المبشرون بالجنة «الأخيرة» سبق عمر بن الخطاب فى الإيمان بالرسالة المحمدية

سعيد بن زيد.. العدوى الطاهر

 

قصة إسلام الفاروق عمر بن الخطاب التى حفظتها كتب السيرة والتاريخ الإسلامى تنص على أنه وهو القرشى  من بنى عُديّ ـ تأمل حال قريش بعد ظهور دعوة الإسلام فوجد فرقة أصابت القوم، فقرر أن يقتل محمدا بن عبدالله الذى هدم وحدة فروع قريش وفرق بين أغصانها، وهى القبيلة الكبرى صاحبة الهيمنة والقوة فى جزيرة العرب، وحدث أن لقيه رجل فتعجب منه لما رآه متقلدا سيفه، فسأله عن وجهته فقال له إنه ذاهب لقتل محمد بن عبدالله، الذى فرق القبيلة ومزق القوم وغرس فيهم قولا ينافى ما ورثوه من عقائد، فقال الرجل للفاروق، عليك بأختك وزوجها ابن عمك "سعيد بن زيد" فقد آمنا بما نزل على محمد، فقصد دار أخته وزوجها ابن عمه، وجرى بينهم ما جرى من عراك وانتهى المشهد بأن توضأ الفاروق وقرأ من سورة "طه" وشرح الله صدره وأصبح سيفا للدعوة المحمدية..

وحديثنا فى هذه الحلقة "الأخيرة" من سلسلة "المبشرين بالجنة" لن يكون عن عمر بن الخطاب، بل عن ابن عمه "سعيد بن زيد" زوج "فاطمة" شقيقة "عمر" وكان عمر زوج أخت سعيد "عاتكة بنت زيد"، لكن "سعيد" كان أسبق فى دخول الإسلام والإيمان بالرسالة المحمدية، وأسلم بعد ثلاثة عشر رجلا،  قبل أن يدخل النبى الأعظم دار "الأرقم" ويدعو إلى الله فيها ويجتمع بالصحابة الأبرار.

فى "مكة" كانت الأديان القديمة موجودة فى شخوص لهم مكانة اجتماعية رفيعة، مثل "ورقة بن نوفل" وكان على دين "النصرانية" و"عبدالمطلب بن هاشم" وكان من "الأحناف" على دين نبى الله إبراهيم، وكذلك كان "زيد العدوى" والد "سعيد بن زيد" وهو من "بنى عدى" وكان يحرم الخمر ولا يأكل من لحوم الذبائح المذبوحة على الأنصاب، تقربا للأوثان المعبودة فى الجاهلية، وقال عنه النبى الأعظم صلَّى الله عليه وسلم ما معناه إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده، وهذا مصدر طهارة قلب "سعيد بن زيد" فهو قرشى من "بنى عُدىّ" لكنه ورث ديانة التوحيد من أبيه، فى سلوكه واستقامة خلقه، وهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبدالعزَّى بن رياح بن عبدالله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وأمه "فاطمة بنت بعجة بن أمية بن خويلد بن خالد بن المعمر بن حيان بن غنم بن مليح من "خزاعة"، وأخته "عاتكة بنت زيد" أمها "أم كرز بنت الحضرمىّ"، أسلمت وبايعت وهاجرت من مكة إلى المدينة، تزوجها "عبدالله بن أبى بكر" فلما مات عنها تزوجها عمر بن الخطَّاب.

وروى عن طهارة "زيد بن عمرو العدوىّ" وقلقه الروحىّ ورفضه الأوثان، أنه خرج إلى الشام يسأل عن دين يتبعه، فلقى عالما يهوديا فسأله عن الدين اليهودى فقال له اليهودى ما معناه، إن ديننا لن يكون سهلا عليك حتى تنال نصيبك من غضب الله، فقال ـ زيد ـ إنه يفر من غضب الله ولا يستطيع أن يحتمل غضب الله، وطلب من اليهودى أن يدله على دين آخر، فقال له إنه لايعلم غير دين "الأحناف"، دين إبراهيم عليه السلام الذى لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، وانتهى الحوار بينهما بأن ارتاحت نفس "زيد بن عمرو" لدين إبراهيم عليه السلام، فاتبع تعاليمه وشهد بأن الله هو الواحد الأحد، وحرم الخمر ولحوم الأنصاب، ومما ورد عنه أنه كان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول: يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيرى، وكان ـ رحمه الله ـ يحيى الموءودة ويقول للرجل إذا أراد قتل ابنته "لاتقتلها أنا أكفيك مؤونتها"، وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال عنه "يبعث يوم القيامة أمة وحده".

 مع النبى محمد

كان "سعيد بن زيد" وزوجته "فاطمة بنت الخطّاب" سببا فى إسلام "عمر بن الخطّاب"، وكان ـ الفاروق ـ كارها دعوة الإسلام وكان يريد قتل النبى الأعظم، ولقيه "نعيم بن عبدالله العدوى القرشى" ـ وهو من قومه ـ وكان "نعيم" مسلما يخفى إسلامه، فقال له "ماذا تريد ياعمر؟" فأجابه "أريد محمدا هذا الصابئ الذى فرق أمر قريش وسفّه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله" فقال له "نعيم" ما معناه إن الغرور أنساه أن محمدا له قوم يثأرون له، هم بنو هاشم، ونصح "نعيم" الفاروق بالذهاب إلى "سعيد بن زيد" وزوجه أخت الفاروق "فاطمة بنت الخطاب" ليردهما عن دين محمد، بعد أن أصبحا تابعين له، فانطلق ـ عمر بن الخطاب ـ إلى بيتهما فوجد عندهما "خبَّاب بن الأرتّ" يعلمهما القرآن، فضرب سعيد بن زيد، وضرب فاطمة على رأسها فسال دمها، فلما رأت الدم بكت وقالت "يا ابن الخطاب، ما كنت فاعلا، فافعل، فقد أسلمت "فدخل غاضبا، حتى وقعت عيناه على صحيفة، فسأل أخته عنها وعن مضمونها، وطلبها بإلحاح فرفضت "فاطمة" أن تعطيها له، وقالت له إن فيها كلام الله، وكى يقرأها عليه أن يتوضأ قبل أن يمسَّها، وتوضأ "عمر" وقرأ قوله تعالى "طَه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" ومن الله عليه بنعمة الإسلام، ولم يهاجر "سعيد بن زيد" مع المسلمين الذين هاجروا إلى "الحبشة" لأنه كان من "بنى عُدىّ" وهم فرع من قريش، له مكانته فى القبيلة فلم يلق العذاب الذى لقيه مسلمون آخرون مثل بلال بن رباح وعمار بن ياسر وغيرهما من فقراء مكة الذين استجابت قلوبهم لنداء الإسلام، وكان من المهاجرين إلى "يثرب" التى أصبحت "المدينة المنورة" وكانت هجرته فى العلن مع "عمر بن الخطاب"، الذى تقلَّد سيفه ووضع قوسه على كتفه وذهب إلى الكعبة، وطاف سبع مرات، ثم توجه إلى مقام إبراهيم فصلّى، ثم قال للقرشيين "شاهت الوجوه، لايرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده فليلقنى وراء هذا الوادى.. ثم مضى إلى يثرب ومعه ما يقارب من العشرين من قومه منهم أخوه، زيد بن الخطاب وعمرو بن سراقة وأخوه عبدالله و"سعيد بن زيد"، ونزلوا على "رفاعة بن المنذر" فى "قباء"، وكان سبقهم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وبلال بن رباح وسعد بن أبى وقاص وعمار بن ياسر، وآخى النبى الأعظم بين "سعيد بن زيدس" ورافع بن مالك الزرقى.

وشهد "سعيد بن زيد" كل الغزوات والمشاهد مع النبى الأعظم، عدا "غزوة بدر"، لأنه كان مكلفا ومعه "طلحة بن عبيدالله" بقصِّ أثر قافلة قرشية، كانت بها تجارة وكان "أبوسفيان" ماهرا، فاستطاع أن يغير مسار القافلة نحو "بحر القلزم" ـ البحر الأحمرـ ونجت القافلة، ولما رجعا "سعيد وطلحة " كان النبى والمسلمون، خرجوا للقاء كفار قريش عند بئر بدر، لكنه شارك فى غزوة أحد والخندق، وبيعة الرضوان وكان من الذين قال عنهم  ـ سعيد بن جبيرـ "كان مقام أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد بن أبى وقّاص وعبدالرحمن بن عوف وسعيد بن زيد أمام رسول الله فى القتال، ووراءه فى الصلاة، وكان "سعيد بن زيد" رضى الله عنه يقول:

"والله لمشهدٌ شهده أحدكم مع رسول الله، تغبّر فيه وجهه أفضل من عمر أحدكم ولو عمَّر مثل نوح..

 عهد الخلفاء الراشدين

فى عهد أبى بكر الصديق كان "سعيد بن زيد" جنديا ضمن جند الشام، قاتل تحت راية الإسلام، وفى معركة "اليرموك "كان قائدا مثله مثل أبى عبيدة بن الجرّاح وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبى سفيان، وكان على الميمنة معاذ بن جبل وعلى الميسرة نفاثة بن أسامة الكنانى، وعلى الراجلين هاشم بن عتبة بن أبى وقّاص، وعلى الفرسان خالد بن الوليد ـ وهو المُشير فى الحرب ـ وروى "سعيد بن زيد" قصة الحرب فى "اليرموك" فقال:

"لما كان يوم "اليرموك" كنا أربعة وعشرين ألفا، فخرجت لنا الروم بعشرين ومائة ألف، وأقبلوا علينا بخطى ثقيلة، كأنهم الجبال، تحركها أيدٍ خفية، وسار أمامهم الأساقفة والبطاركة، يحملون الصلبان وهم يجهرون بالصلوات فيرددها الجيش من ورائهم، وله هزيم كهزيم الرعد، فلما رآهم المسلمون على حالتهم هذه، هالتهم كثرتهم، وخالط قلوبهم شىء من الخوف، عند ذلك قام "أبوعبيدة" فخطب فى الناس وحثّهم على القتال، عند ذلك خرج رجل من صفوف المسلمين وقال لأبى عبيدة:

"إنى أزمعت على أن أقضى أمرى الساعة، فهل لك من رسالة تبعث بها إلى رسول الله؟

فقال أبوعبيدة:

"نعم، تقرئه منّى السلام ومن المسلمين السلام وتقول له يا رسول الله إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا..

وشهد "سعيد بن زيد" فتح "دمشق"، وعينه أبوعبيدة بن الجراح نائبا عليها، فكان أول نائب عليها بعد الفتح الإسلامى لها، وكان "سعيد بن زيد" من الذين بايعوا "عمر بن الخطاب" ولم يختره ـ الفاروق ـ ضمن من اختارهم للشورى، وبعد موت الفاروق، بايع "سعيد" عثمان بن عفان، وقد منحه أرضا فى "العقيق" القريبة من المدينة المنورة، نزل بها وقضى ما تبقى له من عمره فيها ولما مات نُقل إليها ودفن فى المدينة.

ومن الحوادث الفارقة فى حياته رضى الله عنه أنه تعرض لجهل رجل من أهل الشام، أرسله "معاوية بن أبى سفيان" إلى "مروان بن الحكم" والى المدينة، ليجمع الناس مبايعين لولى العهد يزيد بن معاوية، وقال الرجل إن ـ معاوية ـ راغب فى بيعة أهل المدينة، فقال "مروان"  ما معناه إن البيعة مرهونة بقبول "سعيد بن زيد" والشامى يجهل "سعيد بن زيد"، فذهب إليه وقال له إن لم تبايع يزيد بن معاوية ضربت عنقك، فغضب سعيد وقال "تضرب عنقى؟ فو الله إنك تدعونى إلى قوم ما قاتلتهم على الإسلام.."، ورجع الشامى ـ الجاهل ـ إلى "مروان بن الحكم" فأخبره، فقال له "أُسكُت.." وماتت واحدة من أمّهات المؤمنين، فقال الشامىّ الجاهل:

"ما منعك يا مروان من الصلاة على أم المؤمنين؟

فقال له مروان:

"أنتظر الذى أردتَ ضْرب عنقه "يقصد سعيد بن زيد" فإنها أوصت أن يصلى عليها..

فاستغفرالشامىّ ربّه بعد أن عرف قدر"سعيد بن زيد" الصحابى المجاهد أحد العشرة المبشرين بالجنة.

وكانت وفاة "سعيد بن زيد" رضى الله عنه فى سنة إحدى وخمسين للهجرة فى خلافة معاوية بن أبى سفيان، وكان عمره يوم وفاته جاوز السبعين عاما.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فاروق أبو زيد

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص