هو نوع من الإعتراض لا يجيده العديد من الناس لأنه يحتاج لصبر وشجاعة وذكاء وضبط نفس
يقول جبران خليل جبران: "إذا تعلمت التجاهل فقد اجتزت نصف مشاكل الحياة"، لذلك يعتبر التجاهل من الفنون التى لا يتقنها الكثيرون، رغم أنه وسيلة ليست سيئة للتعامل مع المواقف والناس التى لا تبالى ولا تقدر ولا تحترم مشاعر الآخرين، وهو الطريق للتوافق مع بعض السلبيات التى نعيشها، حيث يحول دون تعكر المزاج ويساعد فى التغلب على الإحباط والعجز.
إنذار مبكر
فى علم النفس يعتبر التجاهل إحدى الاستراتيجيات السلوكية للدفاع عن النفس، ويستخدم فى هذه الحالة كأداة ردع وسلوك تحدى يسعى صاحبه للفت الانتباه نحو خطأ يستشعره، ويعتبره ناقوس خطر أو جهاز إنذار مبكر، وذلك فى محاولة للحصول على ردة فعل معينة من الآخرين، ولا شك أن البعض يعتبره نوعا من العقاب الصامت، كإحدى طرق التأثير فيمن حولهم، أو نوعا من التعبير عن الجفاء ووجود فجوة تنذر بتفضيل الابتعاد والاكتفاء بالمرور العابر على الأمور والمواقف والأحداث التى تمثل فى نظر المتجاهل اعتداء، ولا يلغى ذلك أن يكون التجاهل فى بعض الأحيان حكمة وذكاء وصبرا وفرصة لإيجاد خط رجعة أو إيصال رسائل عبر فكرة "لا ضرر ولا ضرار"، فى حين أن يمكن اعتباره حالة من حالات التغافل المتعمد أو الغفلة المقصودة، حيث يمكن النظر إليه أنه طريقة سلمية لحل بعض المشكلات البسيطة، حيث يوضح فقط الغضب المكتوم دون الوصول لأية عواقب قد تكون وخيمة، ويعتبر التجاهل فى كثير من الأوقات فعلا صحيا، فلا يساعد فى تأجيج المواقف، ويحول دون الوصول لأعلى درجة من التوتر فيما يعتبر وسيلة للتهدئة، ولهذا قيل فيه إنه عند الغضب حيلة، وعند المصائب إصرار وتحدٍ، ولدى الإساءة تعقل، وفى كل تلك الحالات ينضوى تحت مفهوم ما يسمى "تجاهل إيجابي"، وقد يشير فعل التجاهل إلى الإهمال العاطفى، وهو أيضا طريقة لجذب الطرف الآخر، لكن دونما زيادة، حتى لا يأتى بأثر عكسى يؤدى إلى ضعف العلاقات الإنسانية ويؤثر على مدى استمرارها بشكل صحى.
التجاهل الذكى
التجاهل الذكى هو التجاهل المتعمد أو التكتيكى أو التجاهل المخطط، وهو استراتيجية بسيطة، لكن تأثيرها فعال، لما لها من تأثير على السلوكيات عالية النبرة، ودوره فى حل المشكلات غير المعقدة كبير، ويسمى بـ "التجاهل المخطط" لأن المتجاهل هنا يخطط للتأثير على الطرف المقابل الذى قام بسلوك خاطئ من وجهة نظره، مما يزيد من احتمالية انتباه هذا الطرف لوجود مشكلة أو شيء غير مفهوم أو واضح، ومن ثم يمكن التعامل معه، وربما تكمن أهمية التجاهل فى أنه وسيلة قد تستخدم مع الكبار والصغار، ويعتبر محاولة لتعديل السلوك باستخدام فكرة لفت الانتباه، ثم الانتظار بصبر من أجل التغيير المحتمل حدوثه.
ممارسة فعل التجاهل ليست سهلة، فهو نوع من الاعتراض قد لا يجيده العديد من الناس، باعتباره فعلا يحتاج لصبر وشجاعة وذكاء وضبط نفس، والنظر للأمور بتمعن ووعى، كما يحتاج لاختيار التوقيت المناسب، وتقييم الظرف الصحيح، والإمعان فى فكرة التخلى والاستغناء مع ترتيب الأولويات، واعتماد عدم التفكير بسلبية، وكذلك اختيار نوع الأشخاص الذين باستطاعتهم الاستجابة لهذا النوع من التعامل، لأن التجاهل فى النهاية وسيلة ضغط، وليس طريقة هروب أو إرجاء للمشاكل المعلقة، وهو ليس لاحقا لكل فعل، إنما هو نوع من العلاج أو إيجاد الحلول الوسط، وذلك لمواصلة الحياة بأقل ضرر وخسارة ممكنة.
