صنع الله إبراهيم.. مبدع قاوم السجن بالكتابة وحاكم المجتمع ب «شرف»

تعرض للتنمر فى طفولته بسبب اسمه ونحافته.. وظل مخلصًا لمبادئه حتى النهاية أسرته أعلنت عن إطلاق جائزة للرواية تحمل اسمه تخليدا لذكراه طرح ثنائية القهر والكبت فى أغلب أعماله

في الذكرى التاسعة والثمانين لميلاد الروائي الكبير الراحل صنع الله إبراهيم، والتي وافقت الثالث من أغسطس، أعلنت أسرته ومحبوه عن إنشاء جائزة باسمه "للرواية" بالتعاون مع إحدى دور النشر، وستعتمد الجائزة في قيمتها المادية على التبرعات الشخصية من محبيه، ونرجو أن تسهم مؤسسات الدولة الثقافية في الجائزة، التي تمثل تكريماً مستحقاً لاسم الراحل الكبير الذي توافق هذه الأيام أيضاً الذكرى الأولى لرحيله في الثالث عشر من أغسطس من العام الماضي.. هذا الروائي الذي أحدث دوياً كبيراً في الساحة الأدبية والثقافية المصرية والعربية، منذ أولى طلقاته الروائية العظيمة "تلك الرائحة"، التي صدرت عام 1967.

"تلك الرائحة" نوفيلا، أو رواية قصيرة، لا يزيد عدد صفحاتها عن الستين، وفيها قدم صنع الله نفسه من الباب الواسع، فهي رواية غير تقليدية، تعتمد على أسلوب تلغرافي مكثف ومعبر وكاشف، يورد فيه يوميات شاب خرج لتوه من السجن.. وفيها من المكاشفة والحدة ما يمكن أن يستفز ويوخز من يقرأ، وبدرجة أزعجت مبدعاً كبيراً، هو يحيى حقي، فهاجم الرواية هجوماً عنيفاً بسبب ما تضمنته من اعترافات وألفاظ مقززة، كما وصفها، مع اعترافه ببراعتها، فقد كتب في عموده الأسبوعي بجريدة "المساء": "تقززت نفسي من هذا الوصف الفيسيولوجي تقززاً شديداً، لم يبق لي ذرة من القدرة على تذوق القصة رغم براعتها.

على النقيض كان ليوسف إدريس رأي آخر مخالف تماماً لرأي يحيى حقي.. فقد احتفى إدريس احتفاءً كبيراً بموهبة صنع الله، وبروايته الفريدة، بل وكتب مقدمتها وقال في بعض سطور هذه المقدمة: "في هذه الرواية القصيرة لُخّص لي صنع الله، ليس فترة هامة من حياة بطل القصة، إنما فترة أهم من حياة جيل صنع الله، ذلك التلخيص الساحر المركز شديد المفعول. إنها ليست قصة، بل إنها صفعة أو صرخة، أو آهة منبهة قوية تكاد تثير الهلع. لم يعد لدى الفنان وقتٌ ليُنمّق ويصوغ الأحاسيس ببراعةٍ تستدرّ الإعجاب. إنه هنا يريد أن يستدرّ انفعالاتٍ أقوى من الإعجاب به ككاتب، أو الإعجاب بقصته كموضوع.. إن البطل هنا ليس الرجل، وليس الشاب، وليست الأحداث أو العصر. البطل هنا هو إحساسٌ عامٌّ طاغٍ لا اسم له - إلى الآن على الأقل - وحتى حين حاول صنع الله بعنوان القصة، «تلك الرائحة» أن يُسمّيه، هو فيما أعتقد قد فشل، بل إني لأجد نفسي الآن في حرجٍ شديد، وأنا أحاول أن أنتقي اسماً لهذا الإحساس العام، الذي نَحَته وخلقه صنع الله، وأدخله دائرة الفن والأدب، ليس الإحساس بالغربة أو الاشمئزاز أو الضياع أو الثورة أو افتقاد الحنان أو الوجود، إنه إحساسٌ مختلف، من المجحف لصنع الله وهذا العمل أن أحاول أن أعطيه اسماً أو أثير مشكلة حوله؛ فإني أريدكم معي، أن تقرءوا القصة، وتخوضوا التجربة وتحسّوه، ولتُطلقوا عليه بعد هذا ما شئتم من أسماء. إني لشديد الاعتزاز بصنع الله الفنان، وسعيدٌ حقيقة وأنا أحس أنه قد آن الأوان لتقرأه الحركة الفنية والأدبية فى كتاب كامل في قصة من أجمل ما قرأت باللغة العربية خلال السنوات القليلة الماضية".

من السجن إلى تلك الرائحة

هذه الإشكالية التي أثارها صنع الله منذ بداياته الإبداعية المختلفة، وهذا الاختلاف في النظر إلى إبداعه، هو ما يمكن أن ينظر به إلى جوهر شخصيته وإبداعه. إنه كان مختلفا منذ البداية، منذ ميلاده في الثالث من أغسطس عام ١٩٣٧.. اسمه الغريب الذي اختاره له والده، بعد أن فتح صفحات القرآن الكريم، فكانت الآية الكريمة التي وقعت عليها عين والده هي الآية الثامنة والثمانون من سورة النمل، والتي يقول فيها المولى عز وجل وترى الجبال جامدة وهى تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء فاختار لابنه اسم صنع الله.

