شخصيات لها تاريخ «119» مارى أنطوانيت.. نمساوية فجـَّرت الثورة فى فرنسا

كان زواجها من ولى عهد فرنسا الهدف منه وضع حد للحروب الدامية التى دامت قروناً بين آل هابسبرج وآل بوربون رفضت الاستجابة لمطالب الثورة الفرنسية وحرضت زوجها على مقاومة الثوّار حتى أعدم فى يناير 1893 وأعدمت هى نفسها فى أكتوبر من العام نفسه لم تكن تمتلك الثقافة التى تجعل منها ملكة قادرة على إدارة أمور السياسة وكانت مشغولة طوال الوقت بلعب الورق وسباقات الخيول أصبحت ملكة وهى فى سن المراهقة وعاشت فى قصر أهداه لها زوجها وجعلت منه مملكة للمتعة هى وأصدقائها وصديقاتها

من سوء حظ ـ مارى أنطوانيت ـ أنها كانت ورقة استخدمها العرش النمساوى، لتبريد الصراع بينه وبين العرش الفرنسى، فى لحظة كانت فيها العروش الأوربية تتصارع على مناطق السيطرة والنفوذ، فهى التى وقع الاختيار عليها لتكون زوجة لولى العهد الفرنسى، الذى تولى الحكم فيما بعد باسم لويس السادس عشر، ووجدت نفسها فى قصر فرساى محاطة بالكارهات والكارهين لها، لأنها نمساوية ـ أى عدوّة ـ وكانت فى سن صغيرة لا تسمح لها بالمناورة السياسية أو إدارة الصراع بحكمة، وكانت أمها الإمبراطورة تريدها "نمساوية طيبة" أى تعمل لصالح العرش النمساوى، ولم يكن زوجها الملك الشاب قادراً على نسيان العداء التاريخى بين فرنسا والنمسا أو بين آل بوربون وآل هابسبرج، فعاش معها سبع سنوات جافة خالية من التواصل والدفء العاطفى، ولأنه كان ضعيف الشخصية، وهى كانت تحب اللهو والإنفاق ببذخ، تسببت بقراراتها وسلوكها فى تفجير الغضب الشعبى فى المدن الفرنسية، وتحوّل الغضب إلى ثورة أعدمت زوجها الملك، وبعد شهور قليله أعدمتها هى أيضاً بالمقصلة فى ساحة كونكورد بتهمة خيانة فرنسا..

الكاتب النمساوى ـ ستيفان زفايج ـ كتب كتاباً بعنوان "مارى أنطوانيت " ترجمته دار أسامة السورية منذ ثلاث وعشرين سنة، وهو الكتاب العمدة فى هذا الموضوع، وعليه اعتمد كل الصحفيين والباحثين فى دراسة شخصية النمساوية التى أصبحت ملكة على فرنسا وفجّرت الثورة التى قضت على الملكية وحكم آل بوربون، وهم أعداء أهلها آل هابسبورج، ومن هذا الكتاب نقرأ رؤيته الدقيقة للملكة المسكينة:

ـ إن حياة مارى أنطوانيت تدل على أنها ـ ممثلة ثانوية ـ ولولا تدخُّل الثورة فى حياتها لكانت أكملت حياتها مثل ملايين النساء فى جميع الأزمان..

هذه السطور يعنى بها ـ ستيفان زفايج ـ أن مارى أنطوانيت لم تكن عبقرية فى عصرها ولا فريدة فى زمانها، لكن الظرف الثورى فى فرنسا هو الذى جعلها واحدة من أبطال التاريخ الأوربى فى القرن التاسع عشر ويضيف:

ـ تنازع آل بوربون وآل هابسبورج لقرون عديدة، فى ساحات حرب لا حصر لها ـ فى ألمانيا وإيطاليا وهولنداـ وأخيراً أدرك الغريمان أن أطماعهما النهمة لم تعط الثمار المرجوّة، إنما مهدت السبيل أمام أُسَر حاكمة أخرى، وقد انتهى  ـ إمبراطور النمسا وملك فرنسا ـ إلى التساؤل ـ ولكن بعد فوات الأوان ـ أليس من الأفضل نُشدان السلام بدلاً عن تجديد لعبة الحرب، التى لا يربح منها سوى الوصوليون، وعقد ـ شوازول ـ وزير لويس الخامس عشر وـ كونتزـ مستشار الإمبراطورة  النمساوية ـ ماريا تريز ـ حلفاً، ولكى يصبح هذا الحلف دائماً، وليس لفترة استراحة بين حربين، فقد اقترحا توحيد سلالتى ـ آل بوربون  وآل هابسبورج ـ بأواصر الدم، ولم يحدث أن خلا بيت ـ هابسبورج ـ من أميرات جاهزات للزواج، وارتأى الوزيران ضم ـ لويس الخامس عشرـ إلى أميرة من ـ هابسبورج ـ لكن الملك الفرنسى تحوّل إلى محظيّة جديدة هى ـ مدام دوبارى ـ بدلاً عن ـ مدام بومبادورـ ومن جهة أخرى فإن الإمبراطور ـ جوزيف ـ المترمّل للمرة الثانية لم يكن يبدى أية رغبة فى الزواج من بنات لويس الخامس عشر، اللاتى تجاوزن طور الشباب، ولم يبق أمام الوزيرين إلا حل ثالث، هو أن يقترن حفيد لويس الخامس عشر المراهق وريث تاج فرنسا، بإحدى كريمات ـ ماريا تريزـ ولم تكن ـ مارى أنطوانيت فى العام 1766 يزيد عمرها عن الحادية عشرة.

ويضيف مؤلف كتاب: مارى أنطوانيت  موضحاً خطة تزويج مارى أنطوانيت من ولى عهد فرنسا:

ـ ولكن الدبلوماسيين لا يكونون دبلوماسيين من غير تعقيد الأمور السهلة، ومن هذا المنطلق لعبت الدسائس دورها فى البلاط النمساوى والبلاط الفرنسى، وشرعت إمبراطورة النمسا بكل ما تملكه من قدرات فى بذل جهودها من أجل إقناع ملك فرنسا لويس الخامس عشر بتقديم طلب رسمى لطلب يد ابنتها ـ مارى ـ لحفيده رغم أن سفيرها فى فرنسا أخبرها بصفات ولى العهد الفرنسى بقوله:

ـ يبدو أن الطبيعة قد ضنَّت على سيدى الأمير ولى عهد فرنسا بكل المواهب ، فهو صاحب فكر ضيّق محدود..

ولكن لا شىء يحول دون مطامع الإمبراطورة، وهل تحتاج ـ الأرشيدوقة إلى السعادة ؟ ..يكفيها أنها ستكون ملكة فرنسا، وبقدر ما ضاعفت ـ الإمبراطورة ماريا تريز ـ جهودها للحصول على الطلب الصريح من ملك فرنسا لويس الخامس عشر، بقدر ما بذل هو نفسه جهوداً للحصول على صور للأميرة وراح يكلف رجاله بجمع المعلومات عنها.

ويضيف ستيفان زفايج:

ـ وكان لويس الخامس عشر، يصرح بأنه موافق مبدئياً على مشروع الزواج، لكنه لم يتقدم بالطلب الرسمى إلى العرش النمساوى، أما ـ طوانيت ـ وهذا هو اسم "الدلع" الذى يطلق على "مارى انطوانيت" فهى العربون البرىء لهذه القضية الدولية المهمة، فهى طفلة رقيقة، لطيفة حسناء فى ربيعها الثانى عشر، وكانت تلهو وتلعب مع أشقائها، وتمرح بكل ما حَبَتها الطبيعة من حيوية فى ردهات وحدائق قصر شونبرون، ولم تكن تفكر فى الدروس والكتب.

