كيف تحوّل صوت مصرى إلى أيقونة نضال فى تونس

نجيب بولعراس: كنا نُهرّب أشرطة الشيخ إمام كأنها مخدرات استضفته فى منزلى شهرًا كاملًا وتعلّمت منه الكثير قدّرت تونس الشيخ إمام أكثر مما فعلت مصر تم تفتيشى فى المطار بسببه والطريف أن رجال الأمن طلبوا أشرطته سرًا كانت حفلاته جماهيرية فالقاعة تتّسع لخمسة آلاف بينما يحضر سبعة آلاف رفض مقابلة وزير الشئون الاجتماعية ولم يوافق إلا بعد أن علم أنه مناضل قديم

لم يكن الشيخ إمام مجرد فنان سياسى وقف بأغانيه معارضا للسلطة في مصر، كان صوتا احتجاجيا عابرا للحدود، وجد فى تونس الشقيق صدى فاق حضوره في بلده الأصلي.

في هذا الحوار، يستعيد الناشط السياسي التونسي نجيب بولعراس تفاصيل علاقة استثنائية جمعت التونسيين بالشيخ إمام، من التداول السري لأغانيه في السبعينات، إلى الحفلات الجماهيرية التي جمعت حوله آلاف المحبين فى الثمانينات والتسعينات، ويتوقف عند لحظات إنسانية، عاشها معه بعد أن استضافه في بيته لمدة شهر.

لم يكن بولعراس مجرد شاهد على التجربة، بل كان فاعلا في قلب المشهد النضالي والثقافى التونسي، برز في سبعينات القرن الماضي كناشط طلابي، ثم انخرط فى العمل العام، قبل أن يواصل مسيرته المهنية منسقا إقليميا لاتحاد البريد العالمى فى البلاد العربية، ثم رئيسا للجمعية التونسية لأهداف التنمية المستدامة.

في هذا الحوار، يستعيد بولعراس ذكرياته مع الشيخ إمام، ويروى كيف تحول إلى أيقونة لا تزال حاضرة في وجدان الشعب التونسي حتى اليوم.

من الملاحظ أن الشيخ إمام له حب خاص في تونس خاصة لدى الأوساط الثقافية، الحب ده جای منین؟

جای من انسجام ها و عاطفی ثوری نضالي لأن الشيخ إمام كان يعبر عن كل ما يخالج جوارح الشعب التونسي أو المواطن التونسى اللي يحس بالظلم وبالقهر، فأغنية الشيخ إمام تعبر عنه لذلك هو متعاطف ومنسجم معاها وبعدين لما نسمع إن الشيخ إمام مظلوم ومقهور في بلده ومسجون كذا مرة فبطبيعة الحال التعاطف يزداد أكثر فأكثر .

حضرتك بشكل شخصی عرفت الشيخ إمام إزاى ؟

عرفت الشيخ إمام سنة ١٩٧٥، السنة إللى دخلت فيها الجامعة، وكنت ناشط وقتها في الحركة الطلابية، اكتشفنا أغانيه وبدأنا نتداول أشرطته بشكل سرى وفى سنة ١٩٧٦ ذهبت إلى فرنسا لأواصل دراستي العليا، وفي يناير ۷۷ زارت فرنسا الفنانة عزة بلبع وعرفنا منها أن الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم موجودين في السجن، ونظم لها الطلبة التوانسة حفلا هناك وغنت للشيخ إمام، وبعدها بسنتين أو ثلاث سنوات جه الشيخ نفسه إلى باريس وغنى فيها، ولما رجعت تونس دعاه الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ونظمنا له حفلا وكنت من المنظمين سمينها ٦ ساعات من أجل الحريات"، كانت في قبة الملعب الأوليمبي في المنزه في العاصمة وكانت حافلة ناجحة جدا.

كانت تسجيلات الشيخ إمام موجودة في تونس؟

كان عندنا أخ مناضل أسمه الهاشمي بن فرج، كان يدرس في فرنسا، وأول أشرطة للشيخ إمام نسخها وطبعها في فرنسا وجابها على تونس في بداية السبعينات وكان يتم تداول الشريط وكأنه مخدرات كنا بنعديه لبعضنا وننسخه بصفة سرية جدا وكنا نكتب عليه إسم فنان أو فنانة من المعروفين العاديين حتى لا نكتشف من البوليس السياسي، لكن إنتشرت الشرايط بعدين بحكم إنها إتنسخت كتير وبعدين تم إستدعاء الشيخ في تونس كذا مره وعمل حفلات والناس إستغلت الحفلات وسجلت كاسيتات كتير

أنا أفهم إن في مصر يتم حصار أغاني الشيخ ومنع تداول أغانيه لمهاجمته السلطات المصرية، لكن في تونس.. ليه ؟

لأنه يعبر عن حال المواطن التونسي إللى حاسس نفسه مظلوم من نظامه والأنظمة العربية كلها متشابهة في استبدادها ومعاملتها لمواطنيها ورفضها كل فكر حر ورفضها للديمقراطية، ولأن الشيخ إمام يعبر عن ما في جوارحنا وما يخالجنا الأنظمة ما تحبوش تكرهه فكانت منعاه تماما، وبعدين انفتحت

شويه وبقت تسيب الشيخ إمام ولكن تحاصره، وأتذكر سنة ١٩٩١، لما نزلت مصر أجيب الشيخ، تعرضت لشبه إهانة في مطار القاهرة، رغم أنا جاي برسالة

رسمية من وزارة الشئون الإجتماعية إنى حنجيب الشيخ إمام في حفل، ومعايا

تاشيرة من السفارة المصرية، دخلوني لأوضة مقاومة المخدرات وبقيوا معايا أكثر من نصف ساعة وهما يبحثوا فيا وكأني مروج حشيش.

ونفس الشيء تكرر في مطار تونس، جانا البوليس، حضرتك نجيب بولعراس؟ قلت أيوه، هذا هو الشيخ إمام؟ قلت آه، قال إتفضل معانا، وفتشونا وفتشوا الشنط والكتب اللي كنت مشتريها من مكتبة مدبولى، وأتذكر واحد من البوليس قرب من أذنى يومها، وقال لي ممكن أطلب منك حاجة ؟، قلت له: إتفضل، قال لي: لو عندك شريط كاسيت للشيخ إمام تديهولى الله يخليك يعنى شوف البوليس التونسي بيمارس وظيفته لكن شعوره الشخصي مختلف لأنه من المواطنين العاديين الطبقة الكادحة، فكان سامع عن الشيخ إمام وربما كان طالب سابقا أو عنده إخوات طلاب.

الشيخ إمام عمل كام حفلة في تونس؟

عمل كثير، أول حفل تقريبا كان في ۷۹ وبعدين رجع في ٨٠ ثم ٨٤ و ٨٥ و ۸۹، وآخر زيارة أنا جبته باسم جمعية متساكني حي المروج الثاني"، كانت في نوفمبر ۹۱ ضمن عملية وطنية للتبرع المعاقين الحركة العضوية، وكانت الفكرة بتاعتنا نجيب الشيخ إمام لأننا بنعرف حب التوانسه له ونجاح حفلاته عامة ورحت جبته من مصر، وأقام عندي في البيت شهر وشويه، وعملنا حفل يوم ٢٩ نوفمبر صادف ذكرى التضامن مع الشعب الفلسطيني، كان في قصر المؤتمرات في القبة وكان حفل ناجح جدا.

مين كان بيحضر حفلات اليسار فقط ولا الإسلاميين نوعية الجمهور؟

أكاد أجزم أن الشيخ إمام في تونس وحد كل الطوائف السياسية، حتى الإسلاميين جابوه وعملوا بيه حفلات، وأتذكر لما دعوه منعوا الشيوعيين التوانسة يتصلوا بيه وعملوا بيه حفلات تكاد تكون مخصصة ليهم، لكن الطوائف السياسية كلها من قوميين يساريين شيوعيين ديموقراطيين بصفة عامة كلهم يحبوا الأغاني الملتزمة وأغاني الشيخ إمام و حفلاته كانت جماهيرية جدا، يعنى "القبة" دى بتاخد حوالي خمسة آلاف لكن حضر الحفل سبع آلاف متفرج من أجل الشيخ إمام.

فيه أغاني محددة كانت مطلوبة ؟

فيه أغاني لازم الشعب يطلبها في كل الحفلات، زي "جيفارا مات" و "شيد قصورك".

حضرتك كنت مستضيفة في بيتك لمدة شهر ؟

أه، مراتي خصصت أوضه كاملة وعاش شهر كامل ياكل ويشرب معانا، وأنا بتنقل معاه وكنا نمشى في المسا لمقر لجنة متساكني المروج الثاني، كان عندنا كورال اسمه كورال الشيخ إمام كانوا حافظين أغانيه من قبل ما يجى على تونس، وغنى مع الكورال أغنيتين في الحفل، وكان الشيخ إمام معتزا بهذا الكورال لأنه بيحمل اسمه.

خلال الشهر ده، إيه الصفات بقى الشخصية إللى عرفتها في الشيخ إمام؟

التواضع كان الصفة الأساسية حبه الشديد لوطنه، كان بيتكلم عن مصر بحب كبير، وكان متأثر جدا من معاناته من الأنظمة، يقول لي: "تعذبت في عهد عبد الناصر وفي عهد السادات"، وكان متأسف جدا على ذلك - كانت له ثقافة دينية وسياسية كبيرة جدا، أنا تعلمت منه أشياء كثيرة في تفسيره للآيات القرآنية، وفي الأحاديث النبوية الشريفة ووضعها في إطارها والفرق بين الأحاديث الثابتة والأحاديث اللى مشكوك في نقلها عبر الزمن، وكانت ثقافته السياسية كبيرة لأننا كنا تتناول الأوضاع في العالم من الاتحاد السوفيتي لغير ذلك، وكان يحب الناس ويحزن لما يكون وحده، فكل أما أقوله حد جاي يزورك يتبسط، وخلال فترة إقامته إتقابل مع شخصيتين رسميتين الأولى أحمد السماوي وزير الشئون الاجتماعية، لأن إحنا لما دعيناه طلبنا من الشئون الاجتماعية مساعدة مالية بحيث تقدر تتحمل مصاريف جلب الشيخ من مصر المدير مكتب الوزير اتصل بي وقال لي ممكن الوزير يقابل الشيخ ؟ فقلت له: ممكن، وأما عرضت الأمر على الشيخ قال لا، أنا مش جاي أقابل وزرا، ولما قلت له إن هذا الوزير كان مناضل سابق في اليسار التونسي، وافق ورحنا له وكانت جلسة حلوة، حكى فيها الوزير ذكرياته لما كان طالب في الجامعة وازاي كانوا بيتداولوا شرايط الشيخ إمام وإزاي مفرح بأغانيه، وأهداله لنصوله/ مراية حائط التو موجودة في بيتي مرضاش ياخدها معاه الشيخ مصر، قال لي: حمل زايد، وبعدين مش حاشوف وشي فيها، والشخصية التالية هي مدام نبيهه قبانه، نائب الوزير الشئون المرأة والأسرة، ونفس الشيء كانت تتنمى اليسار التونسي قابلته واتذكرت أما كانت طالبة بتسمع عنه وعن حكاياته وسجنه في مصر وكان مبسوط جدا بهذا اللقاء، تعرف إن الشيخ إمام عنده ميول كثير المرأء بيحب الصوت النسائي والملامسة النسائية.

تقصد كان يبحب الستات؟

أيوه يعنى لما وصلنا مطار تونس، قال ای و دینی نشتری برفيوم لصديقتي أنا ما دخلتش معاه في تفاصيل مين هي صديقته، وكنا وصلنا بدري وسجلنا ودفعنا الشنط بتاعنا ورحنا القري شوب إشترينا إللى عاوزه الشيخ.

تونس هي أكثر دولة عربية تقريبا عملت حفلات للشيخ إمام، هل دا راجع لحب التوانسة للشيخ وموسيقاه ولا لموقف تونس وقتها من مصر بعد معاهدة السلام؟

لا ملهاش علاقه بموقف تونس من مصر في مواقف أنظمة الشعب مالوش فيها، دا كان راجع لحب الشعب التونسي للشيخ إمام تعاطفا مع. الكلمة اللى كان بيرددها وبتستجيب لروح النضالات اللى كانت موجودة عند الطلبة والقوى الديموقراطية والتقدمية ضد الأنظمة المستبدة. والناس كانت متعاطفة معاه لأنه مش لاقي حظه في بلده رغم أهمية ما يغنيه، الناس حيثه واحتضنته، وأغانيه كانت توصل لعموم الناس البسطا والعمال، لأن أغانيه مفهومة وسهلة وبسيطة وجميلة في لحنها وتعبيراتها.

قلت لي انكم كنتم بتعملوا للشيخ إمام شرايط وتكتبوا عليها اسم مطرب فضل الموضوع ده كتير؟

لا لا، حصل انفتاح بصفة تدريجية وسمحت السلطة إن يجيلنا الشيخ إمام في ۷۹، وفي البداية كانت محاصرة شوية، وبعدين اتكررت الزيارات الزيارة الوحيدة اللي منعتها السلطات كانت سنة ٨٤، لأننا كنا لسه خارجين من ثورة الخبز في تونس، أظن دى المرة الوحيدة اللي تعرض فيها الشيخ إمام للطرد من المطار، رغم أن الاتحاد العام التونسي وقتها هو اللى كان داعيه وكان بايع التذاكر وكانت كل الناس تستنى فيه بس السلطة مكنتش عايزه الشيخ إمام يحيى الذكرى هاديك.

الحفلات كلها كانت بتذاكر مدفوعة الأجر؟

كانت بتذاكر ومدفوعة الأجر بطبيعة الحال ما هو فيه تكاليف الحفل وتأجير القاعات والسفر والحفل الأخير إللى إحنا نظمناه بعنا كل التذاكر، وكل دخلها راحت تبرع لجمعية المعاقين عن الحركة العضوية.

لسه بتسمع الشيخ إمام لحد دلوقت يا أستاذ نجيب؟

طبعا، بسمع الشيخ لحد دلوقت .

أيه الأغاني المفضلة ليك؟

لا مفيش أحسن، كل أغنيه ولها قصتها وشعورها وأهدافها، أنا أستمتع بصراحه بأي أغنيه للشيخ إمام، وأصدقائي بيبعتولى أغانيه وأغاني مارسيل خليفة طول الوقت.

حضرتك عشت بمصر ٧ سنين أو ٨ سنين تقريبا، أيه الفرق إللى حسيته في معرفة الناس بالشيخ إمام في مصر ومعرفة الناس بيه في تونس؟

بكل صراحة، ما حسيت بالشيخ إمام في مصر إلا بعد ثورة ٢٥ يناير مرات قلائل جدا سمعت فيها أغاني الشيخ إمام عند ساقية الصاوى، أو مع عزه بليع وحضرت کام مهرجان كان فيه لقاءات قليلة بتتكلم عن الشيخ وبتغنى أغانيه ودا خلاني أكون معتز كتونسي إن إحنا مهتمين أكثر بالشيخ إمام وعاطينه قيمته وقدره وتحاول تعرف أغانيه وإحنا إللى وصلناها للجزائر وليبيا، وحاولنا ننشرها على قدر ما استطعنا وحاولنا نخرجها من الوسط الطلابي في تونس وأصبحت كل الناس إللى تحب الأغنية الملتزمة المعبرة الهادفة يحبوا الشيخ إمام، لأنه غير إنه فنان هادف عنده طريقه في الأداء، إنسجامه هو شخصيا مع الأغنية بتاعه، لما يغنى كل جوارحه بتتحرك رأسه، رجله، يحس بالجمهور لما يقف في القاعة ويصير يطبل على العود بتاعه، تحس إنه بيتجاوب مع أغنيته ويعيشها بروحه الكاملة.

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

لااا
امام
لبلل
قبل «نجم » و «الطلب ».. شاهد يكشف أسرار سنوات «إمام » الأولى
سيد

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - العتب ع المطر

لا تبحث في الصورتين عن الرؤوس أو الوجوه، فقد اختفت في "الجواكت" في ظروف غامضة!

«السماء الثامنة ».. أول رواية مصرية عن مأساة غزة

سلماوى يسجل تاريخ القضية فى قصة حب عاصفة قصة غرام «إيمان» و «عمر» تبدأ بمظاهرة لنصرة غزة 2006 وتنتهى ب...

سمير غريب مفكر كشف الستار عن أهم جماعة فنية فى الأربعينات

عاون فاروق حسنى وتولى رئاسة أربعة أجهزة ثقافية كبيرة ألقى الضوء على رواد السريالية ومؤسسى جماعة الفن والحرية فى كتابه...

ماجدة حسانين: أصعب ما يواجه الشاعر أن يظل صادقًا وسط الضجيج

أصدرت 3 دواوين وتكتب المسرح والقصة القصيرة الشعر ليس وزنًا وقافية بل أن ترى العالم بعين أكثر انتباهًا حضور المرأة...