محمد فرج: أى مؤتمر سياسى لم يحضره الشيخ إمام كان فاشلًا إمام يسارى بالفطرة دون أيديولوجية بدأ مع الحركة الطلابية لكنه لم يتحول إلى ظاهرة إلا بعد «عام الضباب» لم يتقاضَ أجرًا على حفلاته بالتجمع.. وكنا نعتبره متطوعًا حزب التجمع اعتبر إمام ونجم ويوسف شاهين أعضاء شرفيين إمام ابن نكتة.. كان يلتف حوله الحواريون للاستماع إلى قفشات كنا نتعامل مع أغانيه بشكل سرّى ونهربها كأنها مخدرات
خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى، احتضن "التجمع" الشيخ إمام وقت أن كانت الأبواب موصدة أمامه، رعى الحزب معظم حفلاته، قدمه لخشبة المسرح، جعله الراوى فى "العقد" والمغنى والملحن في "الإضراب".
في هذا السياق، تأتى شهادة المهندس محمد فرج، الأمين العام المساعد لـ "التجمع"، وتكون مهمة لسببين، الأول أنه كان أحد الفاعلين فى الحركة الطلابية بداية السبعينيات، وهي الحركة التي ولدت معها ظاهرة إمام / نجم، والسبب الثانى أنه كان مسئولا عن تنظيم حفلات الشيخ إمام فى الحزب خلال فترة الثمانينيات.
في هذه الشهادة يروي فرج كيف خرج صوت إمام من رحم "عام الضباب"، وكيف تحوّلت أغانيه إلى منشور سياسي سرى، يتناقله الشباب عبر أشرطة الكاسيت من جامعة إلى مصنع، وكأنها "مخدرات"، كما يلقى الحوار الضوء على إمام الممثل المسرحى، وإمام ابن النكتة الذي ينتظر حواريوه قفشاته، وفى نهاية الشهادة يدعو فرج إلى إعادة قراءة إمام كظاهرة فنية بالدرجة الأولى، ظاهرة تستحق من النقاد عناية بالبعد الموسيقى بقدر عنايتهم بالبعد السياسي.
تعرفت على الشيخ إمام خلال الحركة الطلابية، فكيف كانت بدايته مع الحركة ؟
الحركة الطلابية بدأت عام ١٩٦٨، لكن الشيخ إمام بدأ يصبح ظاهرة داخلها بعد ۱۹۷۲، "عام الضباب"، فبعد أن مات عبد الناصر وجاء السادات، ظل يتحدث طوال ۱۹۷۱ عن "عام الحسم". وانتهى العام دون حسم، وجاءت خطبته الشهيرة التي تحدث فيها عن "عام الضباب"، أي أن هناك ضبابًا في العلاقات الدولية بسبب الحرب التي نشبت بین باکستان والهند، وأن مصر لن تستطيع خوض الحرب هذا العام لانشغال العالم عنا، اندلعت الحركة الطلابية في وقت واحد تقريبا في معظم جامعات مصر، وعلى رأسهم "القاهرة" و"عين شمس"، وكنت في إحدى جامعات الأقاليم، وكان لديها مطلبان تحرير الأرض من الاحتلال والديمقراطية. صحيح أن الشيخ إمام كان مواكبا للحركة من بدايتها مع أحمد فؤاد نجم وعدد من الشعراء لكنه في ١٩٧٢ أصبح ظاهرة سياسية فنية بامتياز، عبرت عن مشاعر الحركة الطلابية والوطنية.
كيف رأيت تجربته بشكل عام؟
الشيخ إمام ظاهرة سياسية وطنية وفنية معا، ولو كانت الظروف تسمح، لكان الشيخ إمام ظاهرة ملحمية، فهو فنان قبل أن يسهم في الحركة الطلابية، حين ظهر كان الغناء المشهور فرديا عبد الحليم وأم كلثوم، فجاء ليقدم غناء جديدا، غناء جماعيا صحيحكان يغنى بمفرده، لكن ما إن يغنى الأغنية في المؤتمر حتى يستطيع أن يغنيها الجميع، غنى الشعراء لم يأخذوا حظهم من الشهرة، غنى الفؤاد قاعود "العزيق"، "وهبت عمري للأمل ولا جاش"، وغنى للشاعر زين العابدين فؤاد اتجمعوا العشاق في سجن القلعة"، و"الفلاحين بيغيروا الكنان بالكاكي"، وغنى لمحمود الطويل بنادى على كل واحد في مصر"، ومن الأغاني الشهيرة التي أعيد غناؤها في ٢٥ يناير "يا مصر قومى وشدى الحيل كل اللى تتمنيه عندي " للشاعر نجيب شهاب الدين وكانت أغنية شعبية تغنى في السجن، غير الطلبة الثوريون فيها "أمان أمان بيرم أفندي" إلى "جبان جبان اللى سجني"، وغيروا ندهه من الأزهر وأدان" إلى "نده من الجامعة وحلوان"، والشيخ إمام متنوع في ألحانه وفقا للكلمات؛ فإذا كانت حادة، تخرج كالحجر المستن لتحرض الجماهير على الثورة، وإذا كان فيها رقة وعمق فکری و سیاسی فتجد فيها الطرب وإحياء التراث سید درویش وزكريا أحمد، وقد أبدع في السينما، في "العصفور"، أصبحت أغنيته "مصر ياما يا بهية" اللحن الأساسي للفيلم، وأبدع في المسرح، فقد لحن ومثل في "العقد" التي أخرجها الفنان عبد العزيز مخيون وكتب أشعارها وأغانيها عدد من الشعراء، منهم أحمد فؤاد نجم ومحمود جمعة، ومثل فيها الشيخ إمام دور الراوي، وغنى في آخرها أغنية "الجبهة" والتي دعا فيها الجميع بأن يتحدوا، كما شارك في مسرحية "الإضراب"، وهذه المسرحيات ليس لها مؤلف واحد؛ فمسرحية "العقد" على ما أذكر ألفها أربعة أو خمسة أشخاص، عملوا فيها ما يشبه الورشة.
من صاحب الفكرة ؟
فريدة النقاش، وهي مسرحيات تجريبية، فيها من الأوبريت، ومن مسرح الشارع، ومن المسرح الفقير والممثلون يخرجون ويدخلون من بيننا.
كنت منظما لعروض المسرحيتين؟
كنت أحد أفراد فريق العمل، مع آخرين من بينهم الأستاذ محمد سعيد، وكانت أقرب لمؤتمر سياسي سواء في حزب التجمع أو نقابة الصحفيين أو مناطق عامة مثل حلوان، مؤتمر يحضره خالد محيى الدين وعدد من قيادات القوى الوطنية، ثم يغنى الشيخ إمام ونجم أغانيهم المشهورة.
لماذا حزب التجمع هو من احتضن الشيخ إمام مع أنه لم يكن يساريا؟
الشيخ إمام يعتبر يساريا، لم نتناقش معه في أيديولوجيته، لكنه بالفطرة يساري، ونجم أيضًا، صحيح أنه بدأ بأغان نقدية مثل "كلب الست" لكنه تحول بعد ذلك، واليسارية هنا ليس معناها أن تكون ماركسيا أو ناصريا تحديدا، لكن أن تدفع المجتمع والنظام إلى العدل الاجتماعي، أن تميل لقضايا الشعب، وهذه القضايا كانت موجودة طول الوقت في أغانيهما عن الفلاحين مثل "بقرة حاحا النطاحة"، لا نستطيع أن نقول إن إمام كان منظرًا في اليسار؛ لكنه كان يعبر عنه من خلال الكلمة واللحن عن نفس الأفكار، كان امتدادا لسيد درويش وزكريا أحمد، امتدادا للحركة الوطنية المصرية، وحزب التجمع ليس حزبا شيوعيا ولا ناصريا، لكنه تجمع لقوى وطنية، وكان ملائما الحفلات ومؤتمرات الشيخ إمام في وقت لم تكن قد نشأت فيه الأحزاب الكثيرة بعد.
ألم يحصل الشيخ إمام على عضوية ؟
كنا نعتبر الشيخ إمام عضوا ونعتبر نجم عضوا، نحن كتجمع لا تسعى إلى استغلال الفن سياسيا، وإن حدث ذلك فهو خطا، فالفن فن، وشعارنا الفن للحياة والمجتمع"، والفنان لا بد أن يكون مستقلا، لأن معنى أن يكون عضوا في الحزب أن يحضر اجتماعاته، وكان يوسف شاهين وصلاح أبو سيف كانا عضوين، ولما كنا ندعوهما للاجتماعات لا يأتيان الكتاب عقولهم أقرب للعمل السياسي المنظم، أما الممثل أو المغني أو المخرج فقليل منهم من يطيق العمل الحزبي، تعتبر إمام ونجم أعضاء شرفيين كان لدينا مكتب اسمه مكتب الأدباء والفنانين"، وفيه الشيخ إمام وفتحيه العسال وفريدة النقاش وغيرهم، لكننا لم نحاول في أي وقت أن نستغل الشيخ إمام لأن هناك تياران دائما في الحركة السياسية واليسارية وعلاقتها بالفن تيار انتهازي يستغل الفن ليكون جلية الجذب المواطنين دون دور اساسی، وتيار آخر حزب التجمع منه - يرى أن الفن ليس سياسة فقط ولا أكلا فقط. الفن للفن، والتفاعل بين الجانبين مفيدا للسياسة والفن، دون أن يكون الفن مجرد وردة في عروة العمل
السياسي.
هل كانت لديه طقوس دينية يؤكد بها هویته کشيخ في الحفلات؟
الشيخ إمام ابن نكتة جلساته قبل الحفلات وفي الحفلات تؤكد ذلك. أذكر مثلا، أنه كان هناك ناموس يقرصنا، فقال ناموس ناموس وتحيا مصر"، وأثناء انتظاره لفقرته بعد الحفل السياسي؛ كنت تراه في ركن وحوله مجموعة من الحواريين يجرجرونه کي يقول نكتة أو قفشة ونجم كذلك، والجانب الديني عند إمام كان موجودًا في ألحانه وأغانيه.
نظمت آخر حفلة للشيخ إمام في نقابة الصحفيين، ماذا تذكر عن تفاصيلها ؟
لا أذكر السنة بالضبط، لكن أذكر أنها كانت قبل وفاته، ربما في النصف الثاني من الثمانينيات، وكانت نقابة الصحفيين مهتمة جدا بذهابه، وكان معروفا أن أي مؤتمر سياسي لا يحضره الشيخ إمام فسيكون شبه فاشل، وفي حزب التجمع كنا نفهم هذه النقطة. فلم يكن هناك مؤتمر سياسي لنا إلا وفيه فقرة فنية للشيخ إمام، وبعض المؤتمرات كان يعتذر لمرض أو لسبب ما، وكنا لا تجرؤ على أن يتسرب هذا الخير أثناء المؤتمر، لأنه لو تسرب فريع الحضور أو نصفه لن يأتوا.
هل كان يتقاضى أجرا على هذه الحفلات ؟
لا الشيخ إمام لم يكن يعمل في الفن مقابل أجر كنا نعتبره من المتطوعين، لأنه كان جزءا من العمل السياسي، سواء عندنا في التجمع أو أثناء الحركة الطلابية أو أثناء ذهابه ونجم للأقاليم، لم تكن هناك اتفاقات.
وكانه في زيارة لأصحابه، يأكل معهم ويبيت معهم، دون أن يكون في جيبه بالضرورة فلوس.
وكيف كانت حفلاته وقت الحركة الطلابية ؟
وقت الحركة الطلابية كنا نتعامل مع أغانيه بشكل سري، مثل المخدرات كانت الحفلة تحدث وتتحول فورا إلى شريط كاسيت، لأنها لم تكن تذاع في الراديو ولا التليفزيون، فاخترع الشعب المصرى وسيلته الخاصة: الكاسيت الصغير وحين أقول لأحد جايبلك هدية " ، كانت الهدية شريطا للشيخ إمام، وكنا في الأرياف والقرى بدلا من أن نجلس ونتحدث مع الناس العاديين في السياسة، نقيم سهرة ونضع الشريط في الكاسيت. فيسألون مين ده؟" فنقول "ده راجل مغن ثوري"، بالتالي انتشر رغم الحصار، ورغم الاعتقالات الكثيرة.
أتريد إضافة أي شيء آخر عن الشيخ إمام بشكل عام؟
أريد أن أقول النقاد ومتابعي ومحبى الشيخ إمام: ألا يظلموه باعتباره مجرد ظاهرة سياسية وطنية، هو ظاهرة فنية يجب التعقق فيها، يجب على النقاد أن يدرسوها ويتعاملوا معها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تدرج فى الصعود السياسى من رئيس تحرير صحيفة جامعة هارفارد حتى بلغ منصب حاكم نيويورك ورئيس الجمهورية لأربع فترات رئاسية...
جائزة الدولة المصرية أرقى وأهم الجوائز على الإطلاق الناقد فى عالمنا العربى مظلوم.. وانسحابه أفسح المجال للمجاملات والشللية
تعرض للتنمر فى طفولته بسبب اسمه ونحافته.. وظل مخلصًا لمبادئه حتى النهاية أسرته أعلنت عن إطلاق جائزة للرواية تحمل اسمه...
جار النبى الحلو، اسم له خصوصية شديدة، فهو ليس مجرد روائى كبير، لكنه يمثل كثيرا من المعانى والدلالات، التى تستشفها...