عبد الكريم الحجراوى: «التشجيعية» حلم يراودنى منذ سنوات

جائزة الدولة المصرية أرقى وأهم الجوائز على الإطلاق الناقد فى عالمنا العربى مظلوم.. وانسحابه أفسح المجال للمجاملات والشللية

فاز الكاتب والروائى والأكاديمى الدكتور عبد الكريم الحجراوى بجائزة الدولة التشجيعية فى الأداب فرع الرواية عن روايته "سيرة هشة ليوم عادي"، وعبر عن سعادته الغامرة لحصوله على الجائزة التى تمنحها مصر لمبدعيها.

مؤكدا أنه كان حريصا على أن يفوز بها في مجال الإبداع وليس النقد، وتعد الرواية الفائزة هي العمل الأول له، واستغرقت كتابتها 5 سنوات، تحدثنا معه عن الجائزة والرواية الفائزة، وأعماله، ورؤيته للمشهد الثقافي في مصر، وعمله القادم في هذا الحوار.

ما شعورك بعد الفوز بجائزة الدولة التشجيعية في هذه المرحلة؟

سعادة غامرة بالتأكيد؛ لأنها جائزة من الدولة المصرية، تمنحها مصر المبدعيها

وهي في تقديري أرقى وأهم الجوائز على الإطلاق. اعتراف من الدولة بأن المنجز الذي حققته يستحق التقدير والإشادة وهذا يحمل معنى خاصا وكبيرا، لا سيما أنها جائزة في الآداب من مصر التي صنعت الثقافة العربية الحديثة وأسهمت في تشكيل وجدانها، أي تكريم يأتي من الوطن لا يعادله أي تكريم آخر... الفوز بجائزة الدولة التشجيعية كان حلما يراودنى منذ سنوات بعيدة، كلما رأيت فائزا بها غبطته، وتمنيت أن أنالها يوما. وحتى قبل أيام قليلة، كنت أنظر إلى الحاصلين عليها بالإعجاب، متمنيا أن أحظى بهذه الجائزة التي تمنحها بلادي لمبدعيها، وكنت حريصًا على أن يكون الفوز بها في مجال الإبداع لا النقد، رغم أنني نشرت أكثر من ثمانية كتب نقدية من بينها رسالتا الماجستير والدكتوراة. وعندما تقدمت بالرواية الفائزة، وهي أول رواية منشورة لي اصطحبت معى الصديق العزيز والروائي على قطب الفائز بجائزة الدولة التشجيعية، من باب التفاؤل. والحمد لله، كان يوم فوزى واحدًا من أسعد أيام حياتي، إذ من الله علي بالفوز بهذه الجائزة التي طالما حلمت بها.

هل الجوائز مهمة للمبدع؟ وهل تعتبر الجائزة شهادة على جودة العمل ؟

نعم الجوائز مهمة للمبدع على عدة مستويات. فقد أصبحت، شئنا أم أبينا واحدة من أهم العوامل التي تمنح المبدع مشروعية في الوسط الثقافي. وكثيرا ما ينظر الناس إلى الحاصل على جائزة باعتباره أديبًا كبيرًا إلى أن يثبت العكس بينما ينظر إلى من لم يحصل على الجوائز باعتباره أقل مكانة إلى أن يثبت العكس أيضا، كما أن الجوائز تجعل المبدع أكثر مقروئية، وتلفت انتباه القراء إلى أعماله وأصبحت إلى حد كبير، تؤدى دورا كان يقوم به النقد من قبل، وهو لفت الأنظار إلى الأعمال الجديرة بالقراءة وفتح باب النقاش حولها. ومع ذلك، الجوائز ليست المعيار الوحيد للحكم على جودة العمل الأدبي، فالتاريخ الأدبى مليء بأعمال عظيمة لم تنل جوائز، وبأعمال حصدت جوائز ثم تراجع حضورها مع الزمن، لكن الجوائز تظل واحدة من المعايير المهمة شريطة أن تتمتع الجائزة واللجنة المانحة لها بالمصداقية، وأن تحظيا بثقة القراء والوسط الثقافي.

هل الجوائز تؤثر على المشهد الثقافي ؟

لها تأثير كبير في المشهد الثقافي، فهناك كثير من الكتاب أصبح شغلهم الشاغل الفوز بالجوائز بل والكتابة وفق النسق الذي يعتقدون أنه يقربهم منها، سواء الأسباب مادية أو معنوية، خاصة في ظل بعض الجوائز العربية التي تمنح مبالغ مالية معتبرة، وهو ما جعلها تؤثر بدرجات متفاوتة، في خيارات عدد من المبدعين ومساراتهم الكتابية. لكنني، في المقابل أفضل أن يكتب المبدع نفسه، وأن يخلص لتجربته وعالمه ورؤيته، لا أن يكتب من أجل جائزة أو استجابة لتوقعات لجنة تحكيم أو مؤسسة ثقافية على حساب قناعته الفنية. فالجوائز مهما بلغت قيمتها، تظل لحظة، أما الإبداع الحقيقي فهو الذي يبقى ويصمد أمام الزمن. قد تذهب الجائزة، لكن العمل الأدبي الجيد يظل حاضرًا في ذاكرة القراء.

حدثنا عن رواية "سيرة هشة ليوم عادي"؟

رواية تجريبية بامتياز، وكانت مغامرة حقيقية في الشكل والمضمون. هذا النوع من التجريب قد يخيف بعض الكتاب خاصة في بداياتهم الأدبية، لكنني آمنت منذ البداية بأن على الكاتب أن يكتب العمل الذي يؤمن به، لا العمل الذي يظن أنه الأسهل أو الأكثر رواجا. لذلك كتبت الرواية بشجاعة، وكنت على يقين بأنها ستجد قارئها مهما بدت صعبة أو مختلفة. واستغرقت كتابة الرواية أكثر من ٥ سنوات شهدت خلالها عمليات متكررة من البناء والهدم وإعادة الصياغة، حتى وصلت إلى صورتها النهائية. وتدور أحداثها في قرية من صعيد مصر خلال يوم واحد فقط، لكنها مقسمة إلى ثلاثة أجزاء، يمثل كل جزء ٨ ساعات من اليوم وأتحت للقارئ حرية أن يبدأ القراءة من أي جزء يشاء، دون أن يؤثر ذلك في تماسك البناء أو فهم الأحداث. ووجدت الرواية صدى نقديا طيبا، ثم جاء فوزها بالتشجيعية ليؤكد أن العمل الجاد، مهما بدا مختلفا أو مغامرا، يجد في النهاية التقدير الذي يستحقه.

كيف اخترت عنوان الرواية وما دلالته ؟

تعمدت اختیار عنوان مخادع بل ومقدمات مخادعة للرواية أيضًا. أسميتها سيرة هشة ليوم عادي»، بينما هي سيرة فنية شديدة الإحكام ليوم استثنائي بكل المقاييس. وأردت من العنوان أن يخلق مسافة بين توقعات القارئ وما سيجده داخل النص. وفي العتبات الأولى للرواية قلت إنها رواية مملة، وإنني بذلت قصاري جهدى لتكون كذلك، وقلت أيضا إننى کسرت مسدس تشيكوف، وإن العمل خال من الحبكة. بالطبع لم تكن هذه التصريحات سوى جزء من اللعبة الفنية التي تقترحها الرواية على قارئها. فمن يصدقها حرفيا ربما لن يقرأ الرواية، وهذا في الحقيقة ليس القارئ الذي أبحث عنه. كنت أبحث عن قارئ جريء ومغامر، يشبه الرواية نفسها، مستعد لخوض تجربة مختلفة دون أحكام مسبقة، وعندما يقطع الرحلة إلى نهايتها سيكتشف أن ما بدا عاديا لم يكن عاديا، وأن ما بدا هشا كان شديد الإحكام، وسيدرك الأبعاد الأسطورية والعجائبية، والبناء الفني الذي تقوم عليه الرواية.

