّ صلابةً وأكثر قداسة، مُتوجة بانتصارٍ أذهل العقول وصاغ وجه العصر الحديث بمداد من نصر ونور.

سلام الأقوياء .. في حضرة شمس التحرير

إذا كان رصاص النصر قد شقّ طريق العودة، فإن الحكمة هي التي ثبّتت الأوتاد؛ ذلك أن الأرض التي عُمِّدت بماء الطُّهر، قد غُمرت بـفيض السيادة؛ في ذلك المزيج الأسطوري الذي انصهرت فيه إرادة السياسيّ بعزم المقاتل. فتجلت عبقرية الإرادة المصرية في تحويل المنجز العسكري إلى واقع سياسي  يفرض السيادة كاملة غير منقوصة. فلم يضع المصري السلاح إلا ليُمسك قلمًا لا يقل جسارةً عن السيف؛ إذ قاد الرئيس الراحل "أنور السادات"، ذاك "البطل المغامر" الذي قرأ ما وراء الأفق، فأدار معركةً من نوعٍ آخر، معركةً لا تقل ضراوة عن سابقتها، تدور رحاها فوق طاولات التفاوض وبين دهاليز وأروقة الساسة العُتاة.

لقد تفاوضت مصر ــ ممثلة في هذا الزعيم ــ بـلغةٍ مزدوجة وعقيدةٍ راسخة: يدٌ تضغط على الزناد لتُعيد البصر لمن غفل، ويدٌ تمسك بغصن الزيتون لتفرض سلام الأقوياء. فلم يكن الذهاب إلى مرتفعات منتجع "كامب ديفيد" نكوصًا عن المواجهة، بل كان اقتحامًا لحصون الدبلوماسية بروح المنتصر الذي استلهم اليقين، واستعار من صخور سيناء صلابتها ومن رمالها دهاءها؛ ليُثبت للعالم أن استرداد الأرض بالسياسة ليس إلا الوجه الآخر لصلابة العزيمة وحتمية الانتصار.

ومع تحرُّر الأرض في الخامس والعشرين من أبريل 1982، جاء مشهد رفع العلم لا كإجراء بروتوكولي ، بل كـزفرة حرية أطلقتها الرئة المصرية بعد طول احتباس. هنالك، وبينما يرتفع اللون الأحمر بلون التضحيات، والأبيض بنور السلام، والأسود بلون الطمي، أعلنت سيناء للعالم أجمع أنها الأرض التي تأبى الاغتراب، ولا تُستباح حُرمتها، فهي المحراب الذي لا يقبل الدّنس، والقبلة التي يرتدّ إليها الحقّ مهما طال الغياب، في رسالة واضحة تثبت للجميع أنها الأرض التي تُؤخذ بالنصر وتُصان بالحكمة، لتشرق شمس التحرير وتُرفرف الرايات المصرية فوق كلِّ شبرٍ، من ضفاف القناة وصولاً إلى آخر صخرة في "طابا"، التي استردت هي الأخرى عن طريق ساحات التحكيم الدولى في التاسع عشر من مارس 1989، بجهود خيرة من رجالات مصر؛ معلنةً انتصار العقل والسيادة. لتظل سيناء عهدًا ممهورًا بدم الشهيد وحكمة القائد، ودرعًا للكنانة، ومهدًا للجسارة إلى أبد الآبدين. فهو إعلانٌ صوفيٌ بأن الأرض التي سُقيت بالدم، لا تُسترد إلا بالحق المطلق واليقين الذي لا يلين.

الفيروز الجديد .. العبور المستمر ومعارك النماء

إذا كان التحرير بالدم قد استردّ الجسد، فإن التحرير بالبناء هو الذي نفخ فيه الروح؛ فلم تعد سيناء في الوجدان المصري مجرد جبهةٍ للقتال أو ذاكرة حربٍ معلقة في روزنامة الزمن، بل أصبحت اليوم ميدان الغزو الأسمى حيث يتناغم خيال السياسي وعزم المهندس وصبر الفلاح وإرادة البنّاء في ملحمة العبور المستمر نحو النماء. لقد انطلق هذا العبور بضراوة فاقت صخب المدافع، فتحولت تلك الأرض من "شبه جزيرة" معزولة ــ رغم موقعها الإستراتيجي بتوسطها ثلاث قارات ــ إلى قطعة ملتحمة بقلب الوطن عبر شرايين خرسانية عملاقة من أنفاقٍ وكباري وسكك حديدية، اخترقت جوف القناة لتكسر عزلة العقود، وتؤكد اتصالها العضويّ بالدولة، وتجعل من سيناء والدلتا نسيجًا واحدًا يكمل بعضه بعضًا، ولا يقبل الانفصال.

ومن رحم هذا الربط، ولدت مدن الجيل الرابع وقلاع العمران في رفح والإسماعيلية والسويس الجديدتين، لترفع راية التعمير وتجعل من البشر حراس الأرض الحقيقيين. وعلى امتداد الأفق، تحولت الصفرة القاحلة إلى جناتٍ يانعة بفعل معجزاتٍ مائية كـ "محطة معالجة بحر البقر"، التي تروي مئات الآلاف من الأفدنة لتأمين غذاء المصريين، وتعزيز القدرة التصديرية، بينما ارتفعت صروح العلم في جامعتي "سيناء ــ الملك سلمان" ومنارات الشفاء في المستشفيات الحديثة لتداوي الإنسان وتصون كرامته. علاوة على استحداث شبكات للطرق، وتطوير الموانئ التي تحتضن أساطيل التجارة كميناء العريش البحري، والمطارات التي تشق عنان السماء مثل مطار البردويل الدولي الذى حلّ محل قاعدة عسكرية في الماضي ليتحول إلى بوابة تنموية وسياحية عالمية.

ولم تتوقف المعركة عند حدود الزرع والبناء، بل امتدت لتصيغ واقعًا اقتصاديًا جديرًا بمكانتها؛ ففتحت الدولة أبواب "الفيروز الجديد" أمام الاستثمارات المحلية والعالمية، وحولت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى منصةٍ لوجستية وصناعية كبرى تجذب رؤوس الأموال لإنتاج الهيدروجين الأخضر والصناعات التحويلية. فضلا عن استغلال كنوز الرخام والرمال الزجاجية، فتحولت سيناء من "خزانة مغلقة" إلى "قلبٍ نابض" للتجارة والطاقة.

وهكذا، وفي ظل هذا الاستنفار التنموي الشامل، تحولت سيناء من ساحة عمليات أو خط مواجهة إلى مركز ثقلٍ اقتصادي؛ باستثماراتٍ تجاوزت 600 مليار جنيه في مشروعات التنمية المتكاملة والمستدامة التي صانت الأمن القومي بالبشر والعمل. فغدت تلك المشاريع ركائز لتحويل "أرض الفيروز" إلى منصةٍ عالمية للتجارة والسياحة والتعدين. ومن سحر السياحة الشاطئية إلى جلال مشروع "التجلي الأعظم" فوق قمم سانت كاترين، تكتمل صورة السيادة الحقة التي تُصان بالإعمار بعد أن ثُبِّتت بالسلاح، لتظل سيناء للأبد واحةً للأمان، ممهورةً بعرق البنّاء كما رويت بدم الشهيد.

 

مبتدأ الكرامة: طقوس الخلود في عيد التحرير

في كل عام، حين يهل علينا عيد تحرير سيناء، لا تقف مصر عند حدود الاحتفال بذكرى عابرة، بل تستعيد طقسها الأبديّ؛ ملحمةً تامة البنيان، انطلقت من عمق الألم لتبلغ ذروة السيادة المطلقة على كل شبرٍ من التراب. فسيناء ليست مجرد حجرٍ ورمل، بل هي الذاكرة المقدسة التي تمشي فوق الرمال، والمرآة الصافية التي عكست ملامح الأمة في أدق لحظات التحول بين الانكسار والانتصار؛ تنفض عنها رماد الماضي لتعانق شمس الحرية في بعثٍ كامل لأمةٍ ترفضُ الرضوخ.

وحين يحلُّ موعد العيد، لا يفتح الوطن دفتر احتفال، بل يفتح سجل الخلود؛ ليقرأ "مبتدأ" الوجود في جملة العزة المصرية، تلك التي كُتبت حروف اسمها بمداد الدم فوق جبين الشمس. هنا، في هذه البقعة المقدسة التي شهدت عبور الجيوش وعلوَّ الرايات، نُقشت أعظم ملاحم العصر الحديث؛ حيث يترسخ اليقين، وتتحول الهزيمة إلى هدىً يُضيء دروب الأجيال، ليعلّمهم أن سيادة الأرض تبدأ حتمًا من سيادة الإرادة. ففي كل عيد تحرير، لا تقول مصر للعالم إنها انتصرت فحسب .. بل تعلن بملء فخرها أنها استعادت ذاتها، وعرفت كيف لا تُهزم، وكيف يزهر التاريخ بصدق حين يكتبه المخلصون.

وعند منتهى القول، تظل سيناء في ديوان الوجود المصري حالةً من اليقين، حيث  وهبتها السماء قداسة التجلي، وغدت رمالها عناقيد خرز يُسبّح بها التاريخ. فهي الأرض التي احتضنت خطى الأنبياء في مواكب من نور، وهي البقعة التي ناجى فيها ساكن الوادي خالقه، وتجلى علي جبالها فاطر الكون، وخصَها بالذكر في قرآنه الحكيم؛ فصار ليلها ضياء، وصمتها تكبيرًا، ومداها محرابًا لا يطؤه إلا المتطهرون بحب الوطن. ولعل أعظم فيوضات هذه الأرض، هي تلك الإشارة الكونية التي التقطتها أذناي مؤخرًا من ثغر الإعلامي القدير جمال الشاعر؛ حين أبصر في رسمتها على الخريطة "علامة النصر" المرفوعة للأبد؛ كأن الله قد صاغ جغرافيتها لتكون يدًا مصرية مظفرة، ترفع إصبعي العزة والكرامة في وجه الريح، وتُعلن للعالمين أن النصر هو قدرٌ ممدودٌ ومكتوبٌ، بل ومرسوم على أرض مصر بصنعة الخالق الذي أحسن كل شيءٍ صنعه.

 سلامٌ  على مصر .. سلامٌ  على سيناء .. مبتدأ الروح، ومُنتهى اليقين.

 

 

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

هويدا

المزيد من أقلام

صلاة النصر في محراب الفيروز

ثمة بقعةٌ في هذا الكون، تقف شامخة كحارس التاريخ عند بوابة الشمس؛ تتجاوز بقدسيتها حدود الخرائط، وتعجز الأقلام عن وصفها...

بروح رياضية - درس الجمهور

فى كل مرة يثبت الجمهور أنه العنصر الأقوى.. الأوفى.. الأصدق.. لا يستفيد إلا بتلك الجرعة المعنوية التى يحصل عليها عند...

السعادة ممكنة - «عبد الرحمن على » أمل متجدد وحضور طاغٍ

(سنوات من عمرى مضت أصابني قدرى فيها بمرض طويل تمتعت خلالها بسلام داخلى ورضا ويقين بتجاوز الأزمة، لذلك قضيتها -...

بروح رياضية - شروع فى «دمج»

يشعر بعض المهتمين والمنشغلين بأحوال ومصير الأندية الجماهيرية والشعبية فى مصر ببصيص من  الأمل  فى الآونة الأخيرة، يعد الحديث حول...