الفتاة المصرية.. قوة رياضية على منصات التتويج تستحق مشروع دولة

مصر لا تبحث عن بطلة جديدة.. مصر تملك بطلات، وما تحتاجه هو أن تكتشفهن قبل أن يكتشفهن العالم.

شيرين الشافعي
رئيس تحرير بقناة النيل للأخبار
ماجستير إدارة أعمال

 

من رمية رمح صنعت بها أسيل أسامة تاريخًا جديدًا لألعاب القوى المصرية، إلى منصات التتويج التي وقفت عليها فتيات مصريات في الكاراتيه ورفع الأثقال والتايكوندو والرياضات البارالمبية، تتشكل أمامنا حقيقة تستحق أن تتجاوز الاحتفاء اللحظي: الفتاة المصرية ليست فقط صاحبة موهبة رياضية، وإنما قوة قادرة على صناعة الإنجاز ورفع اسم مصر في أكبر المحافل الدولية.

ذهبية أسيل أسامة في بطولة العالم للشباب لألعاب القوى ليست مجرد ميدالية تُضاف إلى رصيد الرياضة المصرية؛ إنها رسالة واضحة بأن الموهبة المصرية، حين تجد من يكتشفها ويصقلها ويدعم مسارها، قادرة على الوصول إلى منصة عالمية.

لكن الإنجاز يفتح سؤالًا أكبر من الاحتفال: كم أسيل أسامة أخرى تقف اليوم في مدرسة أو نادٍ أو مركز شباب، وتمتلك الموهبة نفسها، لكنها لم تحصل بعد على الفرصة التي تجعل العالم يعرف اسمها؟

هنا تحديدًا يبدأ النقاش الحقيقي حول مستقبل الرياضة النسائية المصرية؛ لأن صناعة البطلات ليست حدثًا رياضيًا عابرًا، وإنما مشروع دولة يبدأ من اكتشاف الموهبة ولا ينتهي عند منصة التتويج.

أسيل أسامة.. من ذهب الميدان إلى قوة مصر الناعمة

تتويج البطلة المصرية أسيل أسامة بالميدالية الذهبية في بطولة العالم للشباب لألعاب القوى يمثل محطة فارقة في مسيرتها وفي تاريخ المشاركة المصرية بالبطولة. لكن الأهم من الميدالية نفسها هو المسار الذي قاد إليها.

فالبطلة التي تصل إلى بطولة عالمية لا تظهر فجأة، وإنما تقطع سنوات من التدريب والمنافسة والانضباط، وتتعلم من الخسارة قبل أن تعرف طعم الفوز. وكل منصة تتويج تقف عليها لاعبة مصرية تحمل خلفها منظومة كاملة من الأسرة والمدرب والمؤسسة الرياضية والإمكانات التي ساعدتها على الاستمرار.

وهنا يجب أن يتغير السؤال من: كيف نحتفل بالبطلة؟ إلى: كيف نصنع المزيد من البطلات؟

فالدولة التي تريد أن تجعل الرياضة أحد روافد قوتها الناعمة لا ينبغي أن تنتظر الموهبة حتى تصل إلى العالمية، وإنما عليها أن تبحث عنها قبل أن تصبح بطلة؛ في المدارس، ومراكز الشباب، والأندية، والقرى والمحافظات، ثم توفير مسار واضح يسمح للموهبة بالانتقال من مرحلة التجربة إلى مرحلة المنافسة، ومن المنافسة المحلية إلى الاحتكاك الدولي.

فالفتاة التي ترفع العلم المصري على منصة عالمية لا تحقق إنجازًا رياضيًا فقط، بل تقدم صورة إيجابية عن مصر أمام العالم، وتمنح أجيالًا جديدة من الفتيات نموذجًا حيًا لما يمكن أن يصلن إليه.

ومن هنا تصبح الرياضة النسائية جزءًا من القوة الناعمة المصرية؛ فكل بطلة مصرية تصل إلى منصة دولية تتحول، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى سفيرة لصورة مصر وقدرة أبنائها على المنافسة والتميز.

بطلات مصريات.. مواهب تتجاوز حدود الرياضة

أسيل ليست حالة منفردة، وإنما حلقة جديدة في سلسلة طويلة من النماذج المصرية التي أثبتت قدرة الفتاة المصرية على المنافسة في رياضات متنوعة، نذكر منها وليس على سبيل الحصر: في الكاراتيه، صنعت فريال أشرف تاريخًا استثنائيًا عندما أصبحت أول امرأة مصرية تحصد ذهبية أولمبية، بعد تتويجها في أولمبياد طوكيو 2020.

وفي رفع الأثقال، واصلت سارة سمير كتابة اسمها بين أبرز الرياضيات المصريات، بعدما أحرزت الميدالية الفضية في أولمبياد باريس 2024، لتضيف إنجازًا جديدًا إلى مسيرتها الأولمبية.

أما هداية ملاك، فأصبحت واحدة من أبرز الوجوه النسائية في الرياضة المصرية، بعدما حصدت برونزيتي أولمبياد ريو 2016 وطوكيو 2020 في التايكوندو.

ثم تأتي الرياضة البارالمبية لتقدم نموذجًا أكثر عمقًا ودلالة مع رحاب رضوان، بطلة مصر في رفع الأثقال البارالمبي، التي توجت بذهبية دورة الألعاب البارالمبية باريس 2024.

هذه النماذج، رغم اختلاف الرياضات والمسارات، تجمعها حقيقة واحدة: الموهبة المصرية لا تعرف قالبًا واحدًا. قد تظهر في ألعاب القوى، أو رفع الأثقال، أو التايكوندو، أو الكاراتيه، أو السباحة، أو الرماية، أو غيرها من الألعاب، وقد تظهر لدى فتاة من بيئة رياضية متخصصة، أو لدى فتاة تحتاج إلى من يكتشفها ويمنحها الفرصة الأولى.

وهنا تأتي أهمية توسيع مفهوم الاستثمار في الرياضة النسائية؛ فليس من المنطقي أن يتركز الاهتمام فقط على الألعاب الأكثر جماهيرية، بينما توجد رياضات فردية يمكن أن تمنح مصر فرصًا كبيرة على المستوى القاري والدولي والأولمبي.

كما أن الرياضة البارالمبية يجب أن تكون جزءًا أصيلًا من هذه الرؤية. فالبطلة من ذوي الهمم عندما تصل إلى منصة التتويج لا تحقق إنجازًا رياضيًا فقط، وإنما تقدم رسالة مجتمعية أوسع حول القدرة والمشاركة والاندماج وتجاوز الحواجز.

إن نجاح بطلات مثل رحاب رضوان يفتح الطريق أمام فتيات أخريات ليدركن أن الاختلاف في القدرات لا يعني اختلاف الحق في الفرصة. وهنا تتحول الرياضة إلى أداة للتمكين الحقيقي؛ لأنها لا تمنح الميدالية فقط، وإنما تمنح الثقة والانتماء والمساحة اللازمة لإثبات الذات.

من اكتشاف الموهبة إلى صناعة البطلة.. مشروع دولة

إذا كانت البطلة هي الواجهة التي يراها الجمهور، فإن المنظومة التي تقف خلفها هي التي تصنع الفارق الحقيقي. ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية أكثر شمولًا للرياضة النسائية المصرية، تبدأ من سؤال استراتيجي بسيط: كيف نكتشف الموهبة مبكرًا؟

المدرسة يجب أن تكون إحدى أهم محطات اكتشاف المواهب، وليس فقط مكانًا للتعليم الأكاديمي. ومراكز الشباب يمكن أن تتحول إلى شبكة واسعة لرصد الموهوبات في مختلف المحافظات والقرى، خصوصًا أن كثيرًا من البطلات المحتملات قد لا يصلن إلى الأندية الكبرى.

كما يمكن للتكنولوجيا أن تلعب دورًا مهمًا في بناء قاعدة بيانات وطنية للمواهب الرياضية، تتضمن نتائج اللاعبات وتطورهن ومستوياتهن، بما يسمح بمتابعة مسيرتهن وفق معايير علمية واضحة.

ثم يأتي الاستثمار في المدرب؛ فالرياضة الحديثة لم تعد تعتمد على التدريب البدني وحده، وإنما أصبحت علمًا متكاملًا يضم تحليل الأداء، والتغذية الرياضية، والطب الرياضي، والإعداد النفسي، وإدارة الأحمال، والوقاية من الإصابات، والاستفادة من التكنولوجيا.

والفتاة التي نريد لها أن تنافس عالميًا يجب أن تحصل على منظومة إعداد عالمية.

كذلك يجب ألا يكون النجاح الرياضي على حساب التعليم. فالبطلة المصرية ليست مجرد لاعبة، وإنما شابة لديها مستقبل طويل، ولذلك فإن توفير مسارات تعليمية مرنة للرياضيات المتميزات يمكن أن يساعدهن على الاستمرار في المنافسة دون أن يشعرن بأن النجاح الرياضي يهدد مستقبلهن الأكاديمي.

وهناك ملف آخر لا يقل أهمية: الاستمرارية بعد الإنجاز. فالميدالية ليست نهاية الطريق. أحيانًا يكون أصعب اختبار للبطلة هو ما بعد الفوز؛ عندما ترتفع التوقعات، وتشتد المنافسة، ويصبح الحفاظ على المستوى أكثر صعوبة من الوصول إليه للمرة الأولى.

