جار النبى الحلو، اسم له خصوصية شديدة، فهو ليس مجرد روائى كبير، لكنه يمثل كثيرا من المعانى والدلالات، التى تستشفها حين تقرأ واحدا من أعماله الروائية أو القصصية، أو حتى حين تلتقيه شخصيا، أو لو سمحت لك ظروفك الحسنة وجالسته، ففى حالة "الحلو" لا ينفصل الاسم عن الشخص عن الكتابة، فهو الكاتب الذى يشبه كتابته، كلاهما له نفس المذاق المحبب إلى النفس، وكلاهما مفعم بالعذوبة والرهافة والجمال الهادئ والحضور العميق الذى يسكنك طويلا بعد انتهائك من قراءة أى عمل أدبى له، أو ينتهى لقاؤك بكاتبه.
وكما يبدأ جمال وعذوبة شخصية جار النبى الحلو من اسمه الغريب الذى لا تملك سوى أن تحبه، فإن أعماله الروائية والقصصية –كذلك- تبدأ عذوبتها ورهافتها من عناوينها، بحيث يبدو كل عنوان فاتحة لجمال أدبى باذخ سيتوغل داخلك كلما تقدمت فى النص، وستجد هذا واضحا فى عناوين مثل "شجو الهديل" و"عطر قديم" و"حلم على نهر" و"قمر الشتاء" و"طعم القرنفل" وغيرها من الأعمال.
وفى كل عمل له، يبدو الحلو حارسا للجمال والعذوبة والبساطة الآسرة، بدءا من عذوبة السرد الأدبى الهادئ، الذى لا يتمسح فى تقنيات تجريب شكلية لا داعى لها، ومرورا بعذوبة اللغة شديدة الشاعرية التى يكتب بها، ووصولا إلى عذوبة القرية والجمال الفطرى القديم.
هذا الملف تحية للكاتب الكبير جار النبى الحلو.. حارس العذوبة.
أنا لم أختر الكتابة ولكن الكتابة هى من اختارتنى
جار النبى الحلو: حجرتى فوق السطوح كانت أوسع من العالم
كتبت ما رأيته وعشته.. وحكيته بعين الطفل الذى يرى الحقائق فى براءتها
حكايات أمى المدهشة لم تفارقنى لحظة
الإبداع الجيد يتخطى الحدود ويعبرها لآفاق أفضل
جدتى لأمى يدًا سحرية وضعتنى على حافة الكتابة
الكتابة هى التى اختارتنى لأعرف الفرح والحزن وأتحمل الحياة
دخلت مكتبة أخى ولم أستطع الخروج منها حتى الآن
تعرفت على المنسى قنديل فى أولى إعدادى.. وفريد أبو سعدة فى أولى ثانوى
عبدالفتاح الجمل أستاذى وتاج رأسى.. وأعطانى مفتاح كتابة عالمى الخاص
أحب الناس وخاصة المبدعين.. ولم أدخل أى صراعات فى الوسط الأدبى أو الفنى
كتبت: أميرة سعيد
الكاتب جار النبي الحلو أحد كبار المثقفين الذين أثروا بفكرهم وإبداعهم في الوطن العربي، وقد كوّن مع كتاب جيل السبعينيات حالة فنية وإبداعية في الثقافة المصرية كما كوّن مع مثقفى مدينة المحلة الكبرى جماعة ثقافية عرفت باسم "شلة المحلة".
واستطاعت هذه الشلة أن تغير وجه الثقافة المصرية حتى الآن، عن تجربته الإبداعية وذكرياته مع مدينة المحلة الكبرى و "شلة المحلة" كان معه هذا الحوار.
هل نشأتك فى مدينة المحلة الكبرى كان لها تأثير عليك ككاتب؟
ولدت في المحلة الكبرى فى العام ١٩٤٧، ولدت في بيت على نهر أمامه حديقة صغيرة وخلاء وحقول وطيور وحكايات عن الغرقى والعفاريت، وكان فرحى الخاص هو شجرة البونسيانا أمام البيت التي زرعها أبي. كنت أصعد على الشجرة، وأتوارى بين فروعها وزهورها التي تطلق ألوان النار، فأرى حقولا بلا نهاية ونهرا ممتدا بطيبة، وأرى قطار الدلتا يتهادي خلف بيتنا بمسافة هذا القطار كنت أجرى بجواره وأجرى ثم أتعلق ببابه وأجلس على دكة بنية لامعة لأرى الأشجار تتهادى والرجال والنساء يقفزون ويصعدون للقطار بأمان وخوف، يسير بلا توقف. وأقفز وقتما أريد.
في البيت صندوق أبى، وبه كتب رائعة لون لوحاتها بأقلامه الخشبية الملونة، ألف ليلة وليلة، وروايات الهلال، وكتب عن السحر والأغاني، ومجلات قديمة وصور لمحمد عبد الوهاب فى البيت، كانت أمي الحنون تحكى لى عن أخوالي وأعمامي وعماتي الحكايات المدهشة، ولم تفارقنى لحظة منذ موتها.
أمام بيتنا الحقول والنهر، وخلفنا قطار الدلتا، ثم يصعد المزلقان لندخل المدينة، وأرى عمال مصنع الغزل والنسيج، أحب رؤيتهم حين يتدفقون من الكوبرى السفلي إلى الضوء، فتسكن صورة العامل في ذهني بجديته وهمته وصبره، وتمر بجواري الدراجات التي تحمل أصحابها العمال إلى حيث قراهم وبلادهم الفقيرة.
وتبوح لى دور السينما في المحلة بأسرارها وأفلامها ونجومها، فأصبح من رواد السينما وأنا في العاشرة من عمري، حيث أقطع الطريق وحدى من بيت على نهر إلى دور السينما، المجاورة للمصانع والمحالج والنهر الكبير والبوستة، والمقاهى المنتشرة.
أخذتنى المحلة من يدى إلى السوق والسلخانة والساحة الشعبية، والأزقة، والناس. نعم، البشر، الذين وهبونى القصص والحكايات والمواويل الحزينة.
كانت لك العديد من الهوايات مثل التمثيل ولعب الكرة. لماذا اخترت الكتابة؟
في المدرسة الابتدائية بدأت التمثيل على المسرح، ولا أنسى فى أول عيد أم ، وكنت أشارك في التمثيل والغناء. لا أنسى يومها، أمسكت يد أمى بقوة حتى لا أفلت منها وحدنا سرنا إلى المدرسة حيث المسرح، وجلست مع المتفرجين، لكننى كنت أمثل وأغنى ولا أرى سواها، ثم واصلت التمثيل في المدارس حتى المرحلة الثانوية وحتى بعد أن صرت كاتبا مثلت نصا مسرحيا مع فرقة المحلة.
ولعبت كرة القدم، بكافة أشكال الكرة في شوارع المحلة والخلاء والأطراف، وفى ميدان المحطة، ثم لعبت في الساحة الشعبية.
لكنها جدتي.. نعم جدتى لأمي هي اليد السحرية التي أخذتنى من كل هذه العوالم لتضعنى على حافة الكتابة.
جدتي كانت قعيدة، ووحيدة في دارها ذات الحجرة الواحدة، كنت أجلس إليها وتبدأ في إلقاء المواويل مواويل حزينة، وصلتني فجرحتنى بحزنها الإنساني واندهشت کیف تتراص الحروف لتصنع حزنا كنت أمشط لجدتى شعرها الناعم الأبيض، وهي تهتز للأمام وللخلف والمواويل تدفق لتغمرنى وتغرقني في حب الكلمة. أنا لم أختر الكتابة الكتابة هي التي اختارتني لأعرف الفرح والحزن وأتحمل الحياة.
من الكتاب الذين تأثرت بهم خلال مسيرتك الإبداعية؟
مبكرا جدا، أعطاني أخى بكر مفتاح مكتبته، ليواصل هو تعليمه في الجامعة بالإسكندرية، فتحت المكتبة بوجل تلمست الكتب بتردد، لم أعرف عناوين الكتب التي باللغة الفرنسية - كان أخى يتعلم الفرنسية وبالقسم الفرنسي بكلية الآداب - فالتقيت بنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعى وتوفيق الحكيم، وطه حسين. دخلت مكتبة أخى ولم أستطع الخروج حتى الآن. في البداية استهوانى يوسف السباعى بكتاباته البسيطة وخفة ظله، ثم بهرني عالم "إحسان عبد القدوس" عن البنات والأندية، عالم لا أعرفه، لكنه لذيذ، ثم في الصف الأول الإعدادي كبرت وتجرأت وقرأت "خان الخليلي".
وعرفت مع نجيب محفوظ الدهشة والبشر والرصانة وتعلمت النفس الطويل في القراءة.
لكن الحادث الذي ربما غير حياتي، كان حين صباحعندما وجدت مجلدا لكاتب اسمه "تشيكوف" ترجمة محمد القصاص" حتى قرأت قصة بعنوان "فانكا" انتفضت في مكاني، أهكذا تكتب القصة القصيرة، وبكل هذه البساطة وهذا الرقى أهكذا تكتب ما تراه عينك للوهلة الأولى. أهكذا على حين غفلة" يا تشيكوف.
ولم أصبح أنا .. أنا.
متى قررت الكتابة، وفي أية سن؟
لا أحد يقرر أن يصبح كاتبا، أو يقرر أن يبدأ الكتابة الكتابة تتسلل إلى الكاتب، وفعل الكتابة هو رغبة البوحوالتعبير، وما يسكن الكاتب من رؤية للواقع، ووجهة نظر، وموقف الكتابة فعل معقد، ويتفجر بلغته وسرده وشعره، وفي اللحظة المناسبة يبدأ في التعبير.
محاولتي للكتابة بدأت مبكرة جدا، عندما كنت أجلس إلى جدتي لتحكى لى الحواديت و تنشد مواويلها الحزينة، كنت أذهب إليها بالكراسة والقلم - كنت في الصف الابتدائي - وأدون خلفها المواويل والحواديت عندما أرجع لبيتنا كنت أحاول أن أعيد كتابة الحواديت بأسلوبي، وبإضافة بعض طموحاتي الساذجة في الجملة أو التعبير. ثم صرت أكتب بعض القصص، وحتى بعض ما ظننته شعرا.
وفي الصف الإعدادي، وبعد أن التقيت بأعمال "تشيكوف" صرت شخصا آخر، ونظرت للعالم بعمق وبساطة، وتلفت حولى وما إن بدأت أكتب ما أعرفه حتى عرفت ماذا أكتب.
بداياتك كانت مع القصة القصيرة، لماذا اخترت هذا الفن تحديدا ولماذا يقبل الشباب على القصة؟
القصة القصيرة فن مراوغ، ليس له قواعد ولا معايير إنما القصة القصيرة التي تنال إعجابك هي قصتك. ويقبل الشاب على كتابة القصة القصيرة لعدة أسباب: أن الكتابة ابنة التجربة وحياة شاب لم يصل للعشرين لا تحتمل سوى بضع صفحات بالنسبة لحياة عريضة بها أفراح وأحزان وخبرات ورؤى وانتماء، ولغة، وطموح. أليس كذلك. ثم أن القصة القصيرة تملك سحرا خاصا، والكاتب الذي يمتلك ناصية القصة القصيرة ينتقل من النهر الهادئ للقصة إلى صحب البحر وأمواجه الهادر ولكن بعد أن صار صباحا ماهرا.
أول كتاب نشر لك كان "القبيح والوردة" عام 1984.. لماذا تأخرت في نشر أول عمل لك؟
القبيح والوردة مجموعتي القصصية الأولى في العام ١٩٨٤ كنت بدأت النشر في جريدة المساء حين قدمتي لصفحته الأدبية الأهم أستاذي "عبد الفتاحالجمل"، كان ذلك في يناير ۱۹۷۰. وكنا في ذلك الزمان ترتعد عندما ترسل قصة النشر، وترتجف عندما يبدأ أحدهم الكلام عنها أو تناولها، ولم يكن يشغلنا أن ننشر كتابا لتتباهى به كان ما يشغلني هو التحقق والكتابة بشكل لائق ويخصني - خاصة أننا كنا في زمن نجيب محفوظ ويوسف إدريس - وكان معنا جيل الستينيات الرائع بكل إنجازاته وتألقه، كما كنت لا أعامر بوضع كتابي في المؤسسات الرسمية حيث الانتظار، فكيف صدرت "القبيح والوردة " كنت جالسا على مقهى ريش مع الأصدقاء، حتى طلب منى صديق العمر إبراهيم عبد المجيد مجموعة قصصية لنشرها في دار شهدی قلت له: لكنني لا أملك نقوداً، ابتسم وقال: لا نريد منك نقودا... سامها لي فقط. بعد أسابيع سلمت له مجموعة القبيح والوردة"، بعد فترة قابلتي "عبده جبير" في شارع سليمان وبيده نسخة من المجموعة القصصية الأولى عن دار شهدي النشر. وكانت سلسلة القصة المصرية القصيرة، ويشرف على إعدادها: إبراهيم عبد المجيد ومحمود الورداني والمحرر المسئول رءوف مسعد
وكانت كلمة المحرر على غلاف "القبيح والوردة": إن هناك من يواصل الكتابة، وحرفة الأدب، بذلك الصبر الذي عمل به الوراقون القدماء.
الكاتب "عبد الفتاح الجمل" أول من قدمك
للجمهور. ما ذكرياتك عن هذه التجربة؟
عبد الفتاح الجمل... أستاذي وتاج رأسي، الذي قدمني على الصفحة الأدبية التي يشرف عليها بجريدة المساء. ونشر لي في يناير ۱۹۷۰، اختار قصتي من عدد من القصص التي قدمها له الناقد خليل كلفت" بعد ندوة في قصر ثقافة المحلة، شاركه في هذه الندوة الكاتب جميل عطية إبراهيم خليل كلفت قدم له القصص فاختار عبد الفتاح الجمل قصتى لينشرها، تحمس لقصصي وأحبها، وحين سألته ذات مرة: لما لا تنشر قصص فلان أخذني تحت ذراعه، وهمس: أنت لا تكتب مثل أحد كانت هذه الجملة هي المفتاح الحقيقي للتمسك بالكتابة عن عالمي الخاص، عن شخوصي والمهمشين والفجر والمفردات الصغيرة التي لم تدهش سواي وصار لي انحيازاتي وأحلامي ورفاق عمري كتبت ما رأيته وعشته وحكيته بعين الطفل الذي يرى الحقائق في براءتها وتجليها في نثر ألوانها وبهجتها وحزتها الدفين.
كنت أسمع الأستاذى عبد الفتاح الجمل لأتعلم، وأفرحبضحكته المجلجلة، وهو يقترح على أن أقرأ بعض الكتب، ويسألني: هل شاهدت هذا الفيلم. يأخذني من يدى تلف شوارع القاهرة، تأكل معا في المطاعم. ويشدد على: إياك أن تتوقف عن الكتابة. وها أنذا يا أستاذي أحاول دائما مازلت أكتب وأنا أتساءل هل ستعجب عبد الفتاح الجمل !!
ما ذكرياتك مع الحجرة التي فوق السطح ؟
في ذات بيتنا في الحديقة الصغيرة، بنى لي أبي حجرة فوق سطح، وكنت على وشك الالتحاق بالصف الأول الثانوي، وحضر بناء الحجرة غير أبي وأخي بكر المنسى قنديل وفريد أبو سعدة. وفي الحجرة سرير ومكتبة صغيرة، كانت في الأصل جرامفون كبير وترابيزة بدرج لها هيئة مكتب وكتبة كبيرة ذات حاشية قطن، وبعض الكراسي، ومرأة صغيرة على الحائط، وتربيزة مربعة مستعملة عند الأكل ولعب الشطرنج والطاولة، وكان للحجرة باب يفتح على بلكونة - في الطابق الثالث وفي البلكونة الواسعة تتسلق شجرة العنب الصاعدة من الحديقة، وتحولت هذه الحجرة من مكان يضم ثلاثة أشخاص فريد والمنسى وأنا - إلى عالم واسع رحب منذ التقينا بشلة المحلة في قصر الثقافة، أصبحت مكانا للقاء الكتاب وإلقاء الشعر والقصص والنقد، والقراءة.
والآراء والأفكار أصبحت حجرتي فوق السطح أوسع من العالم، زارها ودخلها ونام فيها ما لا يمكن رصده من الكتاب والفنانين عاشت أحلامنا بهجة التألق في هذه الحجرة، وتحولت لحديث القاصي والداني شاهدت انتصارات صغيرة وانكسارات كبيرة، تخصنا وتخص الوطن، ظلت حجرتي تحتضنني وتحتضن الأصدقاء ولم أخرج منها سوى للزواج في شقة خارج بيتنا الحلم والأمنية والعمر حيث بدأت كل الملامح في الغروب.
حدثنا عن شلة المحلة ومن كان الأقرب لك في هذه المجموعة ولماذا ؟ ما الذي أضافته لك شلة المحلة على المستوى الإنساني والمستوى الثقافي ؟
المنسي قنديل وفريد أبو سعدة وأنا، جمعنا بعض قصصنا في كراسة في نهاية الصف الأول الثانوي أخي بكر - المترجم بعد ذلك - والذي كان يتردد على قصر ثقافة المحلة، وصلت ليده الكراسة وقرأ ما كتبناه، في ذلك الوقت كان يدرس اللغة الفرنسية الصديقه "نصر أبو زيد، بكر أعجبته القصص فأعطاها للشاعر نصر أبوزيد الذي سلم الكراسة لبقية الزملاء وفي زيارته الثانية لأخى قابلني، وطلب أن نذهب أنا واصدقائي لنادي الأدب بقصر ثقافة المحلة.
كنا في شتاء ١٩٦٥ حين ذهبنا الأول ندوة، وأرى الأول مرة جابر عصفور وسعيد الكفراوي ومحمد صالحورمضان جميل مع نصر أبوزيد. ونصر كان من طنطا ولكن ظروف عمله وإقامته محلاوية.
منذ اللحظة الأولى قر في نفسي أن الكتابة ليست لعبة، وأن القراءة هي الطريق الثقافة هي الأدب والسينما والفن التشكيلي والموسيقى، كانت شلة في غاية الرقى تتمتع بثقافات مختلفة. وأقول إننا لم نكن أصحاب فكر واحد أو وجهة نظر واحدة، وهذا ما جعلنا أكثر ثراء ودهشة ورغبة في التثقف والتعلم. حالة من الجدية كانت هي التي تناقش أعمالنا الأدبية. الجدية والصرامة والصراحة، نقضى ليالينا في شوارع المحلة، وأطرافها، في المقاهي والخلاء نتناقش، تتبادل الكتب، وكان لنا مستقران في المحلة، حجرتي التي فوق السطح في الوراقة، وشقة سعيد الكفراوي في السبع بنات.
تلك المجموعة من الشباب تنضج وتكبر وتمتلك ناصية الكتابة، لا أذكر أن أحدنا جرح مرة في آخر كنا في كل أن نحترم بعضنا وتحترم إبداعنا، وكان طموحنا بلا حدود.
تعرفت على محمد المنسى قنديل في الصف الأول الإعدادي بمدرسة الأقباط بالمحلة، وتعرفت على فريد أبو سعدة في الصف الأول الثانوي، عشنا معا الصبا والشباب والشيخوخة، محبتى لهما آخر زهور شجرة الصداقة والمحبة. وكيف تفقد الروح نسائمها !!
هل المحلة كمدينة صناعية أثرت على طبيعة الشخصية المحلية. وهل انعكس ذلك عليك وعلى مجموعة المثقفين والمبدعين الذين انتميت إليهم في ذلك الوقت؟
لكل بيئة العكاسها على أهلها حتى في السلوك العادي. ولابد أن المدينة مثل المحلة تأثيرها البالغ على شخصيا فالمحلة مدينة ظهيرها زراعي، وعلى أطرافها كانت بيوت الفلاحين والترع والجواميس، ولذلك كنت أرى كافة الأشكال الفلاحية منعكسة علينا، فترى الجلاليب والجبن القريش وفرن الخبيز، ولأنها مدينة صناعية حيث مصانع الغزل والنسيج، فكنا نتعلم وتتعرف على الطبقة العاملة، وصراعاتها وطموحاتها، وكنت ترى بوضوح دراجات العمال، وخروج العمال في الورديات في القطارات المزدحمة بالعمال.
في المحلة أيضا أعيان وموظفون وأصحاب أعمال صغيرة، وأنوال صغيرة.. إلخ كل هذا شكل روائي مختلف، وخبرات متعددة، وكل هذا يطرح الشخوص والحكايات والدراما.
وكانت حياتي بين هؤلاء ومن خلالهم تنوعت الشخوص والدراما، ورباعيتي عن المحلة شملت المكان بملامحه المؤثرة والمحددة والعاكسة لحياتنا وكذا شملت شخصيات محلاوية لها أحلامها وآمالها وانكساراتها وطموحاتها.
في روايتك "العجوزان" تحول الطفل فجأة إلى رجل فما السبب، وهل مازلت تحتفظ بروحالطفولة بداخلك ؟
كل شيء ينمو ويكبر ويشيخ يزدهر ويخفت الشخص والمدينة، الحلم والواقع رواية "العجوزان" تطرح حياة "فايز" و "رفيق" وقد صارا عجوزين، هما "عجوزان" أبناء مدينة واحدة، تشكلت ملامحهما وأحلامهما، بين شوارع وأزقة وبيوت تمسكا ببعضهما إلى آخر لحظة، أحدهما اختفى والآخر يرنو إليه في حزن بالغ، نتابع حياتهما البسيطة العادية، ولكن عبر مرور الأحداث الكبيرة الخاصة بالوطن "العجوزان" لا يقومان بدور المشاهد. وإنما المشارك، رغم ما يحملان على ظهريهما من أحلام قد تكون ضاعت صدي هي مرئية عن مدينة وعجوزين.
ما تقييمك لأدب الطفل في مصر الآن؟
أدب الطفل مثل أي أدب يحتاج إلى المجلة المتخصصة. للاهتمام، لنشر الأعمال، وسواء مجلة أو كتاب لابد من الانتظام في الصدور، ونحن صغار كنا نذهب لبائع الجرائد في يوم محدد لنشترى مجلة محددة. عندنا كتاب في أدب الطفل ورسامون متميزون على أعلى مستوى، ولكن كيف تتوجه للطفل عبر السينما والتليفزيون وأدوات التواصل الحديثة. وينقصنا في مصر بشكل عام ترجمة أعمالنا الأدبية للغات الأخرى. لابد أن تتواصل مع العالم، أن يقرأنا ونقرأه.
هل ندمت على عدم الاستقرار في القاهرة مثل باقى شلة المحلة؟
لم أندم أبدا على عدم الاستقرار في القاهرة، لأنني في إقامتي بالمحلة لم أخسر شيئا، بل كسبت وقتی، وقرأت وكتبت، وكان متاحا لي أن أنشر أي عمل في أي وقت. أزعم أن الموهبة والكتابة الجيدة هي الإقامة الصحيحة المكاتب، وفي القاهرة لم يقف أحد بالمرصاد الأدباء الأقاليم. لأن الإبداع الجيد هو الذي يتخطى الحدود ويعبرها لآفاق أفضل.
ابنتك وسام اتجهت لكتابة القصة. كيف ترى كتابتها، وما النصائح التي قدمتها لها عند دخولها هذا المجال ؟
قصص وسام... تكتبها برهافة وشجن بعيد عن الميلودراما، تلتقط اللحظة بعين اختلطت فيها اللغة بالفن، تكتب ما تحبه، كما أنها كاتبة الأدب الطفل وشفاتها التراث الشعبي، إذن فالفن يحوطها ويأخذها إلى بوتقته حتى تنصهر وتقدم كبرى الأعمال. عند دخولها هذا المجال لم أنصحها، حين كانت تكتب قصة جيدة كنت أبتسم في فرح.
معروف عنك في الوسط الثقافي أنك ذو شخصية طيبة وهادئة، كيف حافظت على هذه الشخصية؟
لم أدخل في أي صراعات تحدث في الوسط الأدبي أو الفني أو أي وسط، أنا أحب الناس وخاصة المبدعين وأحمل لهم التقدير، ولم أعامل أحدا على مستواه الأدبي أو الفنى لا يشغلني سوى اهتمامي بما أنجزه من كتابة سواء رواية أو سيناريو أو أدب الطفل أو قصص قصيرة. حافظت على تبادل المودة مع الجميع منذ شبابي.
كيف ترى قيمة الجوائز للكاتب وتأثيرها على إبداعه ؟
الجائزة هامة جدا لأي إنسان في أي نشاط، وفي أي لحظة حياة الجائزة هي التقدير والكاتب حين يتال الجائزة ينال التقدير، ويثق في أعماله، ويحاول أن يتقدم وينجز الجائزة أحيانا تجعل للحياة معنى، وفي كل الأحوال تربت علينا نحن الكتاب وتمنحنا ابتسامة طيبة.
ما أحلامك الفترة القادمة، وماذا تكتب حاليا؟
احلامي متواضعة: أن تترجم أعمالي، وأن تتحول رواياتي الأفلام سينما، وألا أفقد حب أحد.
مرثية للمكان والزمان
«العجوزان».. معنى مبهم اسمه الصدق
كتب: سيد الوكيل
كما أن بعض الروايات البدينة، تثقل روحك بالخواء حتى إنك تتنفس الصعداء حالما انتهيت من قراءتها، فإن الروايات القصيرة تمنحك جمالاً مفعما بنشوة لا تنسى، وتظل حاضرة في ذهنك مهما قرأت بعدها. أنا مثلاً، لا أستطيع أن أنسى رواية الحافات للعراقي محمود جنداری، ولا حادث النصف متر لصبرى موسى، ولا الزهرة الصخرية لمحمد الراوى ولا "حجرتان وصالة" لإبراهيم أصلان الذي يؤكد دائما أنه يكتب الرواية بمزاج القصة، وبهذا المزاج كتب عصافير النيل" التى امتلكت هوية خاصة في بنيتها السردية البسيطة والممتعة معا.
إن عشت طويلاً أو قليلاً، فلن أنسى رواية (العجوزان) لجار النبي الحلو. هذا ليس تفسيرا نقديًا، فقط معنى مبهم اسمه الصدق الذي أكد عليه أرسطو. وعلمني إياه الناقد الفذ، د. مصطفى ناصف.
أعتقد أن الصدق لا يوجد في اللغة، ولا الموضوع، ولا التقنيات، ولا أي من حيل الكتابة الروائية، فكل الأشياء تشيخ وتتشوه إلا الصدق الفنى. تلك الكامنة في اللا شعور الذي يعترينا أثناء الكتابة والذي يمكن وصفه بإسقاط المسافة بين ذات الكاتب وموضوع الرواية، ليصبحالكاتب هو الذات والموضوع في نفس الوقت، بعكس ما نراه في الروايات البدينة، ولا سيما التاريخية، حيث يكون الموضوع متاحًا ومسبقا ولا يخص الذات الساردة.
ما نعنيه نوع من النظر في الداخل لترى نفسك، هذه حالة شبيهة بالوجد الصوفى نادرًا ما نصل إليها. لكن (جار النبي الحلو وصل إليها ببساطة في روايته (العجوزان) التي أتمت مائة صفحة بالكاد، فيما هو يتم السبعين -وقت صدورها - بهذه الروح المتوقدة والوعى الجمالي البازخ.
في هذه الرواية، ينظر جار النبي الحلو بداخله، حتى يرى ظله الذي رافقه طوال العمر. رآه وهو يلوح له، واقفا في شرفة الدور الرابع قبالة شرفته تماما، فبدا أكبر منه ببضع سنوات، لكن لم تنجحالبدلة الكحلى، والمنديل الأحمر، والعصا الأنيقة.. كل هذا لم ينجح في إخفاء، أن ظله، الذي يقف الآن في الشرفة المقابلة بالدور الرابع، أيضا عجوز فقط هو بارع في مخاتلة الزمن بقلب مفتوح على حب النساء، والشعر. تزوج عدة مرات وأحب عدة مرات، لكنه الآن، حتى عندما أصبح ظلا يسكن الشقة المقابلة وحيدًا، بصحبة مئات الكتب و ات الصبا والجمال التي تمكنه من أن يجرب حظه مع ياسمين، المرأة الشابة صاحبة كشك السجائر الذي يقبع تحت شرفته.
الظل هو نفسه، تلك الذات الساردة التي لا تنطق بغير الصدق، لأنها ليست سوى صورة للاوعي في مقابل الوعي لهذا هي تتسم بالبراءة والصدق حتى لو كان مؤلما، عندما رأى الراوى نفسه ظلا عجورًا فى الشرفة المقابلة. بهذا المعنى نحن أمام شخصية تراجيدية مأساتها من عنف الزمن، لهذا سوف نراه في نهاية الرواية راقدًا على سرير أبيض، بقلب مفتوح، هذه المرة بمشارط الأطباء وآلاتهم الحادة، ويكون بجواره فقط، رفيق عمره.
رفيق، هذا اسم بطل الرواية، الرفيق قد يكون في مشوار الحياة بكل تفاصيلها الإنسانية، بل والسياسية على وجه التحديد، تلك التي لازمت المثقفين اليساريين فترة شباب العجوزين، أما ظله الذي يقف في شرفة الدور الرابع فهو فايز).. ترى أيهما الفائز الحقيقة أم الظل؟
في المشهد الافتتاحي للرواية نراهما يقفان متواجهين عاليا كوعلين يتأهبان المنازلة. الوعل رمز فلح في شعر رفيق عمر جار النبي الحلو (محمد فريد أبو سعده) نجده في ديوان ذاكرة الوعل ۱۹۹۷م) إنه لا يظهر في الرواية، لكننا نراه كإحالة شخصية لم يبح الكاتب بها، فليس من حقنا فضها، لكن قليلا من الغموض يدفعنا لنفكر، ونستنتج ونملأ المساحات الفارغة، تقديرا لكل من ايزر وياوس، عندئذ ستفكر أن الرفيق ليس ظلا، ولا حتى مجرد رمز یساری ماركسي، إنه بطل الرواية، وكاتبها، ففى المشهد الختامي سنری (رفیق) يمضى وحيدا في منتصف الشارع وعندما يصل إلى نهايته، يختفى بكتفيه المتهدلين، وعرج ساقية، نفس العرج الذي يعانيه فايز.
الرواية تعج باللقطات المشهدية والعلامات اللغوية التي تدل وترمز ولكنها لا تفصح - هذا يفسر لنا حجم الرواية الصغير - وهي سمة نجدها في جل كتابات جار النبي الحلو، فالصور هي مبعث الدلالة ومحرك الأحداث لا اللغة. ومثل هذا الوعى البصري، لا ينزلق أبدا إلى فائض اللغة الذي تعانيه الروايات البدينة. يحيلنا هذا إلى طبيعة البناء السردي للرواية. فرغم هذا الحجم الصغير، فالرواية موزعة على ) ١٥ فصلاً)، يستطيع كل فصل أن يقدم للقارئ إشباعا دلاليا وجماليا مستقلا كما لو كان قصة قصيرة، كما يمكن ملاحظة غياب التراتبية الزمنية للسرد، فيعوضها بقفزات سريعة بين كل فصل بما يسمحبفجوات محسوبة بدقة بين الماضي والحاضر، وكان ما تبقى من زمن للعجوزين، لا يسمح بالبراح والترثرة والإسهاب الذي تراهن عليه الروايات.
هكذا ينصت السرد لإيقاع الزمن متوافقا مع الزمن الداخلي للشخصيات، هذه الطريقة، تضمن العمق والغوص داخل النفس لمواجهة ظلنا الداخلي، ليس هذا فحسب، بل أيضا، تضمن التناغم الإيقاعي الشجي بين الشخصيات.. إن مشهد الشرفتين الذي يعكس الاختلاف الشكلي بين العجوزين، يعكس في نفس الوقت الكثير من التشابهات التي سوف تكشف عنها العلاقة بين العجوزين، وتلك هي الفكرة الرئيسة في الرواية، والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى أننا لا نستطيع أن نجزم ما إذا كان السرد يتوجه إلى أي منهما، وستري، في النصف الثاني للرواية، أن كلا من رفيق وفايز يتناوبان السرد ويتقاسمان بطولة الرواية، ويحكى كل
منهما عن الآخر، وكأنهما صوت واحد. في بعض اللحظات يلتبس علينا من يتكلم عن من؟. وفي المشهد الختامي حين يختفى فايز داخل شقته، يختقى رفيق أيضا:
انسحب فايز لداخل الشقة في بطء أيضا، وحين اختفى فايز وقف رفيق تماماً في منتصف الشارع الضيق قبل كشك ياسمين، وأخذ يطل على بلكونة فايز أخرج منديله القماش ومسح به جبهته مراراً، أطل كثيراً، رفع النظارة عن عينيه ومسحها في طرف المنديل ثم وضعها على عينيه، وأطل طويلا تردد، ثم مشى بعرج ملحوظ، وتهدل في كتفيه، وقف على ناصية الشارع لحظات ثم اختفى.
هنا نتذكر جيرار جینت و نظریته حول عتبات النص، ومن ثم قدرة مصمم الغلاف على تجسيد عنوان الرواية (العجوزان) مستفيدا من تقنية (المرأة)، فالذي يدقق في الغلاف، يمكنه أن يلاحظ تطابق صورتي العجوزين وهما يعطيان ظهريهما للقارئ، ويتجهان إلى شجرة واحدة تحمل وجها عجوزا. ويعنى هذا أن كل منهما ظل للآخر وفقا الفكرة (البرسونا) في علم النفس، فالظل هو الآخر الذي بداخلنا، ويستطيع أن يعلن ما لا تقدر على إعلانه، وبه تكمثل الذات الإنسانية، وتحمى نفسها من الانشطار.
الرواية ليست مجرد مرثية للعجوزين بل سنرى عبر لقطات عابرة، وحكايات عن آخرين، أنها مرثية للزمن والمكان أيضا.. يعلن المكان عن حضوره بلا ترصد في حكاية (صياد المحبة) بائع أدوات الصيد العجوز الذي همشه المكان حتى واده في دكان صغير (متر متر) هذا الدكان كان له شئة ورنة، كنت زمان تصعد إليه بثلاث درجات، لأنني كنت حريصا بالطبع على أن يكون الدكان مرتفعا عن مياه المطر، والوحل، والمياه المدلوقة من جيراننا، وعفرتة العيال وزقاقنا هذا لم تدخله المجاري إلا من عدة سنوات، ودخله الغاز، وأيضا دخلته أسلاك التليفونات، وكلما حفروا.. ردموا وكلما ردموا ارتفعت الأرض وهبط الدكان كما ترى يا سيدي ؟!"
في الشاهد السابق سنلحظ علاقة جدلية بين الزمان والمكان، فكل تطور وإصلاح للشارع، هو اقتطاع من زمن صياد المحبة، وكل علو للأرض هو هبوط له، حتى أنه انتهى في دكان متر في متر أشبه بمقبرة، وفي فصل (لا عزاء) يضطر ( رفيق الحلواني) أن يذهب لعزاء إحدى قريباته، في البداية حاول أن يتهرب من مواجهة الموت لكن ابنته تخيره أن اسمه على رأس قائمة الأنساب بوصفه عميدا لعائلة الحلواني فينتبه ياه.. هل صرت عجوزا لهذا الحد؟.
وفي سرادق العزاء يقابل كل عجائز العائلة، ويتبادلون التذكارات والحكايات التي تخص سطوة الزمن وقدرته على النيل من كل مفردات الحياة، وشواهد ذلك في الرواية منثورة بذكاء في كل لقطة أو موقف أو مشهد، وتضمر معان عديدة عن هزيمة المثقف، انحسار اليسار، تفكك الحركة العمالية، صمت الماكينات في مصنع غزل المحلة، اختفاء دور السينما، احتلال المقاهي والتكاتك للطرقات، وبقاء كشك الموسيقى العجوز المتأنق وحيدًا مهجورا المكان إذن ليس مجرد جغرافيا، بل تاريخ أيضا. ليؤكد المعادل موضوعي للذات، كما يرى جاستون باشلار في جماليات المكان حيث تظل ذواتنا تبحث عن أماكننا القديمة.
ويعتبر فصل (زيارة متأخرة) حالة من التأمل الفلسفي السطوة الزمن و استبداده بكل معاني الحياة، فهو الساخر الأعظم، حتى من اختياراتنا ونجاحاتنا، فشخصية ( شعبان) نموذج النضال البروليتاريا، بدأ ببيع الورق الملون للأطفال على عربة يجرها بنفسه، حتى لقب بصانع البهجة، تعلم وتثقف، واغترب في بلاد النقط، والآن يعيش في فيلا حديثة، وعندما يزوره صديقاه فايز ورفيق تكتشف أن صانع البهجة أصبح أتعس خلق الله: بعد أن شربنا القهوة أكد أن النظارة من الذهب الخالص والساعة من الذهب الخالص، وكانت فناجين القهوة والكنكة من الفضة الخالصة، ثم انهمر في البكاء واحتضن فايز وهو يقول: هذا ما حصدته یا رفيق .. من كل عمري".
هكذا تتناسل الدلالات من المواقف والشخصيات والوقائع الصغيرة والمشاهد، وتمضى في إيقاع هارموني شديد التناغم لولا الفصل المعنى بثورة ٢٥ يناير، فعلى الرغم من البعد السياسي للرواية في كثير من لحظاتها، فقد بدا لي هذا الفصل غريبا على نسيجها المرهف وتائها في معناه المباشر بين رسائلها الإنسانية العميقة، التي تجلت في مجمل العلاقات بين رفيق وأصدقائه وابنته وكتبه وعالمه الشخصى الحميم. ولحسن الحظ كان فصل الثورة عابرا كأنه مجرد توقيع للمثقفين العجوزين (لقد هرمنا). إنهما عاشا حتى شاهدا حلقا قديما في ذاكرة الرفقاء، إنه حلم اليوتوبيا الذي وعد به الرفيق ماركس لكنه لم يتحقق، ولو انتيهنا إلى ما يحدث حولنا في العالم الآن، سندرك أنه لن يتحقق. لكن سبعون عاما من عمر رفيق الحلواني لم تضع سدى، كما ضيع شعبان في الأوهام عمره. بهذه المقارنة المضمرة، أصبح (رفيق) هو (الفايز) في مشوار الحياة.
«شجو الهديل».. سردية مُحكَمة من حُطام الواقع
النص حافل بألوان شتى من الصنعة الروائية
لغة الرواية درس بليغ فى إمكانات السرد المعاصر
كتب: د. محمود ذكرى
من محن الكتابة السردية أن يجنح الكاتب إلى التجريب محافظا - في الحين نفسه - على الإغراق في واقعية العمل: فالتجديد الحكائى ينأى بطبيعته عن لمس الواقع الخشن فضلا عن الإمساك بتلابيبه، وطليعية الشرد نجانب بالضرورة الأنماط المألوفه من القص. ورواية (شجو الهديل) أراد كاتبها - جار النبي الحلو - فيما يلاحظ أن يجمع بين طرفي هذه المفارقة الجمالية أي الجمع بين شذرات مأسوية موغلة في التصاقها بدنيا الناس - من جهة - ومن جهة أخرى الارتقاء بآليات الرواية إلى آفاق من اللعب الفني الشائق ( من تناوب بين الرواة، وسخرية ناعمة من الراوي العليم، واعتماد ثقيل على فطنة القارئ، واستخدام رهيف للغة اللقطة السينمائية، ومراوحة بين مستويات اللغة من العامية المصقولة إلى الغنائية الفصيحة المحلقة، بالإضافة إلى الاعتماد على الصوت الموحى والانطباع الدال والإشارة البليغة والإيماءة المعبرة!!).
اللافت أن المكان المختار لهذه الرواية. الذي تفور فيه أحداثها، هو بناية من طوابق معدودة تضم مجموعة متنافرة من السكان ولولا خبرة الروائي (صانع العمل) وقدرته على مجانبة المعتاد من القول في مثل هذه الأماكن الجاهزة السقط النص في وهدة النمطية، ولفقد تفرده المائز رغم رسو أقدامه على هذه الأرضية المألوفة البناء متعدد الطوابق.
لا تجرى وقائع (شجو الهديل) وفق نقلات زمنية مطردة على نهج الواقعية القديمة، وإنما هي منشورات حدثية في سياج البناء الذي هبط إلى منوره (فتحي) ذو النظر الكليل قادما من قريته، نازحا إلى المدينة التي راودت خياله كأكثر أشباهه من القرويين بتوصية من قريب لصاحب البيت (عبد السلام) ليقيم في مدينة المحلة الكبرى بلا عمل محدد ولا وظيفة واضحة فهو ليس بوابا ولا مستجديا ولا صاحب مشروع سوى ما طرأ عليه من رغبة في تربية الحمام الذي ملأ المنور والعمارة بالهديل ثم الماعز إلى أن عاد في النهاية من حيث أتى -القرية - أو ضرب في الأرض بعد أن لفظته العمارة والمدينة
ولكن فتحى - هذا اللاجئ إلى المدينة الفقير ضحل المواهب - أصبح بمرور أيام معدودات محوز اهتمام البيت والأذن الحافظة لما يتساقط لأذنيه من مشكلات جيرانه في الأعالى ومها تفاتهم النامة عن بعض أسرارهم! هذا فضلا عما يرويه له بعض السكان.
فتحي بأذنه اللاقطة وانغماسه السريع في أغلب أزمات هذا الخليط البشري المختلف والمتغاير والمتناقض -وببقية من نقائه وشهامتة؛ سار هو الشاهد على مأساة (بل ماسي!) جل السكان من فتاة يفتك بها السرطان (سهير)، وأخرى (امال) تجدب حياتها العاطفية برحيل الفنان التشكيلي المحيط عن حجرته (مرسمه) الواقعة أعلى البناء، و (عماد) الشاب القارئ -ابن صاحب البيت الجشع - الذي يعطف على فتحى ويدافع عنه ويصادقه ويشكو إليه من عسف أبيه وقسوته، و (حنان) التي تنتهى قصة حبها لحازم المعيد بالجامعة تحت وطأة تلاسن الطلاب عليهما !
وكأن فتحى جاء من ريفه ليكشف مرئية حقيقية تتردد أصداؤها كل يوم في المنور الموجش المظلم؛ مرثية حياة أبناء الطبقة الوسطى ممن تعصف بهم أمراض الأجساد والأرواح، ويستجدون من الحياة أدنى مطالب العيش الكريم. وتجرح نفوسهم بالحرمان بشتى صوره حتى يهربوا من جحيمهم الأرضي بالموت كـ ( سهير) فبقية المرارة في خلق صفيها وخطيبها وحبيبها (مالك)، أو بالأسى كـ (أمال) التي هجرها كمال الفنان الضيق يده وشيخوخة روحه وخوفه من المغامرة أو الخذلان كـ (حنان) التي تريص بها وبحازم الطلاب فشتعوا بهما؛ ورحل حازم بجرحه في سمعته فاصقا ما بينه وبينها!!
ولعل تأمل هذه الأسماء المقهورة لا يخلف في نفوس القراء سوى بوادر الدموع أو الابتسامات الأسيانه! لقد أخفق (مالك وحازم وكمال) عن الاكتمال بـ (سهير وحنان وأمال) يا للسخرية !!
إن العالم الموجش والحياة القاسية والفقر المخزى والخوف المربك، كل هذا يحول دون هذه المعاني التي تبزغ من تلك الأسماء الجميلة والفتي النابه (عماد) يكاد أبوه مالك البيت أن يسحقه، ولا يكف عن التربص به في مجيئة وذهابه
ومن أسف أن الناجي الوحيد من الماسي التي أحاطت بهذه الشخصيات - التي لا تخلو جميعها من قبل ومحبة ونقاء - هو المالك الفظ الغليظ الجشع (عبد السلام) الذي سارع بالبحث عن مستأجر لشقة سهير وأمها بعد موت الأولى وهجرة الثانية إلى حيث تتوى ابنتها، عبد السلام الرأسمالي الصغير ذو القلب القاسي الذي قبل فتحى على مضض ثم ضاق بهديل الحمام الذي أحيا المنور المعتم وملأه بترانيم المحبة وأمارات الحياة وعلامات الجمال
والملاحظ أن أسماء الشخصيات كلها تضمر عكس ما تبدى أو تكافاً بعكس ما تريد! ففتحى القروى عجز عن فتحالمدينة ومالك فقد سهير وكمال اعترته النواقص وحازم لم يكن حازما وسهير قتلت في ريعان شبابها وحنان جيل بينها وبين إعلان ما تضمره من حب ومودة لحازم وأمال باءت بالخذلان وعبد السلام كان حربا على جيرانه وابنائه وضيفه فتحى القادم من بلدته الريفية!
إن (شجو الهديل) ذات العنوان الحامل المفارقة لافتة، ليست رواية من النمط الهين خفيف الوزن، الذي يقدم لقارئه حكاية من الحكايات الحاشدة بما يلهى أو يُشجي فحسب إنها عمل مكثف ذو طبقات دلالية ومغامرات سردية ومعالجات قطنة لتداعيات -بل انهيارات - الواقع الراهن وأزماته الخانقة ومعضلاته المؤسية.
والنص على قصره النسبي حافل بألوان شتى من الضنغة الروائية ذات المذاق الفكري والسياسي - اللاذع أحيانا والناعم في أحيان أخرى - وهذا الملمحما يجعل من شجو الهديل) ملتقى الأهواء عدة لقراء مختلفى المزاج والذائقة فمحبو الواقعية يجدون أنفسهم إزاء عمل لا يمتطى أجنحة الخيال ولا يخاصم مجريات الحياة رغبة في أمثولة تسخر القارئ، وراغبو الغنائية يقفون على فقرات من الرواية مشبعة بغنائية ترية وحافلة بنغم باذخ وهواة اللغة الروائية الجيدة والجادة لا يعدمون طلبهم فلغة الرواية درس بليغ في إمكانات السرد المعاصر، ومن يبتغون الخروج على مقتضيات الحكى القديمة - وأخضها الراوي العليم - يعثرون على حشد من الرواة الفكرة والساذجين، ناهينا بالكم الضخم من الفناجيات الشخصية (المنولوجات) الفاتنة ذات التأثير النافذ على قارئها، أما من يرومون العمق الفكري واللمحة السياسية الحريفة والبعد الثقافي للنص المقروء فدونهم تخمة من هذه الإلماعات في (شجو الهديل)؛ فما أكثر هذه الصفحات التي تحمل في طياتها هما وطنيا أو سخطا إنسانيا أو احتجاجا على مظالم تنوء بها أكتاف الأبطال كل هذا دون ضحب مسرف أو خطابية جوفاء أو موعظة سقيمة.
والوجه الثقافي والأدبي بخاصة لا يغيب عن مجمل فصول العمل، فعماد يتأبط رواية اللص والكلاب) لنجيب محفوظ، ويدافع بضراوة عن سعيد مهران تم قرب نهاية شجو الهديل ينتقل إلى (ملحمة الحرافيش) ولنلحظ هذه النقلة الأخاذة، وكأن عماد يومئ إلى أن الصراع كان واضحالملامح محدد القسمات نسبيا، كما في اللص والكلاب، ثم غدونا في ملحمة من المهمشين (الحرافيش) الضائعين الباحثين عن الحرية والرحمة والعدالة في عالم يخلو منها.
تقيم "شجو الهديل " حوارا مع رفاق القلم من المدافعين عن الإنسان والذائدين عنه ككيان لا ينمو إلا في مناخ عادل خز؛ ومن هنا يتواتر ذكر (الحرام) ليوسف إدريس، وسهير تسمى مالك - هذا المثقف المكلوم والمكافح المأزوم والمحب الصادق -مداعبة (مالك الحزين) مستعيرة اسم رواية إبراهيم أصلان التي قرأها معا؛ وعلى هذا النحو لا ينطلق عمل جار النبي الحلو من فراغ ولا يتعالى على ذكر بعض من نوابغ صحبة القلم ويلوح للقارئ بأعمال روائية سابقة سلكت طرقا أخرى موازية لشجو الهديل أو متاخمة لها أو ملتقية معها في بعض غاياتها؛ ولذا يخرج قارئ هذه الرواية الجديدة بطائفة من الفتع الفنية لا تتوافر على هذه الصورة إلا في الأعمال الكبرى، المكتوبة بحنكة قلم سردی قديم - وأكاد أكتب عجوزا ووعي عميق بالحياة، ومعرفة أخاذة بالضنعة السردية العصية.
شهادة غير مجروحة..
عن ذلك العطف وتلك الرهافة !!
كتبت: وسام جار النبى الحلو
في كل مرة أكتب إلى أو عن أبى "جار النبي الحلو" كنت أحاول الفصل بين كونى ابنته وإحدى قرائه، حتى تلك الأوراق التي كنت أتركها له وبها طلبات أو ملحوظات ليقرأها عندما يصحو أو يعود وأنا بالخارج، تلك المحاولات المبكرة للفصل أرقتني مثلما أرقنى أن أكون معتدلة في إظهار محبتى التي ظننت أنها مواراة وذلك من باب الحكمة، ومن باب أننى الكبرى والعقل يليق بي حتى قررت أن أتصالح مع فكرة أنه أبي وفي ذات الوقت الكاتب المتميز صاحب التجربة الخاصة، لا شك أن ذلك أرهقني سواء داخل الأسرة أو عندما أصر على أن أكتب اسمى هكذا عندما أنشر: وسام جار النبي الحلو" فكيف ولم لا ؟!!
ومنذ تلك اللحظة البعيدة وأنا أحتفى به كأب أو ككاتب بطريقتي المعلنة والخاصة خصوصية العلاقة التي بيننا؛ فـ "جار النبي الحلو" هو أبي وصديقي وابن قلبي وكاتبي المفضل ولم تنفصل أي من هذه الأدوار على مدار سنوات عمرى التي جاوزت الأربعين.. فحين يأتي ليأخذني من مدرستي الابتدائية يأتي إلى بقلب طفل وثاب وأب حان صادق المحبة يحمل على عبء ظهرى شنطة المدرسة وأمشى إلى جواره صديقين يلعبان طوال الطريق.. يدفعنى بكتفه الحنون أرد له الدفعة، ويشكو لى ابن قلبي ما يقلقه وما يحزنه وما يؤرقه حتى كبرت وأنا أعرف كيف أضمد الجرح وأحل المشكلة وأشارك الرأى.
وفي صباح يوم جديد أصحو على حنانه ورهافته، يمشط لى شعرى ولا يشد رباطه جيدا، كنت أقول:
كدا هيتنعكش يا بابا !!
فيقول:
- دا جميييل
في أعياد ميلادي كان يصطحبني للكوافير وينتظرني بالخارج حتى أنتهى، كنت أخرج فرحة متألقة وأود أن أرقص معه رقصة "فاتن حمامة وعمر الشريف" في فيلم "سيدة القصر"، يفرح بطلاء أظافري، ولا يلومني على درجاتي المتواضعة فعرفت أن نهاية العالم ليست عند درجة مادة الحساب، وإنما جماله ينتظرني عندما نفتح أساطير دافنشي وألبوم جويا ومخبأ في شعر "ناظم حكمت" ولوحات "إيلوار" وشعر "لوركا" و "دنقل" و"درويش"، وأن العالم ما هو إلا قصة قصيرة كقصص "يحيى الطاهر عبد الله" أو "محمد المخزنجي" أو "تشيكوف" أو "ماركيز"، وأن كل يوم يمر وأظنه سيئا ما هو إلا مادة لذكرى تصنع نفسها وأن أخطائي الصغيرة ما هي إلا شيء عادى وما هي إلا بنت المرحلة.