لغة التجاهل
يحتار الكثيرون فى تقييم فعل التجاهل، حيث يعتبره البعض لغة الضعفاء غير القادرين على المواجهات، وينظر إليه البعض الآخر باعتباره لغة الأقوياء الذين باستطاعتهم تحويل دفة الأمور والأحداث والتعامل بأفضل وسيلة مع صنوف مختلفة من الناس غير أن المؤكد فى الحالتين أن التجاهل لا يعتبر نوعا من اللامبالاة أو تصرف المرء بلا اهتمام إزاء من يراه من حوله، وهو ليس قمعا للأحاسيس والمشاعر أو التصرف بعدم قدرة أو باستخفاف مستفز، كما لا يجوز اعتباره تصرفا سلبيا ينم عن ازدراء الشواغل الإنسانية، لأنه ليس تبلدا أو فتورا أو برودة أعصاب أو عدم اكتراث.
التجارب اليومية والدراسات الاجتماعية والنفسية تؤكد على أن التجاهل آلية دفاعية فى واقع محاط بكثير من الضغوط التى يؤدى معظمها إلى الانفجار، أما تاريخ ظهور مصطلح التجاهل فيرجع إلى مرحلة الحرب العالمية الأولى، تحديدا إلى ما يسمى "صدمة القذيفة"، حيث كان الجنود على جبهات القتال يعيشون فى الخنادق وسط أصوات الانفجارات ونيران القذائف من البنادق والمدفعيات، ويعانون بالطبع من الفقد، سواء لعائلتهم أو لرفاقهم الذين يموتون أمامهم أو يتعرضون للإصابات والتشوه، فكانوا مضطرين للتعامل مع كل هذا بنوع من آليات الدفاع فى محاولة للبقاء والاستمرار، وسميت هذه الآلية النفسية "التجاهل" أو فقد التفاعل مع الواقع المحيط لفترة أطول.
فن التجاهل
يعتبر علماء الاجتماع فعل التجاهل فنا وتكتيكا للعبور بالمشكلات بقوارب عقلانية حتى الوصول لبر الأمان، وفيما يمثل الجهل صفة لا شعورية تأتى من عدم امتلاك وسيلة للمعرفة، اعتبر التجاهل فعلا شعوريا واعيا يتم نية محددة وهدف معين ودوافع وأسباب تبدو منطقية لمتخذ قرار التجاهل، وهو كما سبق يعتبر سلاحا ذى حدين، فإن أحسن استخدامه بوعى وفن، كان فعلا حسنا يقصد من ورائه رأب الصدع فى الأزمات ووقف امتدادها، كما أن له فى كثير من الأحيان دور فى إعادة التوازن فى منهج الحياة، وهو أداة لإعادة النظر فى التصرفات والأفعال للعودة إلى جادة الصواب.
فى زماننا الحالى، أصبح التجاهل ردا مثاليا على كثير من الهراء، وعلى كثير من المواقف التى تصادف البعض منا، خصوصا من الأصدقاء والأقرباء، ففى كثير من الأوقات يصعب حقا التعامل بنوع من الجدية والرد المباشر على الإساءات، وهو بطريقة أو بأخرى يعتبر تحسبا قبل قطع العلاقات، خاصة لو وطيدة، بما يمكن وصفه أنه نوعا من الحسابات الاجتماعية، وفى علم النفس يرى العلماء أنه من أبرز مسوغات فى إخفاء ضعف الثقة فى الآخرين ونوعا من محاولات إنجاح العلاقات المهددة بالغرق، وهو بالطبع فى بعض الأحوال وسيلة سلمية راقية لإنهاء علاقات سامة بلا دخول فى مهاترات أو تفاصيل.
وأخيرا، التجاهل فى أعلى حدود ممارساته يعتبر طريقة للراحة النفسية والوصول للسلام الداخلى والصفاء الذهنى، وذلك بالتعالى فوق الصغائر المهدرة للوقت والطاقة والجهد.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة