حلاوة المولد .. وفتاوى " الجزارين " !

كدت أغادر المسجد احتجاجا على خطيب الجمعة ، ونفورا من جهله المطبق ، وهو يهاجم بلا خجل ولا حياء من يحتفلون بمولد النبي صلى الله عليه وسلم بأكل حلاوة المولد ، متهما إياهم بأنهم يحيون عصر الجاهلية الذى كان فيه الناس يصنعون آلهتهم من الحلوى ثم إذا جاعوا أكلوها – فما وجه المقارنة هنا بين الجاهلية هناك ، وبين احتفال المسلمين بمولد نبيهم هنا ، ثم – وأرجوك أن تكتم ضحكاتك – بعد أن حرم خطيب الجمعة حلاوة المولد ، عاد وأحلها شريطة أكلها قبل يوم ميلاد الرسول . ثم حرم تحديد النسل ، وأن الله هو الرزاق ، وما فى علمه سوف يكون .. إلخ ..

 

ورحت أسأل نفسي عن مطالبة الرئيس لوزراء الأوقاف المتتاليين بتأهيل الدعاة ، وتصريحات وزراء الأوقاف عن قيامهم بهذه المهمة بكل همة ، ولكن ما سمعته من خطيب الجمعة يجعلني أطالب وزير الأوقاف بمراجعة موقفه ، لأن مثل هؤلاء الدعاة وخطباء الجمعة المنتشرين فى القري والنجوع والكفور بل حتى فى المدن يهدمون كل شئ يتعلق بتجديد الخطاب الديني .

الشيخ الغزالي

وفى كتابه " هموم داعية " يطلق الشيخ محمد الغزالي صيحته التى لا نزال بحاجة إليها اليوم بعد أن انطلقت الألسنة فى الداخل والخارج بحق الإسلام ، بسبب خيبة المنتمين إليه ، حينما قال :

أطلب من عباد الله الصالحين أن يصيخوا السمع للنذير العريان قبل أن يأخذنا الطوفان ، فإن الأقدار تقتص من المجرمين المعتدين . أطلب من المسلمين أن يطرحوا الأسمال العقلية والاجتماعية التى أزرت بهم وحطت من مكانتهم ، وأن ينصفوا الإسلام من أنفسهم ، حتى يستطيع هذا الدين الانطلاق فى الأرض .

وشكوى الغزالي نابعة من أنه ليس هناك جهد إسلامي واضح لخدمة الرسالة الخاتمة ، وتبصرة الناس بما فيها من حق وخير ، بل الذى يقع داخل الأرض الإسلامية يثير الريب حول القيمة الإنسانية لرسالة الإسلام ، ومدى انتفاع أهل الأرض بها ، وتلك مصيبة طامة أن يعمل الإنسان ضد نفسه وسمعته !! وسواء دري أم لم يدر ، فتلك نتيجة تسود لها الوجوه .

والسنوات الأولى من القرن الخامس الهجري ضمت فى أضوائها هزائم قابضة ذكرًت الشيخ محمد الغزالي بـ "ابن كثير" وهو يصف  همجية التتار فى اجتياح بغداد ، وعواصف الدمار التى هبت على العالم الإسلامي يومذاك ، فقال المؤرخ الكبير :

 ليت أمي لم تلدني لأشهد هذه الأحداث الجسام .

لقد عاش الغزالي وهو يرى دك مدن عظام ، وتمزيق أمة كبيرة ، وغيبوبة الوعي الإسلامي بإزاء آلام تحرك الجبال . ومع النشاط الهائل الذى يسود جبهة الأعداء ، فقد رأى بني قومه ولا يزالون يمضغون خلافات جوفاء ، وتسيطر علهم أفكار ضحلة ، وتسيرهم أهواء قاتلة ، وشهوات غبية . ولذلك رأي أنه من حقه وهو أحد المشتغلين بالدعوة الإسلامية أن يصرح بأشجانه وأن يبث همومه ، وهو يرى أننا أحيانا نتحرك فى موضعنا ، وأحيانا نسير فى طريق مسدود ، وأحيانا نضرب عن يمين وشمال وكأن بيننا وبين الصراط المستقيم خصومة .

فى عالم يبحث عن الحرية نصور الإسلام دين استبداد . وفى عالم يحترم التجربة ويتبع البرهان نصور الدين غيبيات مستوردة من عالم الجن ، وتهاويل مبتوتة الصلة بعالم الشهادة .

وفى عالم تقارب فيه المبتعدون ليحققوا هدفا مشتركا ، فلا بأس أن يتناسوا أمورا ليست ذات بال .. فى هذا الوقت نرى أناسا من الدعاة يبعثرون أفكارا باعدت بين المسلمين من ألف عام ليشقوا بها الصف ويمزقوا بها الشمل .

وهو ما جعل الشيخ الغزالي يري ضرورة التنقية الشاملة للثقافة الإسلامية المعروضة ، وأن الدعاة العاملين فى الميدان التقليدي يجب أن يغربلوا ، لنعدم السقط وننفى الغلط .

ولأن مفهوم " السلفية " أصبح مما يدعو للنفور من دعاته ، لجهلهم وسوء عرضهم ، فالغزالي يدعو إلى " السلفية التى نعرف ونحب " قائلا  :

إن الانتماء إلى السلف شرف أتقاصر دونه ، وفى الوقت نفسه أحرص عليه - مضيفا : ليس سلفيا من يجهل دعائم الإصلاح الخلقي والاجتماعي والسياسي ، كما جاء بها الإسلام ، وأعلى رايتها السلف . ثم يجرى هنا وهناك مذكيا الخلاف فى قضايا تجاوزها العصر الحاضر – ورأى الخوض فيها : مضيعة للوقت .

يرى الغزالي أنه يجب أن تتجه جهود المربين والموجهين إلى تنمية الإيمان النابت فى مغارسه الصحيحة حتى يتحول من معرفة نظرية إلى خشية وتقوى ، وحياء وخشوع ، ولا نزال ننميه كما فعل سلفنا الصالح ، حتى ينعم المؤمن بمشاعر التمجيد ، فيقول كما علمه رسوله الكريم صلي الله عليه وسلم :

يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .

فإذا واجه الموت فى سلام أو حرب لم يجزع بل قال :

غدا ألاقي الأحبة محمدا وصحبه  - كما هتف بذلك بلال رضي الله عنه . أما جعل الإيمان قضايا جدلية ، فهذا هو الموت الأدبي والمادي . ولو أن سلفنا مضى مع تيار الجدل ما فتح الإسلام بلدا ، ولا شرح بالإسلام صدرا .

ويرصد الغزالي مشكلة نفر من الناس يرون الحق حكرا عليهم وحدهم ، وينظرون إلى الآخرين نظرة انتقاص واستباحة ، فالمشكلة أن الأمراض النفسية عند هؤلاء المتعصبين للفرعيات ، تسيطر علي مسالكهم ، وهم - باسم الدين - ينفسون عن دنايا خفية ، وعندما يشتغل بالفتوي " جزار " ، فلن تراه أبدا إلا باحثا عن " ضحية " .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

.

 

 

 

Katen Doe

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أحمد شوقي ومحمود أوب الوفا
فكري أباظة جيش عربي موحد
إبراهيم عبد العزيز يقرأ علي مسامع نجيب محفوظ ملخصا للصحف

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص