لأن ما نهرب منه … لا يختفي، بل ينتظر

ما لا نواجهه … يتحكم فينا: عن الأشياء التي نظن أننا تجاوزناها

في كثير من الأحيان، نظن أننا تجاوزنا بعض الأمور.. مواقف مرّت، علاقات انتهت، مشاعر هدأت، أو على الأقل هكذا يبدو لنا. نمضي في حياتنا، ننشغل، نغيّر المسار، ونقنع أنفسنا أن ما كان لم يعد يؤثر كما كان. لكن في لحظة غير متوقعة، قد نجد رد فعل لا نفهمه، انفعالا أكبر من الموقف، أو شعورا قديما يعود بنفس القوة.

منى عبد العزيز
مستشارة علاقات زوجية وأسرية
نائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري

 

كأن شيئا لم ينتهِ كما ظننا، بل ظل موجودا… في مكان ما داخلنا. هل ننسى… أم نؤجل المواجهة؟ ليس كل ما يهدأ… ينتهي. أحيانا، ما نعتبره "تجاوزا" يكون مجرد ابتعاد، أو تأجيل، أو محاولة للانشغال بشيء آخر.

نضع مسافة بيننا وبين ما يؤلمنا، فنشعر بالراحة، لكن هذه المسافة لا تعني أن الأمر اختفى. نحن لا ننسى دائما، بل نختار — دون وعي — ألا ننظر.

كيف يبقى ما لم نواجهه؟

يبقى في التفاصيل الصغيرة. في طريقة ردنا على مواقف عادية، في حساسية زائدة تجاه كلمات معينة، أو في شعور غير مبرر بالقلق أو الانزعاج.

قد نعتقد أن السبب هو اللحظة الحالية، بينما هو في الحقيقة امتداد لشيء لم نمنحه حقه من الفهم. ما لا نواجهه لا يختفي، بل يغيّر شكله.

في العلاقات… ماذا يحدث؟

قد ندخل علاقة جديدة ونحن نحمل تجارب قديمة لم تُفهم بعد. نعتقد أننا بدأنا من جديد، لكننا نتصرف أحيانا بردود أفعال لا تخص هذه العلاقة فقط، بل تخص ما قبلها.

نخاف أكثر مما يتطلب الموقف، أو ننسحب أسرع مما ينبغي، أو نفسّر الأشياء بطريقة دفاعية. ليس لأن الواقع كذلك، بل لأن ما بداخلنا لم يُحسم بعد.

لماذا نهرب من المواجهة؟

لأنها ليست سهلة. المواجهة تعني أن نرى ما لا نريد رؤيته، أن نعترف بمشاعر لم نعطها اسما، أو أن نعيد النظر في مواقف فضّلنا نسيانها. الهروب أحيانا يبدو أكثر راحة، لكنه لا يُنهي ما نحاول تجنبه، بل يؤجله.

هل المواجهة تعني الألم؟ ليست دائما. قد تحمل بعض الصعوبة في البداية، لكنها تفتح بابا للفهم. حين نواجه ما بداخلنا، نمنحه فرصة لأن يُرى، لأن يُفهم، لأن يأخذ مكانه الصحيح بدل أن يظل مؤثرا في الخفاء. المواجهة لا تعني أن نُعيد الألم، بل أن نُعيد فهمه.

كيف نبدأ؟

ليس بخطوات كبيرة، ولا بمحاولة تحليل كل شيء دفعة واحدة.

أحيانا تبدأ المواجهة بسؤال بسيط: لماذا شعرت بهذا الشكل؟ هل هذا الإحساس مرتبط بما يحدث الآن فقط؟ أن نسمح لأنفسنا بالانتباه، دون إنكار، ودون قسوة.

في علاقتنا بأنفسنا… ماذا يتغير؟ حين نواجه ما بداخلنا، نتحرر تدريجيا من تأثيره غير المباشر. نصبح أكثر وعيا بردود أفعالنا، وأكثر قدرة على الاختيار بدل التكرار.

لا يعني ذلك أن كل شيء يصبح سهلا، لكننا نصبح أكثر فهما لأنفسنا. ما لا نواجهه لا يختفي، بل يبقى، ويظهر في أوقات مختلفة، وبأشكال لا نتوقعها.

وربما لا يكون التحدي في أن ننسى، بل في أن نرى. لأن بعض ما يتحكم فينا اليوم، ليس ما يحدث الآن، بل ما لم نمنحه فرصة أن يُفهم… من قبل.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز

المزيد من مقالات

الحاج المسلم والمسيحي على نفس السفينة عبر موانئ خليج السويس

بدأ طريق الحج البحري عبر خليج السويس منذ عام 1303هـ الموافق 1885م حين بطل استخدام الطريق البري عبر وسط سيناء،...

"رتشارد بيرتون".. رحّالة بريطاني يروي ذكريات سفينة حجاج من السويس إلى الطور

قام الرحالة البريطاني رتشارد بيرتون برحلة بحرية شهيرة إلى مصر والحجاز في (23 رمضان 1269هـ / أول يوليو 1853م) ووصف...

من صون الخصوصية إلى الحق في الأمان الرقمي

أصبحت البيانات الشخصية جزءا من الحياة اليومية على نحو لم يعد يسمح بالتعامل معها بوصفها شأنا تقنيا يخص الخبراء وحدهم....

قلاع سيناء.. حصن منيع لقوافل الحج

تحول درب الحاج المصري عبر سيناء خلال الفترة الأيوبية خاصة في عهد صلاح الدين إلى طريقا حربيا في المقام الأول...