وقد قال الراحل الكبير - في حوار نادر تعليقا على اسمه إنه في طفولته أثناء الدراسة تعرض للتنمر من بعض مدرسيه، مثل أن يقول له أحدهم يعنى ايه صنع الله؟ ما كلنا صنع الله"، كما كان يتعرض للتنمر أيضا بسبب نحافته الشديدة. كان الراحل شديد الارتباط والمحبة لأبيه، ولذلك نزل على رغبته فى أن يلتحق بكلية الحقوق لكنها لم توافقه على أى مستوى فتركها، وربما سببت له وفاة والده عام ١٩٥٥ - بينما كان صنع الله في الثامنة عشرة من عمره - صدمة شديدة، لكنه استوعبها ليواجه الحياة بصدر عار وذراعين مفتوحتين انضم صنع الله مبكرا إلى التنظيمات الشيوعية، وتحديدا منظمة حدثو، وكان من نتائج هذا الانخراط في التنظيم الشيوعي أن اعتقل ٥ سنوات في سجن الواحات، في الفترة من عام ١٩٥٩ إلى عام ١٩٦٤ ، ليخرج بعدها ليبدع لنا روايته الأولى تلك الرائحة"، التي قدم فيها يوميات شاب خرج من السجن.. فترة الاعتقال كان لها تأثير مباشر في ابداعه إلى درجة أن أهم رواياته "شرف"، التي حازت على المركز الثالث ضمن أفضل مائة رواية عربية، دارت أحداثها داخل السجن.

تتناول "شرف" حياة الشاب الجامعي أشرف عبد العزيز أو شرف كما تناديه والدته، ويسوقه قدره إلى التعرف على شاب أسترالى يدعى "جون"، في وسط البلد، كان لديه ميول جنسية شاذة، وفى أثناء مقاومة شرف دفاعا عن عرضه يقتل جون ويدخل السجن. وفي السجن يعرفنا صنع الله على عالم غريب يسوده التعذيب والانتهاك واليأس ليستسلم شرف في النهاية لحياة السجن. وفى الرواية نتعرف إلى عوالم أخرى عجيبة، تتصل بالسجن والمساجين، يقودنا إليها صنع الله بقلمه الموجز المعبر مثل عالم الشركات عابرة الجنسيات.

ثنائية القهر والكبت

كانت ثنائية القهر والكبت المحور الرئيسي في إبداع الراحل، منذ أولى رواياته "تلك الرائحة"، التي جسدت أزمة سجين عانى القهر والكبت، ثم خرج من سجنه ليخرج كبته.. تكررت الثنائية في كثير من أعمال صنع الله بعد ذلك، سواء في "اللجنة" التي تمثل قهرا كابوسيا للبطل الإشكالى الذى لم يحدد له صنع الله اسما، فتراه يحكى بصيغة المتكلم، فهو يبدو بلا أي هوية أو ملمحأمام اللجنة التي تستجوبه وتطلب منه بحثا عن المع شخصية عربية، بينما يلازمه كظله ذلك القصير الذي يراقبه بلا كلل.. وحين يتخلص من القصير ويكتب البحث عن (الدكتور) تمارس اللجنة قهرها الكابوسي عليه بشكل أكثر عنفا، ثم تتركه فيصبح نهبا للتآكل والضياع.

قبل "اللجنة " بسنوات، كتب صنع الله رواية "نجمة أغسطس"، التي تناول فيها مشروع السد العالى وذهاب البطل إلى أسوان لمتابعة المرحلة الثانية من المشروع وتحويل مجرى النيل، ويرتبط بعلاقة مع إحدى الروسيات العاملات فى المشروع، وتصبح علاقة الروسية بالبطل المكبوت جنسيا محورا رئيسيا في عمل يزاوج بين الواقع السياسي والاجتماعي، ويحفل أيضا بالطابع الوثائقي الذي يعتمد عليه صنع الله بشكل أساسي في كثير من أعماله.

بعدها بحوالي ٣٠ عاما، وفى عام ۲۰۰۳ يصدر صنع الله روايته "أمريكانلي"، وفيها يسافر الدكتور شكرى إلى سان فرانسيسكو الأمريكية، ليلقى محاضرات على ثمانية من الطلبة الأمريكيين، مختلفي الأعراق والأصول. وفى الرواية، ينقل لنا صنع الله كثيرا من تفاصيل المشهد الأمريكي، كما يتناول أيضا التاريخ المصرى القديم. وتتجلى فى الرواية قضية الهيمنة الأمريكية الشاملة والخانقة، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لتنعكس هذه الهيمنة، وتنتج مزيدا من الاستلاب والقهر على الشعوب الفقيرة. وكان صنع الله بارعا وهو يعمد إلى تفكيك عنوان الرواية إلى "أمرى كان لي"، قبل أن تنفرد أمريكا بالأمر كله.

