شهادات تذاع لأول مرة «19» فنان تشكيلى رأى الشيخ بعين الرسام

إمام.. سيرة أخرى عمر الفيومى: إمام كان يصنع فى كل أغنية لوحة محمد على لم يعرف أبجدية الرسم الاحترافية.. لكنه امتلك أبجدية الفن كيف يُعبّر عمّا بداخله ببساطة دخلتُ حوش قدم لأجد الكفيف الذي يشعل المظاهرات ابن نكتة بامتياز يأخذنى البكاء حين أسمع الشيخ إمام وحدى من شدة الصدق حين يتحدث عن الشمس في الزنازين يرسم بالصوت لوحة تشكيلية

حين يلتقي فنانان من عالمين مختلفين، يجد كل منهما في الآخر ما يكمله.

عمر الفيومي، الفنان التشكيلي الذي تتلمذ على يد أساتذة أكاديمية ريبين في سان بطرسبرغ، وصنع من وجوه الفيوم ومقاهي القاهرة وبيوتها القديمة لوحات تنبض بالحياة العادية المصرية، يلتقي الشيخ إمام عيسى، الفنان الموسيقي الذي فقد بصره منذ طفولته، فصنع من الأغنية ضوء، ومن اللحن لون، ومن البحث عن الحرية.. لوحة.

فنان يرى ويرسم، وفنان لا يرى ويلحن ويُغني، تناقض ظاهر، يجعل شهادة عمر الفيومي استثنائية في هذه السيرة، فهو لم يقترب من الشيخ إمام بوصفه مستمعاً عادياً، اقترب منه بعين الرسام التي تفكك العمل إلى لون وضوء وظل وتعبير. وقد رأى في الشيخ إمام شيئاً مدهشاً، رأي أن الكفيف الذي لم ير لوناً في حياته كان يملك "هارمونياً لونيا" داخل ألحانه، يجعل المستمع يحس بالألوان وهي تتغير.

في هذه الشهادة، يأخذنا عمر الفيومي إلى حوش قدم أواخر السبعينات، حيث التقى لأول مرة بالشيخ الكفيف بعيدًا عن المظاهرات والحفلات السياسية، ليكتشف أن خلف تلك الهيبة إنساناً بسيطاً، يؤمن أن الفن الحقيقي لا يحتاج عيناً لترى، بل يحتاج روحاً تحس.

كيف تعرفت على الشيخ إمام؟

كنت أعرف الشيخ إمام قبل أن أقترب منه شخصياً، كنت أسمع عنه حين دخلت كلية الفنون الجميلة في النصف الثاني من السبعينات، وفي أواخر عام ۱۹۷۸ قابلت المرحوم الفنان التشكيلي مصطفى المسلماني في الكلية، وتعرفنا، فأخذني إلى حوش قدم، وعرفني بالشيخ إمام ومحمد على ونجم والدكتور عصمت النمر والمجموعة كلها.

كيف رأيت الشيخ إمام وقتها ؟

قبلها، كنت قد رأيته مرة أو مرتين في حزب التجمع، كان يوقف الحفلات ويُشعل المظاهرات بصوته لكن حين زرت حوش قدم واقتربت منه، اكتشفت إنساناً بسيطاً جداً، جميلاً، خفيف الدم بصورة نادرة كان ابن نكتة بامتياز، ما زلنا نضحك حين نتذكر مواقفه حتى اليوم مرة كان يمشى في الحارة ومعه صاحبه فصادفهما أحد أبناء المنطقة وسأله: إزيك يا شيخ إمام مين اللى معاك ؟" فقال: "ده واحد ساحبنا"، بدلاً من أن يقول "صاحبنا"، كان دائماً ينكت على نفسه، في مرة كانوا يوقدون ناراً في العزبة عند مصطفى المسلماني في قليوب، وكثر الدخان، فقال لهم: "مش معقول، كفاية كده دخانکم عمانی كان شخصاً بسيطاً بحق، يجمع صفات الفنان الحقيقي، غير متعال على الناس، تحس أن الفن خارج من روحه من الداخل، لا من حفظ يردده وكل مرة يغنى فيها يتجدد بحسب حالته النفسية وحال من حوله، كان فناناً تعبيرياً بمعنى الكلمة، ينوع الإلقاء في كل مرة بشكل مختلف فلا تشعر بملل من لحنه أو كلامه أو أسلوبه.

كيف كان الشيخ إمام يرى الصورة وهو كفيف ؟ كيف كان يتخيل الألوان وأغلب أغانيه تزخر بها؟

كان يعبر عن الألوان بالكلمة وباللحن واللحن عنده، كما قلت فيه تنويع هارمونی مختلف يشعرك وكأن هناك لوناً يتغير داخله، هذا الهارموني اللوني في اللحن وفي طريقة الإلقاء يجعلك تحس أن الرجل لا يقول شيء واحدة وينتهي، بل يصنع في كل مرة لوحة جديدة.

من أين استمد تلك الصورة وهو لا يرى بعينيه ؟

من خبرته العميقة جداً في الحياة من المأساة التي عاشها حتى رحيله تقريباً، من السجن، ومن علاقته العميقة بالإنسان وبالوجود كل هذا جعله يحس الحياة التي حوله ويحس الناس الذين يحيطون به وكل ذلك صنع منه ما يمكن تسميته

"مجمع"، يختزن في داخله طبقات متراكمة من الرؤية والشعور

هل هناك أغاني بعينها تمنحك صوراً حين تسمعها ؟

معظم أعماله تفعل ذلك، حين يتحدث عن الشمس في الزنازين يجعلك تحس بأنه يرسم لوحات تشكيلية بالصوت، وطريقة إلقائه تحول العمل من مجرد صوت ولحن إلى صورة مثلاً أغنية "سايس حصانك"، طريقة إلقائها والدلع الموجود فيها، يجعلانك تتخيل مشهداً حياً، كرجل يغازل امرأة وتلقى بيده بعيدا، تشعر وكأنك أمام لوحة يرسمها الشيخ إمام ليس بصوته فقط، لكن أيضا بطريقة إلقائه.

هل لوجود محمد على الرسام إلى جانب الشيخ إمام دلالة ما؟ رجل يلازمه وهو ليس متقنا للإيقاع بالمعنى الاحترافي، لكنه فنان فطری؟

محمد على كان يعزف الإيقاع، لن أقول إنه كان عظيماً فيه، لكنه كان يمتلك حساً فنياً فطرياً حقيقياً، وأعتقد أن هذا الحس كان يؤثر فيه وهو يُردّد خلف الشيخ إمام ويعزف على الرق، حبه للفن عموماً هو الذي دفعه إلى ذلك، فضلاً عن إحساسه بأن ما يصنعانه معاً شيء جليل، ولم يكن محمد على وحده، كان موجود أيضاً المرحوم محمود اللبان، فنان فطرى يعمل في النحت بالجبس، وكان حاضراً دائماً في جلساتهم، وكان هناك المرحوم مصطفى المسلماني خريج الأكاديمية الفنية في روسيا ومن أكثر الملازمين للشيخ إمام استضافه في بيته بقليوب وقت فترة الهروب من حكم كان صادرا بحق نجم وإمام، وقابلتهم هناك عدة مرات، كان مصطفى الله يرحمه، فناناً جميلاً، سابقاً عصره، علاقة الشيخ إمام ومحمد على ونجم بمن حولهم هي التي صنعت تلك الحالة من الشعور الفنى العام.

لو طلبت منك نقداً لأعمال محمد على الفنية.. ماذا تقول ؟

لن أقدم نقداً، لأني أحب شغل محمد على حباً حقيقياً، وكان صديقاً لفترة طويلة جداً حتى مات، أحب أعماله لأنه إنسان يحب الشيء ويُعبر عنه دون أن يمتلك أبجدية الرسم الاحترافية، لكنه يمتلك أبجدية الفن يعرف كيف يعبر عما بداخله بالبساطة باللون بالفكرة ذاتها.

هل فيه اتساق بين ألحان الشيخ إمام ولوحات محمد على ؟

في أشياء كثيرة نعم، الشيخ إمام كان يصنع شيئاً للشعب المصري، ألحانه مصرية أصيلة من صميم هذا الشعب لأنه عاش من وسطه ومعه. ومحمد على بدوره كان يصنع أعمالاً شعبية قريبة من الناس يحبها أي أحد يراها.

هل لديك شهادات خاصة عن مواقف من حياة الشيخ إمام؟

بالنسبة لى، حضرت جلسات كثيرة له عند الدكتور عصمت في بيته بالعباسية وفي حوش قدم، لكنى لم أكن أبحث عن موقف بعينه، كنث أحب أن أتابع الرجل وأتأمل أسلوبه ليس فقط في الغناء والموسيقى بل في الحياة عموماً. كيف يمسك الكوباية ليشرب فيدق عليها بخاتمه ومن رنين الزجاج الفارغ والممتلئ يعرف أين وصل مستوى الماء أو الشاي، كنت أستمتع جداً وأنا أراه يعيش حياته بهذه البساطة البالغة وهو يتحرك ويتعامل مع الناس، كان شيئاً جميلاً في حد ذاته، أما إحساسه في الغناء، فكان يجعلنى أبكى أحياناً، ولا أزال حتى اليوم، حين أجلس وحدى وأسمعه، يأخذني البكاء أحياناً، من شدة الصدق العالي الذي بداخله كمطرب وملحن عظيم.

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

إمام.. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «18»
شهادات تذاع لأول مرة «17» مؤسس المولوية المصرية الذى رحل فى 2025
الفرقة الماسية
شهادات تذاع لأول مرة «15» جلسة نفسية لتحليل الشيخ وأيامه من شاهد على ا
إمام.. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «14»
كتابي "الشيخ إمام في عصر الثورة والغضب
ييببب
شعبان عيسى: الشيخ إمام مظلوم إعلاميًا رغم تأثيره

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - زقُ عجَلَك

للباترينة عجلتان خلفيتان فقط، أما الباقي، فعلى صاحبيها

حكايات العقاد مع سعد زغلول وجمال عبدالناصر ونجيب محفوظ

ألف حوالى مائة كتاب أهمها «العبقريات» الشيخ محمد عبده تنبأ له منذ صباه الباكر بأنه سيكون كاتبًا خاض أعنف المعارك...

أسامة عبد الرؤوف الشاذلى: استلهم التاريخ فى رواياتى لكنى لست منفصلا عن الواقع

«نبي أرض الشمال» رواية فلسفية تربط الماضى بالحاضر الكتاب الصوتى أحد مصادر الثقافة المهمة حاليا بسبب إيقاع العصر لا أحب...

شخصيات لها تاريخ «107» لورنس العرب.. جاسوس بريطانى فى الجزيرة العربية

كان والده من أغنياء أيرلندا وأمه كانت مربية أطفال.. وولادته خارج إطار الزواج جعلته منبوذًا من المجتمع درس تاريخ العصور...