شاعر «لو علقولى المشنقة » يفتح دفاتره من ورشة الأحذية إلى قبة البرلمان

محمود الشاذلى: لولا هزيمة 67 ما كان الشيخ إمام محمد جاد كلمة السر فى تحول الشيخ إمام من الغناء الدينى للسياسى قلع الجبة والقفطان.. لكنه تمسك بالأذان فى جامع الفكهانى لآخر حياته ساندنى فى انتخابات مجلس الشعب وهتف محمولا على الأعناق رفض يغنى لضباط مباحث المخدرات رغم إلحاحهم وقولهم «إحنا بنحبك» نقلت له «اتجمعوا العشاق» بعد أن كتبها زين العابدين فى السجن ولحنها فى ربع ساعة الظروف السياسية من جعلت إمام ونجم «ينطحوا فى بعض»

عرف الشيخ إمام وهو طفل صغير، منذ أن كان يأتي إلى ورشة والده في حوش قدم، يقرأ القرآن ويسترزق منه، حتى مرض الأب وترك الورشة، وانقطعت العلاقات.

وبعد أن كبر الشاعر محمود الشاذلي، ودخل الجامعة، والتحم مع السياسة، تعرف على الشيخ إمام من جديد، كتب له "لو علقولي المشنقة"، وارتبط معه بصداقة خاصة رغم فارق السن.

كان مع الشيخ إمام في السينما، شاهده وهو يبكى وينتحب، بعد أن نسب الجمهور "مصر يا أمه يا بهية" لسيد مكاوى، وكان الشيخ إمام معه وهو يخوض انتخابات مجلس الشعب عن دائرة الدرب الأحمر سنة 1976.

 

في هذه الشهادة، يكشف الشاذلي جوانب أخرى من حياة الشيخ إمام الخاصة والفنية لم تُروَ من قبل.

غنى لك الشيخ إمام أغنية وحيدة، "لو علقولي المشنقة"، متى كتبتها؟

"لو علقولي المشنقة/ أو حتى مليون مشنقة/ حوالين رقبتى حفكها/ واخد حبالها ألفها/ وأصنع قلم يكتب حروف متشوقة/ لساعة خلاص". صدرت في ديوان "رصاص الكلام" سنة 2002، وهذا الديوان بأكمله كُتب في منتصف السبعينات، وقتها، كنا نذهب الندوات ومع كل واحد منا حقيبة، فإما أن يكون حظنا جيدا ونعود إلى البيت، وفي الغالب لا يكون جيدا فنذهب إلى المعتقل، كان صدور ديوان في هذا الوقت من المستحيلات، في ظل قبضة بوليسية على كل شيء، وغنى الشيخ إمام "لو علقولي المشنقة" في السبعينات أيضا، وطبعت في ديوان لأحمد فؤاد نجم نُشر في بيروت، اعتقادا أنها من كلماته.

عرفت الشيخ إمام وأنت طفل في حوش قدم، حدثنا عن تلك الفترة، كيف كانت؟

والدي، رحمه الله، كانت له ورشة لصناعة الأحذية في حوش قدم، مجاورة ولصيقة ببيت الشيخ إمام، وكان يأتي الورشة ويقرأ القرآن، وربطته بوالدي علاقة وطيدة ومحترمة، وبعدها انقطعت الصلة فترة طويلة، لظروف صحية ومريضية أغلق فيها والدي الورشة، ولما كبرت ودخلت الجامعة، وأصبح لي دور نضالي ضمن الشباب، أواخر عهد عبد الناصر وأوائل عهد السادات، سمعت أن الشيخ إمام يغنى لشعراء مثل فؤاد قاعود وأحمد فؤاد نجم، فتعرفت عليه من جديد، وأعدت العلاقة القديمة، وزارنا في البيت، التقى بوالدي، وتعانقا.

وبدأت أذهب إليه في حوش قدم، وتعرفت على محمد علي، والنحات والمثال محمود اللبان، رحمه الله، وكان في الأصل يبيع اللبن، وعلى الشاعر محمد جاد رحمه الله، السبب في تحوّل الشيخ إمام من رجل يؤدى ألحان الشيخ زكريا أحمد، إلى ملحن يهتم بقضايا المجتمع ويعبر عنها.

كيف كان محمد جاد سببًا في هذا التحول؟

جاد، كان شاعرًا وناقدًا وكاتب قصص، وكان سميعًا، وصديقًا لسعد الموجى، الإذاعي والكاتب، وسعد الموجى كان ملتصقًا بالشيخ إمام، فعزَفه على الشاعر محمد جاد، وجاد كان يهتم باكتشاف كل من يعشق مصر من الشباب واحتضانه، استضاف في بيته أمل دنقل، والقاص العظيم يحيى الطاهر عبد الله، والشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودى، جميعهم أقاموا في غرفته بالدقى، وتعرّف على الشيخ إمام وهو يغنى أغاني دينية وعاطفية على العود، من الموشحات العربية القديمة، فعزّفه بالشاعر فؤاد قاعود، ليكتب له، وكتب له الكثير، أشهرها "وهبت عمري للأمل ولا جاش"، كما عزّفه بالشاعر أحمد فؤاد نجم، وبدأ يكتب له أغاني عاطفية مثل "شال الهوا بينا حط الهوا تاني"، و"ساعة العصاري يا ولا"، والنقلة عند نجم بدأت من قصيدة "كلب الست"، التي حولته لكتابة الأغاني النضالية الوطنية، واستمرت التجربة، وأصبح 85% من أغاني الشيخ من كلمات نجم، والـ20% موزعة بين شعراء آخرين، فؤاد قاعود، ونجيب سرور، وزين العابدين فؤاد، ومحمد سيف، ونجيب شهاب الدين، وغنى لفدوى طوقان ومحمود درويش، ولآخرين.

كيف استوعب كل هؤلاء رغم اختلاف أساليبهم الشعرية؟

كان بينهم اتفاق أساسى واحد، حب مصر والتعبير عنها، وإن اختلفت الأساليب من شاعر لآخر، نقطة الالتقاء كانت تلغى الفواصل والاختلافات الكبيرة، وكلهم شعراء مناضلون، نذروا حياتهم لقضية الوطن، حارة حوش قدم زارها كل المخلصين والوطنيين والأدباء والمبدعين في مصر والعالم العربي، ووفود من بلاد أجنبية، وكانت الجلسات تتم في بيت الفنان محمد على بالأسفل، الشيخ إمام كان يسكن غرفة صغيرة منفصلة بالأعلى، تنحنى لتدخلها، غرفة متواضعة، لا تزيد عن مترين في متر، فيها كنبة ينام عليها وبعض أغراضه معلقة بجانبه.

ما سر ارتباط الشيخ إمام بحوش قدم تحديدا؟

لأن معظم أبناء قريته، أبو النمرس، كانوا يعيشون في هذا الحي، الدرب الأحمر، القادرين منهم لهم بيوت يقيمون فيها، والغلابة مثله، يسكنون في غرفة متواضعة، وهو مرتبط بالحارة منذ أن دخلها أول مرة يتعلم القرآن، وفيها التقى بالشيخ درويش الحريرى أول من عرفه سكة الفن، والتقى الشيخ زكريا أحمد، وكان صديقهما.

لماذا ترك الجبة والقفطان ولبس أفندى؟

لأنه توقف عن تلاوة القرآن كمصدر رزق، وبدأ ينتمى للفن، الشيء الوحيد الذي استمر فيه هو رفع الأذان من جامع الفكهانى.

ومن أين استمد فكرة أن يكون مغنى ثائر؟

نكسة 67 خلقت هذه الحالة، نقلت الشعب من إيمان كامل واتكال على الناصرية في إنجاز أحلامهم، إلى صحوة أن أحلامهم تبخرت في 67، صحوة شملت كل الناس، وليس الشيخ إمام فقط، كلنا بالتبعية تحولنا إلى مهتمين بالوطن، وكل واحد منا عبر بطريقته عن ذلك.

أفهم من كلامك أنه لولا هزيمة 67 لما كان الشيخ إمام؟

بالقطع، الشيخ إمام المناضل، كان يمكن أن يظل مقرئًا عاديًا مثل أي مقرئ، وعاشقًا للعود، مثل الشيخ مصطفى عبد الرحمن، رحمه الله، لا أعرف هل تعرفونه أنتم الأجيال الجديدة أم لا؟ لكن احتكاك الشيخ إمام بمن لهم علاقة بالثورة، ومن لهم آراء، ساهم في صناعة تجربته، وجعله ثوريًا أكثر من الثوريين أنفسهم.

وقف معك الشيخ إمام أثناء خوضك انتخابات مجلس الشعب، ما تفاصيل تلك التجربة؟

كان يمثل دائرة الدرب الأحمر في مجلس الأمة، علوى حافظ، رحمه الله، كان أحد الضباط الأحرار، وظل ممثلاً للدائرة ربع قرن، ولم يسقطه إلا مجموعة شباب في الحي، كنت واحدًا منهم، ونجحنا بدلاً منه، محام اسمه عباس المصري.

وبعد أن تولى السادات الحكم وحل المجلس، وأسماه مجلس الشعب، ودعا لانتخابات جديدة سنة 1976، وقال "الديمقراطية" و"قولوا اللي عايزين تقولوه"، انتهزت الفرصة وترشحت، كان لدي برنامجي، ولي علاقة مع مجموعة شباب مناضلين وثوريين من الحي والأحياء المجاورة، وخضنا معركة أمام عباس المصري لأنه لم يعد معبرًا عن أحلام الشباب في تلك الفترة وأهدافهم الثورية، وكان طموحنا أن نؤسس برلمانًا ديمقراطيًا جماهيريًا يدافع عن حقوق الشعب، وقتها، نجم أعلن أنه ضد ترشحي، وكان له تصور أنني طالما قبلت الدخول في المنظومة، فأنا واحد منها، وأنه لا بد أن نتحرر أولاً ثم نمثل الشعب، وهي وجهة نظر نحترمها لكن نختلف معها، لكن الشيخ إمام دعمهم، ولف معي في الانتخابات، وكان يُحمل على الأعناق ويهتف، وأيضًا الفنانة عزة بلبع، نزلت معي على خلاف رأي زوجها أحمد فؤاد نجم، وبقيت معي طوال الانتخابات.

الشيخ إمام صاحب مبدأ واحد، لن تجد لديه ألوان طيف، يحدد ما يريده، ولا يقبل مساومة في ثوريته وانتمائه للوطن، أذكر ذات مرة، ولا أعرف هل هذا يروى أم لا؟ دعينا في باخرة نيلية مع مجموعة من الناس يريدون سماع الشيخ إمام، نهنئ، كان احتفالاً، وكانوا يشوون اللحم، فاكتشف الشيخ إمام واكتشفنا معه أنهم ضباط من مباحث المخدرات، فرفض رفضًا قاطعًا أن يغني، وطلب أن يرسوا على البر وينزلوه فورًا، قالوا له: "يا شيخ، إحنا بنحبك ومالناش دعوة باللي بيعملوه معاك"، فرفض ولم يقبل أي وسط، ألوانه واضحة.

أليس غريبًا بعض الشيء أنه يدعمك في الانتخابات، في النهاية هو يدعم فرد ليس مصر بشكليها العام؟

لا، ليس غريبًا، لأن هذا يتسق مع موقفه الوطني والثوري وحبه البلد ورغبته في التحرر من الاستبداد والديكتاتورية الموجودة، وأنا لما كبرت وأصبحت مثقفًا والتصقت بعالم الثورة، تعرفت على الشيخ إمام، وأصبحت نصيقًا به ليل نهار، وأصبحنا صديقين رغم فارق السن، فكان يعرفني جيدًا، وكان يعرف من هو علوي حافظ، ويعرف أن له 25 سنة في المنطقة ولم يستطع أحد أن يزحزحه من مكانه، وحين وجد الشيخ إمام شابًا ثوريًا يعرفه ويتثق فيه، يرشح نفسه، دعمه.

من خلال احتكاك به، ما الأفكار التي كان ينتمي لها الشيخ إمام سياسيًا؟

حب مصر، وانتماؤه الطبقي، فهو رجل فقير، عاش حياة تكاد تكون معدمة، كان يقرأ في الدكاكين والبيوت بقرش وشلن، فكانت القاعدة الراسخة التي يقف عليها، الدفاع عن الفقراء وتحرير الوطن، بعيدًا عن الأيديولوجيات أو التنظيرات.

كان ينتمي لطابقة فقيرة، جعله يدافع عن الفقراء، لكن أكيد كانت له سلبيات، هل لمست سلبيات في الشيخ إمام ناتجه عن الحرمان؟

لا، لسبب بسيط، أنه كان رجلًا حافظًا للقرآن، مسلكًا به، وتعلم أن يرضى بأي وضع لأن ربنا يريد ذلك، فلم يكن من المتمردين إلا عن حق، وفي المواقف الحق، ولم يكن التمرد لموقف شخصي، بل لانتمائه الفكري والثوري.

أعود بك قليلاً للوراء، يُقال إنك أوصلت إليه قصيدة "اتجمعوا العشاق في سجن القلعة" التي كتبها زين العابدين فؤاد في المعتقل؟

بعد 75، خرجت من سجن طرة، قبل زين العابدين فؤاد وقبل أن يخرج نجم بأيام، وذهبت للشيخ إمام فقال لي: "تعالى ننزل نتمشى"، أخذته وذهبنا عندي في البيت، وأخبرته أن زين العابدين فؤاد كتب أغنية "اتجمعوا العشاق" في السجن، وسمعته إياها، فقال لي: "قولها تاني يا محمود"، قلتها، سكت قليلاً، ثم طلب أن أقولها مرة ثالثة، وجلس على ركبته يدندن، وقال لي: "هات العود"، ولحن الأغنية في ربع ساعة.

كيف ترى ألحانه بعيدًا عن السياسة؟

أنا من المريدين لهذا الموسيقار العظيم، هناك من ينظرون ويقولون إنه ليس صاحب مدرسة، وأنه يحاكي سيد درويش، الذي أفهمه أنه عمل ألحانًا النغمة فيها ملتصقة بالكلام، وكانت ألحانه قريبة جدًا من الناس، حين مات جمال عبد الناصر وخرجت الناس تقول "الوداع يا جمال يا حبيب الملايين"، غنوها من لحن أغنية الشيخ إمام "جيفارا مات"، لأنه قريب من الطلبة ومن الناس والعمال والفلاحين، بعد ذلك أخذها بليغ حمدي، الملحن العظيم، وأعاد تلحينها، وهناك أغاني كانت كاسحة للشيخ إمام مثل "مصر ياما يا بهية" لنجم، والأغاني التي فيها حس السخرية والتهكم، الحس المصري الأصيل، وأنا سافرت لبلاد عربية وكنت أسمعه في التاكسيات، بينما كان هنا ممنوعًا، لم يعرفه الناس العاديين بسبب القيود والأحزمة الصارمة التي وضعت على الفن المضاد، لتكبيل المناضلين وكتم صوتهم كي لا يصل للجماهير، أو كتم أجسادهم بالاعتقال، ألحان الشيخ إمام قريبة من الناس، فيها الطابع المصري والحس التهكمي والنغم الذي يبعث على الشجن.

كتبت له أغنية، هل كان يعدل في الكلام الذي يلحنه؟

كان يمكن أن يقف عند كلمة لا يحبها، ويسأل هل من الممكن أن تُقال كلمة بدلاً منها، وحفظه للقرآن أعطاه قدرة على اللغة، واحتكاكه بالناس في حي الدرب الأحمر البسيط العريق، جعل في لغته قرب من الإنسان المصري البسيط.

عزة بلبع، انتمت للتجربة ثم ابتعدت، لماذا؟ هل دخلت التجربة لتحول الشيخ إمام، لِعوّاد وراءها، كما قالت صافي ناز كاظيم؟

عزة بلبع كانت تردد أغانيه، وكانت تحبها، وكان هذا هدفها منذ أن كانت طالبة وقبل أن تتزوج نجم، وحين ذهبت وأقامت في فرنسا لسنوات كانت تغنى فيها للشيخ إمام، مثلما فعلت محسنة توفيق، الممثلة العظيمة، كانت تقيم حفلات في لبنان لتغنى أغاني الشيخ إمام الممنوع أن تغنيها في مصر، مع أنها ممثلة لا علاقة لها بالطرب، لكنها كانت تعشق الشيخ إمام.

ما الخلاف/ السر الذي حدث وأنهى تجربة الثنائي نجم/إمام؟ نجم أم إمام؟

لا نجم ولا إمام، الظروف السياسية جعلت الإخوة "ينطحوا في بعض" ولم يعودوا يطيقون بعض، حين كانوا يعيشون على القرش والشلن والعشرة صاغ واليوم بيومه، كانوا أقرب لبعضهما، ولما بدأت مرحلة إشعاع النجومية والظهور والمعرفة في البلاد العربية، لما سافروا، وكان الترحيب بالشيخ إمام كبيرًا، حتى إنهم كادوا يحملون سيارته من على الأرض، المسألة اختلفت، ونجم، كما قال هو عن نفسه، فاجومي، طائر مغرد حر لا يحب أي قيود، وهناك زلزال حصل في تلك الفترة أعتقد أنه كان السبب، لكنني لن أدخل في أشياء شخصية، في النهاية الإخوة يختلفون، والشيخ إمام رجل لا أحد يقدر ينكر أهميته، وأحمد فؤاد نجم إنسان عظيم وشاعر كبير، وأنا أحبه وأحترمه، وأول ديوان صدر لي "رصاص الكلام"، أهديته إليه، وكتبت فيه إلى "عاشق مصر الأكبر، الصديق والشاعر أحمد فؤاد نجم، علّمتني يا رفيق الكلمة أن من يعشق الوطن لا يخشى المحن"، والرجل لم يتغيّر موقفه من الألف إلى الياء، لكن الإخوة ممكن يختلفوا مع بعض، وهذا ما حصل.

بعد 16 سنة من وفاة الشيخ إمام، ورغم انحسار الشهرة عنه آخر سنواته، عادت أغانيه في ميدان التحرير في 25 يناير، تفسيرك؟

هذا شعب فنان بطبيعته، يحب ويعشق الغناء، ووجدوا في تراثهم ما يعبر عنهم في تلك اللحظة، ما غناه الشيخ إمام، فبُعث من جديد، كانت أغانيه تعبّر عن أحلامهم وهمومهم، وألحانه قريبة منهم، من السهل ترديدها، وأول أغنية قيلت في ميدان التحرير كانت "يا مصر قومي وشدّي الحيل".

رغم التصاقك بالشيخ إمام لفترة طويلة، لكن الناتج كان أغنية واحدة فقط، لماذا؟

لأني كنت مرتبطًا بالسياسة تنظيمًا ونضالاً واعتقالاً، لم تمضِ سنة إلا وقضيت نصفها داخل السجن ونصفها خارجه، وكانت السياسة عندي لها الدور الأول قبل الشعر، هكذا توهمت مخطئًا، إضافة إلى قيود الوظيفة، ولما تحررت من الأمرين، كان الناتج ما كتبته بعد سن الستين، 8 دواوين شعرية، وهذِه منحة من ربنا، أحمده عليها، ودخلت عالم الأغنية بعد هذا العمر، وغنى لي هاني شاكر "لمسة إيديك"، ووايل جسار "مين فينا المصدوم في مشاعره"، وكتبت لعلي الحجار أغنية من تلحين وليد سعد، وتوزيع عادل عايش، لكنها لم تر النور.

هل كتبت أغاني أخرى للشيخ إمام غير "لو علقولي المشنقة"؟

كانت هناك أغنية لم تكتمل، عملنا عليها عندي في البيت سنة 1971، تقول كلماتها: وقفنا كتير على بابك نناديكي يا ست الدار/ ونهتف باسمك المعبود وندعيكي تكوني نار/ على الخاينين/ وسيف بتار/ وكوني للى قصدينك/ مريدينك/ حنين دافي وخير وافي/ وكوني سلام".

دخلت مع الشيخ إمام فيلم العصفور، وكانت فيه ألمنيته "مصر يا أمه يا بهيه"، ماذا حدث؟

حين نزل الفيلم، قال لي الشيخ إمام: "تعالى نروح نتفرج على العصفور في الافتتاح"، فنزلنا وذهبنا، وبدأ الفيلم، وجاءت الأغنية، والناس الجالسون حولنا يقولون: "الله، ده صوت سيد مكاوي"، "لا يا أخي، ده واحد صوته شبهه"، "لا، أراهن إن ده سيد مكاوي"، وفجأة لقيت الشيخ إمام بجانبي في حالة نحيب وبكاء، أول مرة أراه في هذه الحالة، لم نكمل الفيلم، قلت له: "يلا يا مولانا"، ومشينا، كان يتعرض للظلم في الوطن الذي يغنى له، اشترطوا حذف اسمه واسم نجم من على التترات، حتى لا تعرف الناس من الذي يغنى.

هل كان أكثر ضيقًا لأن اسمه غير موجود، أم لأن الناس لم تعرفه؟

أن الناس لم تعرفه، هو كان يعرف أن اسمه غير موجود، قالوا له، لكن لما دخل الفيلم ورأى ردة فعل الجماهير، هذا الأمر أحزنه جدًا، انزعج من داخله.

ما الأشياء التي كانت تضايق الشيخ إمام؟

النفاق والكذب، الهزار الذي لا معنى له، الهزار الذي بلا سبب ولا هدف، كان يتصدى له، ولو سمع شعرًا لا يعجبه، كان يقول "ده مش حلو"، كان واضحًا وصريحًا ومباشرًا.

■ ما رأيك في الفرق التي تقدم تراث الشيخ إمام الآن، هل تقدم هذا التراث بشكل يليق بتاريخ الشيخ إمام؟

الفرقة التي تنطلق أساسًا من الوطنية، ستستوعب الشيخ إمام وتهضمه وستبدع في تقديمه إبداعًا مضافًا لإبداع الشيخ إمام، أما الفرقة التي تغنى أعماله، تقليدًا للناس، حين أسمعها لا أحس بالروح، الكلام لا يصل.

الشيخ إمام عنده ما لا يقل عن 400 أغنية، فيهم ما لا يقل عن 100 أغنية شامخة، من الممكن أن يُعاد توزيعها لاستبعاد بعض العيوب الموجودة فيها، مثل سوء التسجيل، ولو أخذت أغاني الشيخ إمام فرصتها وسمعها الناس وتعرّفوا عليها، سيحفظونها ويرددونها، وسوف يحدث انقلابًا يعيد لنا من جديد كيف تُركب الكلمة على النغمة لتصل للناس.

 	 أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

موسيقى الشيخ إمام
لابلاي
إمام.. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «24»
إمام.. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «23» أهداه عوده وقال عنه «ريقه ح
امام
إمام.. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «21»
ننن
التشكيلي مصطفى المسلماني

المزيد من ثقافة

فصة مصورة- اضحك.. «الكورة» تطلع حلوة

الجو جهنم الحمرا.. حتى إن الأطفال الذين قطعوا مسافات شاسعة من أجل المباراة المنتظرة، خلعوا الفانلات التى أتوا بها مكوية...

جهاد جمال: «الطمأنينة تليق بكِ» رحلة لفهم الذات

في زمن تتعدد فيه النصائح السريعة حول السعادة، تقدم الروائية جهاد جمال كتابها «الطمأنينة تليق بك» من زاوية مختلفة؛ فلا...

أيمن عثمان: «عنبر رقم 10» أشبع فضولى ككاتب

التاريخ تصنعه الحكايات الفردية.. والكاتب صوت من لا صوت له «مذكرات نشال» فتحت أمامى أبوابًا واسعة للبحث واكتشاف عوالم جديدة

جبرا إبراهيم جبرا.. مبدع حمل القدس العتيقة فى إبداعه

«البحث عن وليد مسعود» تناولت الشتات الفلسطينى بمنظور وطنى وإنسانى عاش فى العراق أغلب حياته.. والقضية الفلسطينية حضرت فى كل...