 الأميرة المرحة

ويواصل الكاتب النمساوى ـ ستيفان زفايج، الذى يعتبره الباحثون والمؤرخون الكاتب الذى كتب سيرة مارى أنطوانيت بدقة وموضوعية رصْد سنوات حياتها فى قصور الإمبراطورية النمساوية:

ـ وقد استطاعت ـ مارى ـ بفضل النكت الطريفة التى تطلقها، وبديهتها الحاضرة أن تقنع القسس والمربيات الكلفين بتثقيفها أن يتركوها تفعل ما تريد فعله دون الالتزام بالوقت المخصص للدروس، ولكن فى يوم من الأيام اكتشفت الإمبراطورة الأم ـ ماريا تريز ـ بنفسها، جهل ابنتها، وهى التى كانت مشغولة عنها بهموم الحكم والدولة النمساوية، وارتاعت الإمبراطورة الأم عندما تبين لها أن ابنتها ـ ملكة فرنسا المرتقبة ـ لا تجيد كتابة اللغة الفرنسية أو اللغة الألمانية بصورة سليمة، رغم بلوغها سن الثالثة عشرة، ولا تعرف المعلومات التاريخية السهلة البسيطة، ولا تمتلك قدراً من المعلومات والثقافة العامة، فقررت تعيين ـ نوفير ـ أستاذ الرقص، وتعيين ممثلين جوّالين فرنسيين ليعلموها الألمانية والفرنسية.

ويضيف ستيفان زفايج:

ـ تناولت مارى أنطوانيت ـ التاج ـ بيدها الطائشة الرشيقة وكأنها تتناول هدية، فهى أصغر من أن تدرك أن الحياة لا تعطى دون مقابل، وأن كل ما تعطيه الأقدار إنما مكتوب عليه الثمن بخط خفىّ، ولم يدُر فى خلدها أنها ستضطر إلى تسديد الثمن، فهى تسلّمت حقوق المُلك ولم تؤد الواجبات، وأرادت أن تجمع بين ضدّين لا يجتمعان وهما ـ الحُكم واللهو ـ وتمنّت بعد أن أصبحت ملكة، أن ينفذ الناس كل رغباتها، أى أنها ابتغت سلطة الحكم والحرية فى آنٍ، وأرادت التمتُّع بشبابها، لكن الحرية فى ـ قصر فرساى ـ شحيحة، فليس من الميسور أن يخطو المرء خطوة واحدة بين هذه المرايا الباهرة، دون أن يعلم الناس، فكل حركة بحساب، لا خلوة فى ـ فرساى ـ ولا راحة ولا استرخاء، فالملك هو مركز القصر، يعرف كل شىء ويراقب كل شىء، ومارى أنطوانيت تكره الرقابة، لهذا السبب طلبت عقب تتويجها ملكة، من زوجها الملك لويس السادس عشر أن يمنحها مكاناً منعزلاً تستطيع فيه أن تشعر بالحرية، وأنها ليست خاضعة للرقابة، فوهبها ـ الملك المتساهل المتسامح ـ قصر التريانون الصيفى، وهو مملكة صغيرة تخصها وحدها، وقصر التريانون الذى تلقته مارى أنطوانيت هديةً من زوجها الملك لويس تحوّل إلى موضع لعل ولهو الملكة الشابة، وهذا القصر كان فى زمن الملك لويس الخامس عشر ـ عش غرام ـ يلتقى فيه سيدات الهوى، ووجدت ـ مارى أنطوانيت ـ فى هذا القصر حريتها التى حلمت بها، وجمعت حولها الجوهرى والخياطة وأستاذ الموسيقى وأستاذ الرقص والرسام ومصمم الديكورات والمتخصص فى فنون زراعة وتهذيب الحدائق، وأصبح هؤلاء هم الوزراء فى مملكتها الصغيرة، وكانوا يشغلون وقتها كله، ويتنزفون خزانة الدولة.