ما الذي جذبك لكتابة سيرة شخصية داخل إطار روائي؟

سيرة هشة ليوم عادي، ليست سيرة شخصية بالمعنى التقليدي، هي سيرة ليوم كامل، وسيرة لمجتمع بأكمله. تضم أكثر من ٢٥٠ شخصية، إلى جانب الحيوانات والأشجار والمكان نفسه، وكأن الجميع يشارك في صناعة الحكاية، وكان التحدى الحقيقي هو كيف يمكن النص أن يستوعب هذا العدد الكبير من الكائنات في يوم واحد، وأن يمنح كل شخصية لغتها الخاصة، ورؤيتها للعالم، وحضورها الذي يميزها عن غيرها، أردت بشكل ما، أن أقول إن الزمان لا يصنع الأشخاص، لكن الأشخاص هم الذين يصنعون الزمان، وأن اليوم لا يكتسب معناه إلا بمن يعيشونه. وأردت أن أقدم الجنوب بعيدا عن الصورة النمطية التي كرستها الدراما، وأن أظهره كما يراه أبناؤه: عالما أسطوريا وعجائبيا. له وعيه الخاص ومنطقه الداخلي، عالما يمتلئ بالماسى والأفراح، وبالحكايات التي تبدو عادية، لكنها تخفى عمقا إنسانيا كبيرا، وأتمنى أن يشعر القارئ، بعد أن يخرج من الرواية، بأنه عاش في هذا العالم، وعرف ناسه وتفاصيل حياتهم.

لماذا اخترت الاحتفاء بتفاصيل الحياة اليومية في الرواية؟

لأن التفاصيل الصغيرة التي يغفلها المؤرخون وعلماء الاجتماع هي التي تصنع الحياة في النهاية، وهي التي صنعت روايتي أيضا تلك التفاصيل تجعلنا نحب ونكره، ونقترب ونبتعد، وتغير مصائر البشر أكثر مما تفعل الأحداث الكبرى أحيانا، أصعب ما في كتابة الرواية الواقعية هو تحويل اليومي والمألوف إلى عمل فني قادر على الإدهاش. فهذا يحتاج إلى جهد كبير حتى تصبح الشخصية ذات عمق إنساني، وفي الوقت نفسه نموذجا يمكن للقارئ أن يتعرف إليه، فيقول: نعم. أعرف هذه الشخصية، إنها تشبه فلانا أو فلانة. ثم يأتي البعد الرمزي الذي يمنحالشخصية حياة أخرى تتجاوز حدود الواقع، وأرجو أنني قد وفقت في تحقيق هذا التوازن.

ما الذي يميز كتابة القصة القصيرة عن الرواية في تجربتك ؟

في مجموعاتي القصصية أميل إلى بناء العمل حول تيمة واحدة، فعلى سبيل المثال، تعالج مجموعتى كان لك معايا» فكرة الموت من زوايا متعددة. وقد كتبت تحت وطأة تجربة شخصية قاسية، بعد وفاة أخي المفاجئة عام ٢٠١٢ وهو في ريعان شبابه، لكننى نشرتها عام ٢٠٢٠. القصة القصيرة أقرب إلى الشعر من أي فن سردى آخر فهى تقوم على التكثيف والاقتصاد اللغوى والبناء المحكم بينما تحتاج الرواية إلى نفس طويل وتخطيط مسبق، وقدرة على إدارة عالم كامل وشخصيات متعددة عبر مساحة زمنية أوسع.

كتبت أول رواية وأنا في الثالثة والعشرين من عمری بعنوان «ما قبل الرحيل، ولقيت حفاوة من روائيين كبار شجعونى على نشرها، لكنني ترددت وما زالت حبيسة الأدراج حتى اليوم. تم كتبت رواية «هند» ولم أنشرها أيضا. لأنني كنت أشعر أنني لم أصل بعد إلى المستوى الذي أطمح إليه، لذلك أثرت أن تكون سيرة هشة ليوم عادي روايتي الأولى المنشورة، لأنها الأقرب إلى التصور الفني الذي كنت أسعى إلى تحقيقه.

كيف ترى العلاقة بين المسرحوالرواية في تجربتك الإبداعية؟

المسرح مجال عملي الأكاديمي، صدر لى فيه أكثر من ٨ كتب نقدية، وعشرات الدراسات والمقالات التي تناولت الحركة المسرحية والعروض التي تقدم في مصر والعالم العربي، أما الرواية، والإبداع الأدبي عموما، فهو شغفي الحقيقي والمجال الذي أتمنى أن أحفر فيه اسما مختلفا في تاريخ الثقافة المصرية والعربية.