التوثيق مسألة شديدة الأهمية في روايات صنع الله إبراهيم، لكنه على أية حال لم يكن يخل أبدا بالطابع السردي الروائي متكامل الحبكة لديه.. وقد وضح هذا الأمر في كثير من رواياته وأبرزها رواية "ذات"، التي أصدرها عام ۱۹۹۲، وتم إنتاجها في مسلسل تليفزيوني شهير لصالح التليفزيون المصرى، بطولة الفنانة نيللي كريم عام ٢٠١٣.. وفيه يتناول صنع الله مسيرة حياة سيدة مصرية اسمها "ذات"، تنتمى للطبقة المتوسطة ... و تناقش الرواية - بجرأة صنع الله المعهودة - التحولات العنيفة التي طرأت على المجتمع المصري، والتي ارتبطت بتطلعات اقتصادية صاحبتها أنماط استهلاكية غريبة على المجتمع، ويزاوج صنع الله في الرواية بين الخيال الروائي والأخبار والإعلانات المختلفة، التي كانت تنشرها الصحف المصرية، في شكل روائي يختص به ويصنع به حالة مختلفة..

يوميات الواحات

الخمس سنوات التي قضاها صنع الله في سجن الواحات كانت المحطة الأكثر تأثيرا في إبداعه، وربما الأكثر تأثيرا في حياته كلها، وأعتقد أن تجربة السجن بكل تفاصيلها كانت - على نحو ما - هي المعين الذي لم ينضب أبدا في تجربة هذا الروائي الكبير.

وقد نقل صنع الله تجربة سجنه كاملة في كتاب "يوميات الواحات"، الذي تضمن تدوينات يومية كتبها على ما تيسر له من ورق، سواء ورق "بفرة"، أو ورق علب سجائر فارغة. ثم هربها مع رفيقه في السجن حسين عبد ربه، الذي سبقه في الخروج، وسلمها لشقيقته، لتكون اليوميات عملا مهما يمكن تصنيفه بوضوح ضمن أهم الكتب في أدب السجون.

طوال حياته، ظل صنع الله إبراهيم على يسار السلطة. ولعل موقفه المشهود من رفض جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي التي قررها المجلس الأعلى للثقافة، وبلجنة تحكيم رأسها الطيب صالح عام ٢٠٠٣ وكانت قيمة الجائزة مائة ألف جنيه - وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت - احتجاجا على السياسات الحكومية انذاك واحتجاجا أكبر على عدم وجود موقف عربي موحد وقوى تجاه ممارسات إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، لهو أبلغ دليل على أن صنع الله لم يكن فقط مبدعا استثنائيا، لكنه كان وبذات القدر رجلا شجاعا وحقيقيا.

كان صنع الله زاهدا في المال والثراء، ورفضه لجائزة - قيمتها المادية توازي ملايين الجنيهات، في وقتنا الحالي - يؤكد ذلك.. ولم يعمل الرجل في وظيفة إلا بضع سنوات في وكالة الأنباء المصرية، منذ ١٩٦٧ ولعام واحد، ثم في وكالة الأنباء الألمانية لثلاث أعوام حتى عام ۱۹۷۱، ثم قضى ثلاث سنوات في روسيا لدراسة التصوير عام ١٩٧٤، عاد بعدها لمصر متحررا من أي وظيفة. ومتفرغا فقط للأدب والكتابة الحرة.

قبل وفاته سقط في منزله، وأصيب بكسر في مفصل الفخذ، ثم أصيب بالتهاب رئوى وأمر الرئيس السيسي بعلاجه على نفقة الدولة، قبل أن يرحل في ١٣ أغسطس ۲۰۲۵، مخلفا وراءه إرثا إبداعيا وإنسانيا لا يغيب.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

طه حسين
إمام .. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «10»
ابراهيم
نهى يحيى حقى تتحدث عن صاحب القنديل ورائد القصة القصيرة العربية

المزيد من ثقافة

شخصيات لها تاريخ «11» فرانكلين روزفلت.. أنقذ الأمريكان من المجاعة

تدرج فى الصعود السياسى من رئيس تحرير صحيفة جامعة هارفارد حتى بلغ منصب حاكم نيويورك ورئيس الجمهورية لأربع فترات رئاسية...

عبد الكريم الحجراوى: «التشجيعية» حلم يراودنى منذ سنوات

جائزة الدولة المصرية أرقى وأهم الجوائز على الإطلاق الناقد فى عالمنا العربى مظلوم.. وانسحابه أفسح المجال للمجاملات والشللية

صنع الله إبراهيم.. مبدع قاوم السجن بالكتابة وحاكم المجتمع ب «شرف»

تعرض للتنمر فى طفولته بسبب اسمه ونحافته.. وظل مخلصًا لمبادئه حتى النهاية أسرته أعلنت عن إطلاق جائزة للرواية تحمل اسمه...

جار النبى الحلو.. حارس العذوبة

جار النبى الحلو، اسم له خصوصية شديدة، فهو ليس مجرد روائى كبير، لكنه يمثل كثيرا من المعانى والدلالات، التى تستشفها...