نقل إلى خبرته وانتمننى على أسرار كتابته وشخوصه، ووضع بين يدى عالمه بأكمله لأخذ منه ما أريد ولأترك منه ما شئت معترفا بكل بطولة ومتحملا بكل شجاعة أنه ليس على أن أحب كل ما يحب، لكنني أظن أن هذا نادرا ما يحدث!!
أرانا دائما شخصا واحدا أتى للحياة مرتين مرتان بينهما ثلاثين عاما ليعيشا بذلك عمرا أطول وتجربة أوسع، وبعين أكثر دربة في اكتشاف العالم وبأخذ المواقف المناسبة منه.
وبعد كل هذا العمر هل لي أن أعترف بفتنتى بالصبى "جار النبي الحلو" في حكاياته، وبالشاب الثوري في القبيحوالوردة" و "الحدوتة في الشمس" والرجل الحالم في "طعم القرنفل" والكهل العاشق في قمع الهوى" وبصاحب سيرة الذات والمكان في رواياته: "حلم على نهر" و "حجرة فوق سطح" و"قمر الشتاء" و"عطر "قديم" والعجوز الأسيان على زمن ولى وعمر هرب وحلم فلت في "العجوزان" والراصد الواقع مهترئ في شجو الهديل "!!
وهل لي أن أثمن دوره الفذ في أدب الطفل الذي يتعامل معه بمنتهى الجدية والوعى والحرفية وهو قانع تماما أن "أندرسون" ليس كاتب الأطفال الوحيد في العالم، مقدما أدبا مغايرا غير عابئ بالسبوبة أو بمعايير الجوائز الضخمة التي طوعت الكثيرين للكتابة وفق توجهاتها.
وللإجابة عن جواز اعترافي بالفتنة سأحكى حكاية لا تبرحنى
صغيرة أنا وحدى في حجرة لا أتذكر من أثاثها وفرشها سوى حصيرة زرقاء ذات وردة كبيرة وردية اللون، وحدى أمام علبة بودرة التلك ذات الثقوب الكثيفة، وسوست لى نفسي فأمسكتها وظللت ألف وأدور، ناثرة منها أشكالا بديعة على الحصيرة الزرقاء، وحين دخل أبي كنت قد انتهيت من اللعبة وواقفة أتأمل الأشكال المدهشة
فسألني:
مین عمل كدا ؟!!
فأجبته: مش أنا.
قال: طيب!!
وبهدوء بالغ محا آثار جريمتي (لعبتى). كنت وقت ذاك أرسم رسوما تدهش أبي وأصحابه ويحفظها مفرودة تحت "شلتة الأنتريه" وكان يفرح كلما أخبرته أنني أود أن أصبحفنانة، فيغمر حياتي بالأقلام الملونة وكل أنواع الورق لأرسم. في المساء شالني على ظهره قائلا: ياللا ننام وفى المسافة من حجرة لحجرة همس لی
- مش عايزة تطلعى فنانة ؟!! قلت له:
!!آه-
قال:
- الفنان صادق لا يكذب !!
تذكرت الحصيرة وبودرة التلك واستوعبت الرسالة، وقررت ألا أكذب على صديقى العطوف أبدا.
ولا يزال ذلك المشهد يحيرني كيف بكل هذه البساطة.. بكل هذا العمق...
بكل هذه الرهافة جعلني لا أجرؤ على الكذب عليه، ومنذ تلك اللحظة انتابني شعور أنه يرانى حتى وأنا لا أراه، وتحول ذلك الإحساس من مجرد شعور إلى يقين يحوطني كلما حطت الدنيا على.. فهل لهذا الأب الرؤوف أن يسمح لى ذات يوم بأن أكتب شهادة مجروحة ؟!! وهو الذي لقنني منذ طفولتي: "حافظ على شرفك منذ أيام صباك".. لا أظن!!
فليسمح لي بعد كل هذا العمر وكل ما بيننا من صفو المحبة ورقة العطف أن أذكر في شهادة غير مجروحة عن شرفه ونبله وحنوه و رهافته وصدقه ومكانته ككاتب يطاول عندى "تشيكوف" و "ماركيز" و "سارويان" و "ساراماجو" وأن يأذن لي أن أخبره على الملأ أننى أنحنى له احتراما وشكرا وتبجيلا واعترافا لما يقدمه كل يوم بدءا من "صباح الفل" وحتى "خلى بالك من نفسك" ليلا، وأن أخبره أنني أخاف عليه خوف الأم على وليدها !! وأنني لو قضيت عمري أقبل رأسه ويده وقدمه على ما قدمه لى لن يساوى لحظة واحدة من لحظات عطفه ورهافته البالغة حد الجرح...
أحبك يا أبي !!
البحث عن كتابة خالدة
كتب: أحمد عامر
أن تسكب روحك على الورق وترعى كائنات أنت خالقها، وتفرح وتحزن معها لتكتمل الحياة، وتقدم للقارئ عالما شديد الخصوصية متشابكا وحيا ليس أمرا سهلا، لأنه يحتاج الموهبة طاغية لا يمنحها الله إلا لقلة من الكتاب، وجار النبي الحلو واحد من هؤلاء فهو صاحب الاسم المميز الذي يصعب نسيانه وصاحب مشروع إبداعي خاص يتميز بالبساطة والحضور الإنساني، فهو صياد ماهر موفق في اصطياد لحظة إنسانية نادرة وينفخ فيها من روحه لتبقى طويلا.
تعرفت على كتابات جار النبي الحلو في نهاية التسعينيات، وكنت مشغولا بقراءة الأعمال المتاحة لنجيب محفوظ وثروت أباظة وإحسان عبد القدوس، وكنت أكتب القصة على استحياء، وعندما نصحني صديق بقراءة الأدباء معاصرين وعرفت منه أماكن بيع الكتب وقفت طويلا أمام العنوان "حكايات جار النبي الحلو" وكنت أعتقد أنه كتاب ديني ولا أعلم لماذا اشتريت الكتاب وانتهيت من قراءته في نفس الليلة، وهذه كانت خطواتي الأولى للتعرف على كتابة مختلفة كتابة تمنحنى الإحساس بأنني أحد هؤلاء الأبطال المنسيين.
كنت قد قرأت القليل من الأعمال للج
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تدرج فى الصعود السياسى من رئيس تحرير صحيفة جامعة هارفارد حتى بلغ منصب حاكم نيويورك ورئيس الجمهورية لأربع فترات رئاسية...
جائزة الدولة المصرية أرقى وأهم الجوائز على الإطلاق الناقد فى عالمنا العربى مظلوم.. وانسحابه أفسح المجال للمجاملات والشللية
تعرض للتنمر فى طفولته بسبب اسمه ونحافته.. وظل مخلصًا لمبادئه حتى النهاية أسرته أعلنت عن إطلاق جائزة للرواية تحمل اسمه...
جار النبى الحلو، اسم له خصوصية شديدة، فهو ليس مجرد روائى كبير، لكنه يمثل كثيرا من المعانى والدلالات، التى تستشفها...