استمر الحج عبر مصر إلى البقاع المقدسة في الحجاز لعدة قرون عبر العصور الإسلامية المتتالية كرسالة حضارية وتفاني لخدمة حجاج بيت الله الحرام.
د. عبد الرحيم ريحانرئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصريةدكتوراه في الآثار الإسلامية والقبطية- جامعة القاهرة
وجسّدت شجر الدر محطة مفصلية في تاريخ قوافل الحج عبر سيناء حين سلكت (درب الحج المصري) عبر سيناء لأداء الفريضة عام 645 هـ (1247 م) لتؤسس اللبنة الأولى لاستخدام هذا المسار البري كطريق رسمي ومختصر لقوافل.
وبدأت رحلات الحج حين استعاد السلطان الظاهر بيبرس الذي حارب الصليبيين لمدة عشر سنوات مدينة عقبة أيلة (بالأردن حاليا) من السيطرة الصليبية عام (665هـ / 1267م) فأحيى درب الحاج المصري عبر وسط سيناء وأعاده إلى سابق عهده طريقا للحج وقام الظاهر بيبرس بكسوة الكعبة وعمل لها مفتاحا ثم أخرج قافلة الحاج في البر على درب الحاج المصري وانتهى بذلك طريق الحجاج عبر صحراء مصر الجنوبية الشرقية عن طريق قوص- عيذاب وفي عام (667هـ / 1268م) زار الظاهر بيبرس مكة عن طريق أيلة
درب الحج عبر سيناء
يبدأ درب الحج المصري القديم من صحراء الريدانية (العباسية) كأرض مكشوفة غير عامرة ثم يتجه الحجيج نحو "بركة الحاج" موقعها بنفس الاسم حاليا بالقاهرة الكبرى ومنها إلى عجرود قاطعين 130كم، وبلغ حجم القافلة 80 ألف راحلة دون الدواب الأخرى.
وكانت بركة الحاج تضم آبارا طيبة وتقوم بها سوق عظيمة يقضي بها الحجاج يومين أو ثلاثة قبل بدء الرحلة ويتزود منها الحجاج بكل احتياجاتهم، وأن المرحلة بين القاهرة وعجرود تستغرق ثلاثة أيام وكان الحجاج يعبرون خمس محطات من بركة الحاج إلى عجرود "قرب السويس" تبدأ من بركة الحاج ثم منها إلى البويب، الطليحات، المنفرج، مراكع موسى ومنها إلى عجرود وبها بئر مصنع.
عجرود
تتميز عجرود بكونها مفترق عدة طرق تخرج منها أو تصل إليها من جهات متعددة وفي مقدمتها درب الحاج المار بها كما أنها تبعد 20 كم شمال غرب مدينة السويس ومن ثم فقد كانت بعض قوافل الحاج تذهب إلى السويس قبل الدخول إلى سيناء طلبا للماء ونظرا لهذا التجاور ببين عجرود والسويس فقد كان تجار السويس يفدون على عجرود.
ويستكمل الحجاج طريقهم عبر سيناء وأول محطة بها وادي مبعوق حيث ذكر وجود ماء عذب طيب في أحساء، والأحساء هو الرمل المتراكم أسفل طبقة صخرية فإذا نزل عليه المطر تسربت المياه إلى الرمل وتحمي الطبقة الصخرية المياه من التبخر ومع شدة الحر يكشف الرمل عن ذلك الماء المختزن فيه فيصير الماء نبعا باردا عذبا، يستغرق الطريق من مبعوق إلى نخل بوسط سيناء ثلاثة أيام.
وفي نخل أنشأ السلطان الغوري خان وقد قام بتنفيذ ذلك خاير بك المعمار أحد المقدمين في عام (915هـ / 1509م) وكان الخان ضيقا فتمت توسعته في عام (959هـ / 1551م) وبنخل ثلاث فساقي وبئران إحداهما بساقية والأخرى بسلم.
نخل قلب سيناء النابض
يسير موكب الحجيج عبر وسط سيناء إلى نخل قلب سيناء النابض وكانت تمثل سوقا عربية مشتركة في زمن الحج حيث ينصب بها سوق كبير وأفران لعمل الخبز وترد لهذا السوق الجماعات البدوية من سيناء وبذلك يتوفر للحجاج جملة خدمات بنخل من حيث الإقامة في خان في ظل حماية الحراس وتوفير الماء العذب الكافي من الآبار وفي الفساقي، ويقوم بحراسة ركب الحجيج حتى عقبة أيلة وفد من قبيلة العائد من قبائل سيناء. وقد وصف الرحّالة ومنهم الزياني نخل في رحلته الحجازية وتعجب من كثرة الفواكه الشامية بها من سفرجل ورمان وعنب والخيرات الكثيرة وما يحتاج إليه الحجاج من المؤن والقرب المملوءة بالماء البارد وبهذا يعطي صورة عن الحركة التجارية في نخل زمن الحج وما كان يصلها من قوافل تجارية تجلب سلع الشام التي تلزم الحجاج.
دبة البغلة
ترتحل قوافل الحجيج من نخل إلى حسد الحي، بئر بيدرا، ثمد الحصا، ظهر العقبة ، سطح العقبة وهو عرقوب البغلة كما وصف هذه المحطات المؤرخون ومنهم الجزيري ذاكرا المحطات من نخل إلى وادي الفيحاء ويسمى وادي القريص، عراقيب البغلة، ثمد الحصى، سطح العقبة إلى عقبة أيلة كما ذكر أن مدة الإقامة بعقبة أيلة ثلاثة أيام وينصب فيها سوق كبير فيه من البضائع والفواكه من غزة والقدس والكرك وبها الأغنام والجمال والبغال والماشية والسمن والعسل والزيت وسائر الحبوب والأقمشة، ويأتي إليها الحجاج والتجار مما يعد موسما في كل عام.
وهناك محطة هامة من محطات الحجاج ما بين نخل والنقب يطلق عليها دبة البغلة أو مقعد الباشا وقد قامت منطقة آثار جنوب سيناء للآثار الإسلامية والقبطية بترميمها منذ سنين وأحاطتها بسور بشكل إسلامي لدرجة أن الحجاج والمعتمرين المارين بهذا الطريق في طريق الحج البرى الحديث يمشون عبر نفس الطريق القديم ولكن إلى ميناء نويبع لوجود سلطة الاحتلال بفلسطين الآن مما يقطع الطريق البرى القديم ويستعيض عنه بالبحر عبر ميناء نويبع ومنها إلى العقبة.
ويعتقد الحجاج المارين بدبة البغلة حاليا أنه مقام لأحد أولياء الله الصالحين وينزلون إليها ليقرأوا اللوحة الخاصة بالآثار ويعرفون حقيقة هذه العلامة الهامة في طريق الحج القديم المستخدم حتى الآن.
وتعد دبة البغلة من المناطق التي تتسم بالصعوبة عند اجتياز الحجاج لها وقد قام السلطان قنصوه الغوري بتمهيدها ووضع علامة هامة تحدد معالم الطريق يطلق عليها صخرة الغوري وعليها نقوش صخرية تتضمن الآيات {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحا مُّبِينا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطا مُّسْتَقِيما وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرا عَزِيزا}.
والنص الخاص بتمهيد الطريق (رسم بقطع هذا الجبل المسمى عراقيب البغلة ومهد طريق المسلمين الحجاج لبيت الله تعالى وعمار مكة المكرمة والمدينة الشريفة والمناهل عجرود ونخل وقطع الجبل عقبة ايلا وعمار القلعة والآبار وقلعة الأزلم والموشحة ومغارب ونبط الفساقي وطرق الحاج الشريفة مولانا المقام الشريف والإمام الأعظم سلطان الإسلام والمسلمين الملك الأشرف أبو النصر قنصوه الغوري نصره الله تعالى نصرا عزيزا).
وعلى الصخرة رنك للسلطان الغوري نصه (لمولانا السلطان الملك الأشرف أبى النصر قنصوه الغوري عز نصره ). ومن عقبة أيلة تسير قافلة الحجاج بمحاذاة البحر الأحمر إلى الجنوب إلى حقل، مدين، ينبع، بدر، رابغ، بطن مر، مكة المكرمة، وظل درب الحاج المصري مستخدما حتى أبطل سيره وتحول إلى الطريق البحري عام (1303هـ / 1885م ).
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
بدأ طريق الحج البحري عبر خليج السويس منذ عام 1303هـ الموافق 1885م حين بطل استخدام الطريق البري عبر وسط سيناء،...
قام الرحالة البريطاني رتشارد بيرتون برحلة بحرية شهيرة إلى مصر والحجاز في (23 رمضان 1269هـ / أول يوليو 1853م) ووصف...
أصبحت البيانات الشخصية جزءا من الحياة اليومية على نحو لم يعد يسمح بالتعامل معها بوصفها شأنا تقنيا يخص الخبراء وحدهم....
تحول درب الحاج المصري عبر سيناء خلال الفترة الأيوبية خاصة في عهد صلاح الدين إلى طريقا حربيا في المقام الأول...