ولهذا فإن أسيل أسامة، بعد هذا الإنجاز العالمي، تحتاج إلى مسار إعداد طويل المدى يواكب طموحها، ويمنحها الاحتكاك الدولي المناسب، والرعاية العلمية والطبية والنفسية اللازمة. والأمر نفسه ينطبق على كل بطلة مصرية أثبتت قدرتها على المنافسة.

الدولة لا تحتاج إلى أن تبدأ معها من الصفر بعد كل بطولة؛ بل تحتاج إلى أن تبني مسارًا مستمرًا من الناشئات إلى النخبة. وهنا يمكن أن تتحول الرياضة النسائية من مجموعة قصص نجاح فردية إلى قطاع منتج للقوة الناعمة المصرية.

فالعالم يتابع البطولات الكبرى، ويرى أعلام الدول، ويتعرف إلى أسماء اللاعبين واللاعبات، ويكوّن صورًا ذهنية عن المجتمعات التي يمثلونها. وعندما تتكرر رؤية المصريات على منصات التتويج، فإن مصر لا تحصل فقط على ميداليات؛ بل تحصل على حضور دولي وتأثير وقوة ناعمة.

ومن هنا يجب إعادة تعريف مفهوم «دعم الرياضة النسائية». الدعم ليس فقط مكافأة مالية بعد الفوز، وإن كانت المكافأة حقًا مستحقًا للبطلة؛ وإنما الدعم الحقيقي هو استثمار قبل الإنجاز، وحماية أثناء المسيرة، واستدامة بعد التتويج.

أن تحصل الفتاة على فرصة عادلة لاكتشاف موهبتها، وأن تجد المؤسسة التي تؤمن بها، والمدرب الذي يطور قدراتها، والرعاية التي تحافظ على مستواها، والأسرة التي ترى في الرياضة مسارًا حقيقيًا للمستقبل.

إن قصة أسيل أسامة تضع أمام مصر فرصة مهمة لإعادة التفكير في خريطة الرياضة النسائية. فالذهب الذي عاد من بطولة العالم ليس مجرد لحظة للاحتفال، وإنما إشارة إلى أن هناك مواهب أخرى قد تكون ما زالت بعيدة عن أعيننا.

ربما تقف فتاة اليوم في مدرسة بإحدى المحافظات وتمتلك القدرة على أن تصبح بطلة عالمية، وربما تحتاج فتاة من ذوي الهمم فقط إلى فرصة لتكتشف أن الرياضة يمكن أن تمنحها مساحة جديدة للإنجاز، وربما تحتاج فتاة أخرى إلى شخص يؤمن بها ويقول لها: جربي.

ومن هنا يبدأ الدور الحقيقي للدولة والمجتمع والأسرة والإعلام والمؤسسات الرياضية: أن نبحث عن هؤلاء الفتيات، وأن نمنحهن الفرصة، وأن نؤمن بقدراتهن، وأن نبني لهن الطريق من الموهبة إلى منصة التتويج.

فمصر لا تحتاج فقط إلى أسماء جديدة على منصات التتويج؛ بل تحتاج إلى جيل كامل من البطلات اللواتي يمثلن نموذجًا للانضباط والطموح والثقة والقدرة على المنافسة.

أسيل أسامة اليوم بطلة عالم، لكن الأهم أن تكون قصتها بداية لسؤال أكبر:

كم بطلة مصرية يمكن أن نصنع إذا تحولت الموهبة من صدفة إلى سياسة، ومن الإنجاز الفردي إلى مشروع دولة؟

الإجابة لن تُكتب بالكلمات، وإنما ستظهر في الملاعب والمنصات والأعلام المصرية التي سترتفع في البطولات الدولية.

وحينها فقط لن نكون أمام بطلة صنعت التاريخ وحدها، بل أمام دولة عرفت كيف تكتشف بناتها، وتستثمر في قدراتهن، وتمنحهن المكان الذي يستحققنه في صناعة صورة مصر ومستقبلها.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

الفتاة المصرية.. قوة رياضية على منصات التتويج تستحق مشروع دولة

مصر لا تبحث عن بطلة جديدة.. مصر تملك بطلات، وما تحتاجه هو أن تكتشفهن قبل أن يكتشفهن العالم.

حين يصبح الغد مكانًا نعيش فيه

لماذا نؤجل أهم الأشياء... رغم أننا نعرف أنها قد تغيّر حياتنا؟

دراسة تحليلية وصور نادرة لكشف مدينة عسيلة بطريق الحج المصري القديم

كشفت بعثة المجلس الأعلى للآثار بمنطقة آثار شمال سيناء للآثار الإسلامية والقبطية عن بقايا مبنى أثري بمدينة "عسيلة" المندثرة، يرجح...

اليوم العالمي للشباب

يُحتفل باليوم العالمي للشباب في 12 أغسطس من كل عام، تأكيدًا على الدور المحوري للشباب في بناء مستقبل أكثر ازدهارًا...