 صديقات الملكة

فى تاريخ ـ مارى أنطوانيت ـ حرمان عاطفى واضح، لأن أمها الإمبراطورة كانت بعيدة عنها، وكان زواجها من ـ لويس أغسطس ـ ولى عهد فرنسا الذى أصبح ملك فرنسا ـ لويس السادس عشرـ نهاية وبداية فى آنٍ، كان نهاية ارتباطها بالنمسا وطنها ونهاية عهد طفولتها، وبداية مرحلة جديدة من حياتها، فأصبحت ملكة فرنسا، وكان زوجها يعانى من أزمات صحية جعلته لا يقوم بمهامه الزوجية، وقيل إن هذا مرجعه إلى التاريخ الطويل من العداء بين فرنسا والنمسا، الأمر الذى جعل مشاعر الملك نحو زوجته ليس من بينها شعور الحب، وهذا ما جعل ـ الملكة ـ تبحث عن الحنان ، ووجدت الحل فى صديقاتها، وفى سهرات المقامرة الصاخبة ويفسر ـ ستيفان زفايج حالة الملكة مارى أنطوانيت  ـ تفسيراً نفسياً:

ـ كانت مارى أنطوانيت ملكة على فرنسا فى سن السادسة عشرة، وكانت تعانى الحرمان بسبب انتزاعها من العائلة وزواجها فى سن مبكرة، ولما استقرت فى فرنسا اختارت ـ السيدة  دى لامبال ـ لتكون صديقة لها، وهى سيدة تنتمى إلى طبقة النبلاء ولم تكن لها مطامع مالية أو سلطوية، وكان شعورها نحو الملكة الشابة شعوراً صادقاً، ولكن الصديقة الأخرى التى اختارتها الملكة وقربتها إليها هى ـ جول دى بولينياك ـ  وكانت رأتها للمرة الأولى فى حفل رقص أقيم فى القصر فى العام 1775، وسألت الملكة عنها، وعرفت أنها تأتى إلى القصر، لكن على فترات متباعدة، بسبب ظروفها المالية الصعبة، وعلى الفور قررت ـ الملكة مارى أنطوانيت ـ إلحاقها بالحاشية، وأغدقت عليها امتيازات كثيرة، وهذه السيدة التى استهوت الملكة واتخذتها صديقة وجعلتها مقرّبةً لا تفارقها أبداً، كانت تنتمى إلى أسرة مكبّلة بالديون، ودفعت الملكة للدائنين أموالهم، لتصبح صديقتها حرة، سعيدة، واستاء وزراء المالية الفرنسيون من هذا التصرف، والملكة لم تكتف بسداد الديون، بل دفعت مبلغاً آخر لابنة صديقتها، ومنحت زوج الصديقة المقربة المحظوظة امتياز البريد، وهو امتياز يدر أموالاً طائلة، وباختصار يمكن القول إن ـ أسرة بولينياك ـ كلّفت الدولة الفرنسية الكثير من الأموال.

 نهاية  حزينة

كانت ـ مارى أنطوانيت ـ ملكة صغيرة السن وجميلة، تعيش حياتها بالطريقة التى تحلو لها، وتكره التقاليد الملكية، وكتب ـ جان جاك روسو ـ فى كتابه الذى حمل عنوان: اعتراف، عبارة ونسبها إلى الملكة الصغيرة، واشتهرت هذه العبارة وهى:

ـ إذا لم يكن هناك خبز للفقراء، دعهم يأكلون الكعك..

وهذه العبارة راجت فى كتب المؤرخين ومنهم من أحدث فيها تغييراً:

ـ إذا لم يكن هناك خبز للفقراء، فلماذا لا يأكلون الجاتوه..

وهذه العبارة تحمل وعياً محدوداً بطبيعة الظرف الاقتصادى الذى عاشته فرنسا، وهو ظرف صعب ولكن الملكة لم تكن مشغولة بغير المتعة، ولا يعنيها سوى شراء الملابس الغالية الأثمان، وتنظيم الحفلات الصاخبة، ولعب " القمار" وكانت تخسر مبالغ طائلة، وكان وزراء المملكة الفرنسية يعترضون على سلوكها، وكانت تقوم بعزلهم  وإبعادهم بما لها من قوة وسيطرة على زوجها الملك لويس السادس عشر، وأصبحت ـ مارى أنطوانيت ـ مكروهة من الشعب الفرنسى، وجاء العام 1789 ليكون عام الحزن فى حياة الملكة الشابة، فمات ابنها الأكبر، وتفجّرت ثورة الشعب، واقترحت الملكة ـ النمساوية ـ على زوجها الملك الضعيف المرتبك أن يواجه ثورة الشعب بحشد الجنود حول ـ قصر فرساى ـ وكانت النتيجة سيئة، فالشعب الفرنسى الغاضب، تجمع فى مسيرات غاضبة، وهذه المسيرات فرضت على الملك وعائلته الانتقال إلى قصرتويلرى، ومنذ الانتقال إلى هذا القصر، أصبح الملكان سجينين حقيقة لا مجازاً، وكان بإمكانهما أن يكونا الملكين القادرين على جمع الشعب حولهما وقبول نظام الملكية الدستورية، وهو نظام يجعل الملك حاكماً من خلال حكومته، وليس على طريقة الملوك من آل بوربون الذين حكموا بنظرية ـ الحق الإلهى ـ وهى نظرية تجعل الملك مفوّضاً من السماء، لا من الشعب، ولا يحق للشعب أن يسائله أو يعارض أحكامه، ولأن ـ مارى انطوانيت ولويس السادس عشر ـ عاشا فى ظل عائلتى مُلْك وسيطرة واستبداد، لم يوافقا على تعديل صيغة الحكم والاستجابة لمطالب الشعب، ولم يسمعا نصائح رجال الدولة المعتدلين من أمثال ـ الكونت دى ميرابو ـ بل إن الملكة مارى أنطوانيت تآمرت على الثورة، وسعت للحصول على الدعم العسكرى من ملوك أوربا، خاصة من أخيها ملك النمسا ـ ليوبولد الثانى ـ ورغم وجود الملك لويس السادس عشر، إلا أنها كانت هى صاحبة السلطة الفعلية.

والكاتب النمساوى ـ ستيفان زفايج فى كتابه الفريد: مارى أنطوانيت، قدم لوحة وصف فيها الأسباب التى جعلت نهاية الملكة المرحة، نهاية حزينة:

ـ كان لويس السادس عشر يحب مطالعة التاريخ، ولم يسبق له أن شعر بالإنفعال ـ وهو المراهق الوَجِل ـ مثلما شعر به يوم أن قدم له ـ ديفيد هيوم ـ مؤلف: تاريخ إنجلترا، هذا الكتاب كان يُعدّ من كتب ـ لويس ـ المفضلة، لقد قرأ فيه ببالغ الاهتمام وهو ولى العهد، الفصل الذى يشرح كيف قامت الثورة على الملك شارل، وكيف انتهى به الأمر إلى قطْع عنقه، ففعل هذا المثل فى وريث العرش الجبان ،فعل إنذارٍ شديد، وعندما نشأت حركة مماثلة لتلك الحركة فى بلاده، ظن أنه يحسن عملاً، حفاظاً على نفسه، بأن يعيد قراءة هذا الكتاب ودراسته، ليتعلم فى الوقت المناسب ما يتوجب على الملك تجنُّبه، أراد أن يحل التسليم محل العنف، مؤملاً بذلك النجاة من العاقبة الوخيمة، فكانت هذه الرغبة فى تفهُّم الثورة الفرنسية بمقارنتها بثورة تختلف عنها كل الاختلاف وبالاً عليه، إذ ليس على الملك أن يتخذ القرارات فى الدقائق التاريخية استناداً إلى صِيَغ قديمة، هنا كانت مأساة لويس السادس عشر، أراد أن يدرك ما كان عاجزاً عن إدراكه بتصفُّح التاريخ فى كتاب مدرسى، وأن يتجنّب الثورة، ولكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لمارى أنطوانيت، فهى لم تستطلع الكتب، ولم يكن من عاداتها التبصُّر حتى فى أشد الأوقات خطورة، كانت قوتها تستند إلى غريزتها، وهذه الغريزة قاومت الثورة ـ الفرنسية ـ منذ اللحظة الأولى بلفظة: لا.. تؤكدها تأكيداً مطلقاً، فهى وُلِدت فى قصر ملكى، وربيت فى حضن مبدأ الشرعية، واعتقدت أن حقوقها الملكية صادرة عن الله، واعتبرت أن كل مطالبة تصدر عن الأمة عصياناً لا مبرر له، فمن طلب لنفسه جميع الحريات وجميع الحقوق كان أقل الناس استعداداً للاعتراف بحقوق الغير وحرياتهم، إن مارى أنطوانيت لم تدخل فى أية مناقشة مع نفسها أو غيرها، إنما كانت تقول مثل أخيها:

ـ إن مهنتى هى أن أكون ملكةً..

كان مكانها فى القمة ومكان الشعب فى الحضيض، فتأبى لنفسها الاتضاع، وتوجب على الشعب عدم الارتفاع، فليست ـ الثورة ـ بالنسبة لها سوى لفظة يُقصد بها تجميل فكرة العصيان، وهى كانت تعتبر ـ الشعب الطيب ـ مخلوقاً سليم الطويّة لكنه لا يملك العقل، وكانت تعتقد اعتقاداً راسخاً أن هذا ـ القطيع ـ الشجاع المخدوع سيتحوّل يوماً عن هؤلاء المشاغبين ـ الثوار ـ ويعود إلى حظيرته المحبوبة، إلى العائلة المالكة التى تتوارث العرش.

ثم كانت النهاية الحزينة، نهاية الملكة مارى أنطوانيت، فى ساحة كونكورد فى يوم 16 أكتوبر 1793، قطعت المقصلة رأسها عند الساعة الثانية عشرة والربع بتوقيت باريس، وكان زوجها الملك لويس السادس عشر سبقها إلى ذات المصير بالمقصلة نفسها وفى المكان ذاته ، قبل شهورمن العام نفسه.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

شخصيات لها تاريخ «118» لويس السادس عشر.. ضحيّة زوجته مارى إنطوانيت
شخصيات لها تاريخ
أنطونى إيدن
شخصيات لها تاريخ «106» الشريف حسين.. عدو الدولة العثمانية فى بلاد العر
شخصيات لها تاريخ
يثيي
شخصيات لها تاريخ «95» على طه عفيفى.. شهيد ثورة نوفمبر 1935
شخصيات لها تاريخ

المزيد من ثقافة

إمام.. سيرة أخرى شهادات تنشر لأول مرة «29»

يروى علاقته بالشيخ من كلية الحقوق إلى «بانوراما الميدان» محمود جبر: لا نستطيع أن نقـــــــول «إمــام» مــن دون «نجم» أحمد...

حنان سليمان: سافرت إلى البوسنة بفضـول طفلة ترغب فى الاكتشاف

الخوف من سوء الفهم لم يمنعنى من كتابة «الراعى» حاولت أن أجعل الجغرافيا والتاريخ نبضًا حيًّا يتحرك من خلال البشر...

محاولة لقراءة نصف قرن من «الاتفاق» على صورة «كوكب الشرق»

«سنوات المجهود الحربى» حاول إنصافها وفيلم «الست» جدد الجدل حولها 7 أكتوبر حكم القضاء الإدارى فى دعوى سحب الفيلم والكتاب...

قوة الفرح «من جاور السعيد يسعد»

عالم اليوم أصبح مسخاً والإنسان غير راض رغم كل التقدم الذى حققه علم النفس الإيجابى فرّق بين السعادة والفرح فى...


مقالات

4 مرتكزات متكاملة لصناعة الاستقرار الأسري
  • الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 01:00 م
التعدين.. المنجم مجرد بداية
  • الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 10:00 ص
منصة وسط الغياب
  • الأحد، 27 سبتمبر 2026 07:01 م
سوق العمل واشكالية خريجي الإعلام !
  • الأحد، 27 سبتمبر 2026 10:00 ص