كيف تنظر إلى واقع النقد الثقافي اليوم؟

الواقع الثقافي في مصر يشبه إلى حد كبير الواقع العام فهو يمر بحالة من السيولة وغياب المعايير الواضحة، وهي سمة كثيرا ما تصاحب المراحل الانتقالية الفاصلة في تاريخ الأمم. ورغم صعوبة هذه الفترات، فإنها قادرة على إنتاج التجارب الأكثر أصالة وصدقا. يكفى أن نتأمل تجربة نجيب محفوظ، الذي كان ابنا لثورة ۱۹۱۹، وعاصر الكساد الاقتصادي العالمي في ثلاثينيات القرن الماضي، ثم الحرب العالمية الثانية، فضلا عن تحولات كبرى شهدتها مصر والعالم. ولم تكن عبقريته في مجرد معايشة هذه الأحداث. وإنما في قدرته على التقاط أثرها العميق في الإنسان وتحويلها إلى أدب خالد. الاضطرابات على قسوتها، قد تكون بيئة خصية للإبداع، وانعكاسها في الفن كثيرا ما يكون إيجابيا، لأنها تدفع الكاتب إلى إعادة طرح الأسئلة الكبرى، والبحث عن أشكال جديدة للتعبير.

ما الذي يحتاجه النقد الثقافي ليصبح أكثر تأثيرا في المشهد الأدبي؟

الناقد في عالمنا العربي مظلوم إلى حد بعيد. فالنقد الأدبي لا يصنع شهرة كما يفعل الإبداع، ولا يوفر حافزا ماديا يشجع على التفرغ له، الناقد يجد نفسه في كثير من الأحيان متهما مهما كان حكمه؛ فإذا أثنى قيل إنه يجامل، وإذا انتقد اتهم بالتحامل أو تصفية الحسابات، هذه الظروف دفعت كثيرا من النقاد الجادين إلى الابتعاد عن المشهد الثقافي اليومي والاحتماء بأسوار الجامعة أو الانشغال بالتراث والدراسات الأكاديمية، على حساب متابعة الإنتاج الأدبي الجديد. وفي المقابل، أصبح عدد المبدعين أكبر بكثير من عدد النقاد المتخصصين فوجد غير المؤهلين فرصة لملء هذا الفراغ، وهو ما أضر بالحركة النقدية وأفسح المجال للمجاملات والشللية

والانطباعات السريعة، لتحل محل النقد

المعرفي الرصين.

ما مشروعك الأدبي القادم؟

انتهيت من كتابة مجموعة من القصص القصيرة جدا تضم مئة قصة، تنتمى إلى عالم فنتازي ذي طابع حلمي. تتحرك في المساحة الفاصلة بين الواقع والحلم وتتداخل الأزمنة وتتبدل القوانين وتعتمد القصص على التكثيف والإيحاء. كما أعمل حاليا على رواية حول شاب يمتلك قدرة استثنائية على رؤية الموتى وهم يسيرون بين الأحياء. ويقوده لقاؤه بالموتى إلى الغوص في تاريخ عائلته. فيتتبع هجراتها عبر العصور وانتقالها بين بلدان مختلفة، حتى استقرارها في مصر، كاشفا الدور الذي لعبه أفرادها في محطات متعددة من التاريخ المصرى. ومن خلال هذا المسار تمتزج الحكايات الشخصية بالتاريخ الكبير ويتوازي مع هذا مسار عاطفى معقد، إذ يقع البطل في حب فتاة لكنه يعجز عن الإجابة عن سؤال يطارده باستمرار: هل هي من الأحياء، أم واحدة من أولئك الموتى.

 	أميرة سعيد

أميرة سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ضباب يا أبي
آلاء أشرف: الجوائز تمنح المبدع إحساسًا بأنه مرئى

المزيد من ثقافة

شخصيات لها تاريخ «11» فرانكلين روزفلت.. أنقذ الأمريكان من المجاعة

تدرج فى الصعود السياسى من رئيس تحرير صحيفة جامعة هارفارد حتى بلغ منصب حاكم نيويورك ورئيس الجمهورية لأربع فترات رئاسية...

عبد الكريم الحجراوى: «التشجيعية» حلم يراودنى منذ سنوات

جائزة الدولة المصرية أرقى وأهم الجوائز على الإطلاق الناقد فى عالمنا العربى مظلوم.. وانسحابه أفسح المجال للمجاملات والشللية

صنع الله إبراهيم.. مبدع قاوم السجن بالكتابة وحاكم المجتمع ب «شرف»

تعرض للتنمر فى طفولته بسبب اسمه ونحافته.. وظل مخلصًا لمبادئه حتى النهاية أسرته أعلنت عن إطلاق جائزة للرواية تحمل اسمه...

جار النبى الحلو.. حارس العذوبة

جار النبى الحلو، اسم له خصوصية شديدة، فهو ليس مجرد روائى كبير، لكنه يمثل كثيرا من المعانى والدلالات، التى تستشفها...