فاكهة الملوك والزعماء

ما الذى يحدث عندما يكون اسم الحاكم مأخوذا عن اسم أحد الفواكه ؟ حدث هذا مع السلطان برقوق الذى تولى حكم مصر أيام المماليك ، وكانت النتيجة أنه حرم على الباعة النداء على فاكهة " البرقوق " بهذا الاسم ، فكانوا يطلقون عليه " الأشقر " حتى انتهي عصر السلطان برقوق ، وهذا شبيه بما حدث فى عهد الحاكم بأمر الله أيام حكم الفاطميين عندما حرم على المصريين أكل الملوخية لأن خادمه الخاص كان اسمه ملوخية!، وما زال فى القاهرة حتى الآن شارع اسمه " درب الملوخية " ..

 

هكذا يحدثنا الأديب عبد المنعم شميس عن طرائف الفواكه مع الملوك والزعماء من خلال كتابه "  حرافيش القاهرة "  ، والذى يتضمن مقتطفات من عالم علية القوم ، وبسطائهم .

يقول عبد المنعم شميس :

كانت نداءات الباعة والبائعات فى الجيل الماضي  ( من القرن الماضي ) فنا عظيما من فنون الشعب ، لا من حيث الكلمات وحدها ولكن من حيث الأداء أيضا ، وقد سمعت أن سيد درويش استوحي لحن " زغلول يا بلح " من طريقة أداء بائع البلح فى  حينا " حي عابدين " ، وكان بديع خيري من سكان هذا الحي وصديقا لسيد درويش ، وكانت الرقابة قد حرمت اسم سعد زغلول بعد اعتقاله ، وسمع سيد درويش وبديع خيري بائع البلح يردد فى صوت معبر :

يا بلح حياني .. زغلول يا بلح

فكان اللحن الشهير :

يا بلح زغلول

يا حليوة يا بلح

الله أكبر

عليك يا سكر

يا زرع بلدي

عليك يا وعدي

يا بخت سعدي

زغلول يا بلح .

وكانت لطوائف الباعة الجائلين نداءات منغمة تميزهم ، وقد ذكر الجبرتي أنه عندما احتكر محمد على زراعة الملوخية والبامية فى مزارعه بشبرا كان نداء الباعة عليها فى القاهرة هو :

ملوخية الباشا .. بامية الباشا .

وعرفت فاكهة المانجو فى مصر بعد الثورة العرابية ، وقد أدخلها الزعيم أحمد عرابي عندما كان فى منفاه بجزيرة سيلان ، وأعجب بالمانجو ، فأرسل إلى صديقه المنشاوي باشا ( كبير أثرياء طنطا ) ألف شجرة من أشجار المانجو ، فزرعها فى مزارعه ، ثم زرع أحمد تيمور باشا أيضا أشجار المانجو فى مزارعه ، وزرع دارنيت باشا ، أحد الفرنسيين من حاشية الخديو عباس حلمي ، المانجو فى مزارعه بالقرب من الإسكندرية وسماها " ألفونسو " ، ولكن فاكهة المانجو لم تجد لها نداء منغما ملحنا على ألسنة الباعة مثل بقية الفواكه :

يا فاوي يا بطيخ .. ع السكين يا بطيخ .. حمار وحلاوة

فيومي يا عنب .

خد الجميل يا قصب اللى الهوا هزه يا حموي يا ناعم -  إشارة إلى المشمش .

وتمتاز نداءات الباعة عادة بالاختصار حتى يسهل ترديدها وتنغيمها ، لأن الباعة يكررونها طوال طوافهم بالشوارع والحارات .

تاريخ مجهول للصحافة

وتضمن كتاب " حرافيش القاهرة " لعبد المنعم شميس فصلا عن أدعياء الصحافة كما عرفهم ، أو كما يقول :

رأيت منهم كثيرين جدا ممن طوى أسماءهم نسيان الزمان ، وكان منهم أميون أو أشباه أميين .. وكان منهم أصحاب دكاكين ، أو باعة يسرحون فى قطارات السكك الحديدية ، وأشهرهم بائع سريح كان يبيع العطور داخل دولاب صغير يحمله على صدره ويركب القطار من القاهرة إلى الإسكندرية وبالعكس ، ليبيع زجاجات صغيرة من الفل والياسمين والنرجس وغيرها من العطور البلدية .

وكان هذا الرجل هو الأستاذ عبد المقصود الذى كان يأتى إلى إدارة المطبوعات بوزارة الداخلية كل أسبوع ليحصل على تذكرة سفر مجانية من القاهرة إلى الإسكندرية ذهابا وإيابا ، لأنه كان صاحب ورئيس تحرير مجلة ، وكان من حقه الحصول على هذه الاستمارة ، وكان يعطى الأفندي الذى يحرر له الاستمارة ، زجاجة عطر بعد أن يفتح الباب الزجاجي للدولاب الصغير ، ويقول له :

هذه بركة من السيد البدوي .. لأن مقر مجلته كان فى طنطا .

وكان من هؤلاء الأدعياء رجل صاحب دكان خردوات فى إحدى مدن الوجه البحري ، وهو صاحب رئيس تحرير مجلة أيضا .

ومع ذلك - كما يقول عبد المنعم شميس - كانت هناك جرائد إقليمية عظيمة فى عالم الصحافة المصرية ، وكان أهمها جريدة " الإنذار " التى كان يصدرها الأستاذ صادق سلامة فى المنيا ، وكانت لا تقل أهمية عن صحف القاهرة ، وكذلك جريدة " البصير " التى كانت تصدر من الإسكندرية ، أما صحف الأدعياء فقد كانت تصدر أيضا فى القاهرة ، وقد فوجئت - والكلام لعبد المنعم شميس الذى كان يعمل بجهاز الرقابة - عندما أعلنت الأحكام العرفية وفرضت الرقابة على الصحف  يوم حريق القاهرة فى 26 يناير1952 بأن مدينة القاهرة وحدها فيها أكثر من ستمائة مجلة ، ولا حظت أن عشرات منها لا يتبدل منها سطر واحد مطبوع ، بل يتغير الاسم وتتغير الإعلانات ، وكل مجموعة منها تطبع فى مطبعة واحدة تصدر منها أكثر من عشرين أو ثلاثين مجلة ، وتقدم منها ست نسخ لإدارة المطبوعات طبقا للقانون .

يضيف عبد المنعم شميس : إن المجهولين فى تاريخ الصحافة المصرية أكثر كثيرا جدا من المعروفين ، بل إن المجهول فى حياة هذه الصحافة أكثر من المعلوم ، ولكن أعظم هؤلاء المجهولين شأنا كان مندوب إحدى الجرائد اليومية الكبرى . . عندما ذهبنا إلى الإسماعيلية فى شهر نوفمبر1956 أثناء العدوان الثلاثي على مصر فى محاولة لدخول بورسعيد أثناء احتلال القوات البريطانية الفرنسية للمدينة ، كان معي فى هذه الأيام مندوبون عن الصحافة العالمية ، وعن الصحف المصرية ، وكان الأستاذ مندوب هذه الجريدة يملى الأخبار بالتليفون ، وليست فى يده ورقة ولا قلم حتى يكتب فيها الأسماء ، أو وقت حدوث الأحداث أو غيرها مما يقتضيه الخبر الصحفي من الدقة والأمانة ، ولا حظت أنه يخطئ أحيانا فى الأسماء ، لما نبهته إلى ذلك قال لي : هم يصلحونها فى مصر .

وضحك أحد زملائه وهمس فى أذني قائلا :  إنه لا يجيد القراءة والكتابة !

 

 

  

 

 

Katen Doe

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أحمد شوقي ومحمود أوب الوفا
فكري أباظة جيش عربي موحد
إبراهيم عبد العزيز يقرأ علي مسامع نجيب محفوظ ملخصا للصحف

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص