الذى نجح فى التخفى والهروب بعد القبض على زعماء الثورة، وظل يحظى بحماية المصريين وحبهم، ولكن الجديد الذى كشف عنه الخبير الإعلامى د. فاروق أبو زيد على صفحات مجلتنا " الإذاعة والتليفزيون " منذ أكثر من 4٩ سنة هو الجانب المجهول من شخصية النديم، كمفكر إسلامى له عدة مؤلفات فى هذا المجال، وإن كانت قد فقدت بحكم تنقله من مكان إلى آخر هربا من سلطات الاحتلال، إلا أن د. فاروق أبوزيد قد استطاع العثور على أحد هذه الكتب وهو "كتاب الصديق" الذى نشره النديم فى صحيفتي "المحروسة" "والعصر الجديد" عام 1880 أي قبل الثورة العرابية وأحداثها الجسام، وفى هذا الكتاب المجهول لعبدالله النديم يناقش "نظام الحكم فى الإسلام"، ويتعرض لمناقشة موقف الإسلام من السلطة الزمنية والدينية، ورأى الإسلام فى الحكم المطلق أو الاستبدادى والحكم المقيد اوالديمقراطى أو ما يعرف فى الإسلام بـ "الشورى".
(١ )
من بين عشرات المؤلفات التى وضعها عبد الله النديم.. لم يعرف منها سوى كتابين: "كان ويكون"... و"المسامير".. أما بقية كتبه ومؤلفاته ومخطوطاته.. فقد فقدت جميعها خلال سنوات هربه مطاردا من الخديو توفيق ورجال الاحتلال البريطانى عقب فشل الثورة العرابية!.
ولقد وقع أخيرا بين أيدينا أحد هذه المؤلفات المفقودة لعبد الله النديم.. واسمه « کتاب الصديق"، وفيه يتحدث النديم عن "نظام الحكم فى الإسلام ".
والنديم يرى "أن الرسول صلى الله عليه وسلم" قد لحق بربه دون أن ينص على نوع الدولة أو شكل الحكومة التى تسوس المسلمين من بعده.. مع أنه لم يترك شيئا من أمور المسلمين إلا وتناوله.. ويعتقد النديم أن ذلك كان "لحكمة أرادها الرسول وهو ترك الأمر شوری بين المسلمين " يختارون بأنفسهم نظام الحكم الذى يناسب أحوالهم".!
وفى هذا الكتاب يقرر النديم أيضا " أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد لحق بالرفيق الأعلى دون أن يسمى من يخلفه على أمور المسلمين تاركا ذلك لهم يقررونه كيفما شاءوا"..! وهذا فى نظر النديم .. تأكيد آخر بأن الإسلام يترك أمور الحكم شوری بين المسلمين... ! وانطلاقا من هذه الأسس يرى النديم أن "الخلافة" بالشورى وليست بالنص .. أى أنها ظهرت بإرادة المسلمين.. ولم تفرض عليهم بنص من القرآن أو الحديث..
(٢)
ولهذا الكتاب المجهول أهمية أخرى.. فهو يعطينا نموذجا للكيفية التى واجه بها الفكر الإسلامى القضايا والمسائل التى طرحها الفكر الأوروبى مع بداية عصر النهضة والتى دقت أبواب العالم الإسلامى فى القرن التاسع عشر، كقضايا السلطة الدينية، والسلطة الزمنية، والحكم المطلق، والحكم المقيد.. ثم مسألة القوميات وهل تقوم على أساس من وحدة الدين أم تقوم بفعل عوامل أخرى ليست الوحدة الدينية من بينها..؟
ولقد شكلت هذه القضايا تحديا كبيرا للمفكرين المسلمين فى ذلك الوقت مما دفعهم إلى العودة إلى التراث الفكرى الإسلامى « السياسى » رغم ندرته.. ينقبون فيه عما يعينهم على مواجهة هذا التحدي.. فكان أن عثر النديم على مخطوط اسلامی هام هو "رسالة أبى بكر الصديق" التى وضعها أبو حيان التوحيدى فى القرن الثالث الهجرى ويتناول فيها قصة الخلاف الذى نشب بين الصحابة عقب وفاة الرسول (ص) ويتضمن الرسائل المتبادلة بين أبى بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وبين على بن أبى طالب عقب يوم السقيفة.
وقد تضافرت عدة عوامل وقعت للنديم لكى يهتم بهذه الرسائل وأن بتتبع جذورها وأصولها التاريخية والملابسات التى جرت حولها، وهو ما جعله يشرع فى نشرها بعد تحقيقها مكملا إياها بدراسة عن قضية الخلافة فى الإسلام وحقيقة النزاع الذى قام بين المسلمين بعد وفاة الرسول (صلي الله عليه وسلم ) وهو ما جعله يتعرض لمناقشة موقف الإسلام من السلطة الدينية والسلطة الزمنية.. ورأى الإسلام فى الحكم المطلق أى الاستبدادى والحكم الديموقراطى أو الشوری بلغة ذلك العصر..
وأول هذه العوامل التى دفعت النديم للاهتمام بتحقيق هذه الرسائل هو ما احتوته من دروس هامة فى فنون السياسة والحكم، وذلك المستوى الراقى من الفكر السياسى النظرى والعملى الذى تمتع به صحابة الرسول (صلي الله عليه وسلم ) رغم قرب عهدهم بالبداوة وبعدهم عن مواقع الحضارة والمدنية فى ذلك الوقت.. وكما يقول النديم عن رسالة أبى بكر الصديق: إن هذا الكتاب الغريب العزيز الوجود، النادرة فى باب الإنشاء ودهاء السياسة، قد قام بما لم تقم به السيوف ولا الآلات النارية، حيث ألف قلوبا استفزتها النفرة، وألان نفوسا غلبتها العزة، وجمع شمل الأمة بعد أن كانت تتفرق، وشد أزر الهيئة الإجتماعية بعد أن أشرفت على التلاشى، ومن أمعن النظر فيه وفى حاشية سيدنا عمر بن الخطاب عليه، وجواب سيدنا على عنهما، وما كان من مناظرة عمر معه .. علم كيف كانت أفكار العرب من طبقات السياسة العليا والنظر فى العواقب البعيدة، وبعد غورهم فى مدارك الأمور.
(٣)
أما العامل الثاني: فهو ما تشير إليه هذه الرسائل من تقدير الإسلام وصحابة الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) لأهمية الشورى.. وهو أمر كان يهم النديم وغيره من المثقفين المصريين عن نضالهم ضد الحكم الاستبدادى للخديوية المصرية فى ذلك الوقت، فالنديم يقول: « إن من تأمل ما فى هذا الكتاب من موارد السياسة وغريب المناظرة، وما أتی به سیدنا على من الحلم والعلم والعدول عما يوجب شق عصا الأمة، علم مقدار ما جاءت به الشورى، وما تدارکه مجلس الشيوخ من سقوط الدولة وتبدد الأمة.
ويطرح النديم فى كتابه المجهول سؤالا هاما وهو: هل حدث حقا خلاف بين أبى بكر وعلى بن أبى طالب حول من منهما أحق بخلافة الرسول (صلي الله عليه وسلم)؟
ويشير النديم إلى أن هناك عددا من مؤرخى الإسلام يؤيد وقوع هذا الخلاف، بل ويصل بهم الأمر إلى حد القول بنشوب صراع ، فعلى كاد يؤدى إلى الاحتكام إلى السيف.. والبعض الآخر من المؤرخين ينفى وقوع هذا الخلاف مؤكدين أن خلافة أبى بكر للرسول أجمع عليها الصحابة وجمهرة المسلمين ومن بينهم على بن ابو طالب نفسه.. ولكن النديم ينتقل بهذه القضية إلى مستوى آخر عندما يشير إلى أن هذا الخلاف ليس فى حقيقته سوی جزء من خلاف أكبر، وهو قول البعض بأن الخلافة بالنص لا بالشورى، وأن الرسول قد أشار فى حياته إلى شخص من يخلفه، بينما يرى البعض الآخر من المسلمين أن الرسول قد ترك أمر الخلافة شوری بين المسلمين يختارون من يرون أنه يصلح لها.
وفيما يتعلق بالخلاف بين أبى بكر وعلى ابن أبى طالب خرج النديم بخطأ الذين أنكروا وقوع الخلاف بين على بن أبى طالب وأبی بکر الصديق على الإطلاق.
كذلك فهو ينكر على من ضخموا فى هذا الخلاف وأضافوا إليه من الروايات بما كان يخدم أغراضا خاصة لبعض الفئات الإسلامية. ويميل النديم مستندا إلى ما ترويه الرسائل المتبادلة بين أبى بكر وعمر، وبين علی بن ابی طالب.. إلى تأييد وقوع هذا الخلاف بين أبی بکر وعلی بن أبى طالب.. ولكنه يرى أن هذا الخلاف محدود الحجم ولا يزيد عن "سوء فهم" نتج عن تأخر علی بن ابی طالب عن مبايعة أبى بكر، ولم يكن تأخره رفضا لمبايعته ولا اعتراضا عليه ولا طمعا فى منصبه.. وإنما لأن فراق الرسول (صلي الله عليه وسلم ) آلمه فاعتزل الناس والحياة، وهوما أساء بعض القوم تفسيره.. فظنوه احتجاجا ومعارضة لتولى أبى بكر خلافة المسلمين.
(٤)
. . وباستعراض الرسائل الثلاث المتبادلة بين أبى بكر وعمر.. وبين على بن أبى طالب ثم المناظرة التى جرت بين عمر وعلى .. يضع النديم يدنا على التفاصيل الكاملة لقصة الخلاف حول الخلافة.. فيحکی النديم على لسان أبى عبيدة الجراح أن أبا بكر دعاه إليه بعد أن تمت البيعة له فى السقيفة، وحمله رسالة إلى علی بن أبى طالب: " لقد سألت رسول الله عن هذا الأمر "يقصد الخلافة" فقال لي: يا أبا بكر هو لمن يرغب عنه لا لمن يرغب فيه ويجاحش عليه، وأن يتضاءل له لا أن ينتضح إليه.. يقال هو لك، لا لمن يقول هو لى.
ويعاتب أبو بكر على بن أبى طالب لتأخره عن البيعة له، ويذكره أنه نصره يوم تقدم غيره لزواج فاطمة بنت الرسول "صلي الله عليه وسلم" فقال: « لقد شاورني رسول الله في آل صهر، فذكر فتيانا من قريش، قلت له: أين أنت من على؟.. فقال: إنی أكره لفاطمة ميعة شبابه وحداثة سنه، فقلت: من کفته يدك ورعته عينك، حقت بهما البركة وأسبغت عليهما النعمة.. مع كلام كثير خطبت به عنك ورغبته فيك.. فكنت لك إذ ذاك خيرا منك الآن لي".
وأخيرا فإن أبا بكر يؤكد لعلى أنه إذا كان يری بأحقيته فى الخلافة، فليحتکما إلی جمهرة المهاجرين والأنصار وما يشيرون به يكون، فقال: "وبعد فهؤلاء الأنصار والمهاجرون عنك ومعك فى دار واحدة وبقعة جامعة إن استقاموا بى وأشاروا عندى بك فأنا واضع يدى فى يدك وصائر إلى رأيهم فيك، وإن تكن الأخرى فادخل فيما دخل فيه المسلمون".
وقبل أن يذهب أبو عبيدة الجراح إلى على ابن أبی طالب لينقل إليه خطاب أبى بكر، إذا بعمر بن الخطاب يمهله قليلا ويدخل إلى أبی بکر ثم يعود سريعا فيحمل أبا عبيدة خطابا منه ( أى من عمر إلى على) وخطاب عمر يحمل بصماته.. فهو شديد فى الحق قاس فى الحساب، فهو يخاطب على قائلا: «لقد خرج رسول الله والأمر مقيد محبس ليس لأحد فيه ملمس ولا مأنس، لم يسير فيك قولا، ولم يستنزل فيك قرآنا، ولم يجزم فى شأنك حكما" وينفى.. عمر أية شيمة فى أن أبا بكر قد اغتصب الخلافة من على.. وإنما يؤكد أنه أحق بها بتاريخه فى الإسلام وبصحبته للرسول "صلي الله عليه وسلم " وبإجماع المسلمين عليه.. ثم يؤكد عمر أن علاقة الدم التى تربط عليا بالرسول ليست أقوى من علاقة الروح التى كانت تربط بين أبی بکر والرسول ۰۰ إذ يقول عمر: " ولعمرى إنك أقرب إلى رسول الله قرابة ولكنه أقرب إليه قربة، والقرابة لحم ودم والقربة روح ونفس .. وهذا فرق عرفه المؤمنون ولذلك صاروا أجمعين" .. وذهب أبو عبيدة الجراح إلى على ونقل إليه فحوى الخطابين.. فتألم الرجل لسوء فهم القوم لتأخره عن البيعة.. ثم بعث برده إلى إبى بكر وعمر يوضح سبب تأخره، فكان مما قال:
"والله ما كان قعودى فى هذا البيت قصدا للخلافة ولا إنكارا للمعروف ولا رزية على مسلم، بل لما وقدنى به الرسول بفراقه، وأودعنى من الحزن بفقده، وذلك لأننى لم أشهد بعده مشهدا إلا جدد لى حزنا وذكرنى شجوا.. وإن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع فى غيره".. فلما كان صباح اليوم التالى "جاء على بن أبى طالب إلى المسجد واخترق الصفوف وبايع أبو بكر وقال فيه وصفا جميلا وقولا كثيراً، وجلس بجوار الخليفة زمنا ثم استأذن للقيام فقام معه عمر بن الخطاب يودعه تكريما".. وينهى أبوعبيدة الجراح قصته قائلا: "وانصرف على.. وهذا أصعب ما مر بناصيتى بعد فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم"..
(٥)
ويخرج عبد الله النديم من تحقيقه لهذه القصة بفكرتين على قدر كبير من الأهمية:
الفكرة الأولى: أن أيا من المؤرخين أو الكتاب الذين زعموا أن الرسول قد نص على من يخلفه فى إمامة المسلمين سواء كان أبو بكر أو علی بن أبی طالب ۰۰ عجزوا عن تقديم نص صريح يؤكد ذلك.. ولم يتعد ما جاءوا به عن مجرد محاولة لتفسير بعض الأحداث التاريخية غير الثابتة، بينما المؤكد تاريخيا أن الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) قد لحق بربه دون أن يسمى من بعده أو من يخلفه.. ولو كان الرسول (صلي الله عليه وسلم ) يريد النص على من يخلفه لكان نص على ذلك نصا صريحا فى أحاديثه التى تناولت كل جوانب الحياة الإنسانية، ولكنها وقفت دون هذا الموضوع كحكمة أرادها الرسول.. وهى ترك الأمر شوری بين المسلمين ليختاروا من يقع عليه اختيارهم.. فالمعروف أن الأصل فى الخلافة عند المسلمين أن تكون راجعة إلى اختيار أهل العقد والحل، فقد تعارف المسلمون على أن الإمامة عقد يحصل بالمبايعة بين أهل الحل والعقد لمن اختاروه إماما أو خليفة، بعد التشاور بينهم..
أما الفكرة الثانية: فهى القول بأن الرسول (صلي الله عليه وسلم ) قد انتقل إلى لقاء ربه من غير أن ينص على نوع الدولة أو شكل الحكومة التى تتولى أمور المسلمين من بعده .. وعلى ذلك فالخلافة ليست فرضا على المسلمين وإنما هی شکل سياسی ارتضاه المسلمون لأنفسهم بعد وفاة الرسول (صلي الله عليه وسلم ) .
لذلك لم يكن غريبا أن يقول عبد الله النديم فى كتابه المجهول : "إن الشورى هى القطب المعادى للإستبداد، وأن من يتبع الشريعة الإسلامية لعلم أن الاستبداد منابذ لكلمة الله تعالى فى تشريع الشرائع، ومخالف كل المخالفة لصريح آياته الشريفة وأحاديث رسوله الحنيفة".
فالإسلام فى رأى النديم "يوجب تقييد الحاكم بحبال القانون.. فلا يخرج عنه و يحيد إلى غیره»، كذلك فهو يرى أن الشريعة الإسلامية لا تقيد الحاكم فى حد ذاتها وإنما عن طريق من يسهرون على تطبيقها من علماء الإسلام، فهو يقول: " إن الشريعة ليست معانى أحکام موضوعة فى عقول أرباب الشريعة، وهى لا تقيد الحاكم بحال وجودها.. وإنما تقيده بوجود من يحرصون على تحقق معانيها".
والإسلام فى رأى النديم يجيز أن "تختار الأمة من بين نبهائها قوما عارفين بأحوال أهلها"، وهو بذلك يقرر أن الإسلام لا يمنع من وجود هيئة أو مجلس يتولى الرقابة على الحكام ومدى التزامهم بتطبيق الشريعة.. وهذا هو نفس ما تقوم به مجالس النواب والبرلمانات فى دول أوروبا الحديثة.. وصحيح أن الاسلام "لم يبين طريقة مخصوصة لاختيار هؤلاء النواب، فإنه لا يمنع أن يكون ذلك عن طريق الانتخاب »، فالأصل فى الإسلام أنه اعتبر "الشورى" واجبا شرعيا فى الحكومة الإسلامية.. أما كيفية النظام الذى يحقق هذه الشورى وأساليبه وأجهزته فهى "أمر متروك لاختيار علماء المسلمين ولأهل العقد والحل منهم".
لذلك كان من الطبيعى أن يدعو النديم علماء الإسلام ورجال الدين الإسلامى أن يشتركوا فى السياسة، فهو يقول: إن رجال الدين فى أوروبا هم أساتذة السياسة ورجال السياسة هم حفظة الدين، فاتحد المبدأ والغاية، وهذا عكس ما نراه فى جميع أهل الشرق.. فإن العلماء مبتعدون عن السياسة، مقتصرون على العلوم والدينية، فإذا عرض عليهم أمر سياسى أحجموا عن الخوض فيه لجهل طرقه، وإن تكلموا فيه بالجرأة، كان الخطأ أكثر من الصواب لعدم اشتغالهم بمثله.. ولهذا أهملهم الأمراء فى المجامع السياسية، وأخذوا بآراء من هم دونهم فى المرتبة العلمية".
ويرى النديم "أن فريق العلماء أحق الناس بالاشتغال بالسياسة والتفنن فيها وغوص بحارها.. فإن نوازل الملوك، ويقضى عليها فى الغالب باستشارة العلماء.. فإنهم بما عندهم من تربية الملكة واقتدارهم على فهم عويص المعانى يمهرون فى السياسة ويتقدمون على المشتغلين بها عمرا طويلا".
ثم يؤكد النديم أنه "ليس فى النصوص ما يمنع من الاشتغال بالسياسة حتى تعده معصية.. بل كل العلوم الشرعية من قواعد السياسة".
(٦)
أما كيف وصل د. فاروق أبوزيد إلى هذا الكتاب المجهول لعبد الله النديم ؟
يكتب : " أول خيط شدني إليه خبر نشر فى العدد 43 من صحيفة "المحروسة" الصادر فى 1۰ مارس 1880 وكان نصه: "أعثرنا التوفيق على مراسلة مفردة الوضع عزيزة المنال نادرة الوجود منفردة فى باب الإنشاء ودهاء السياسة وأساليبها، جرت بين أبى بكر الصديق وعلى بن أبی طالب رحمة الله علیهما.. فأشرنا إثباتها فى العدد الآتى من العصر الجديد".
ومن المعروف أن صحيفتى "المحروسة" و"العصر الجديد" كان يصدرهما شخص واحد هو سليم النقاش - حفظا لها، فإنها من أشرف الآثار، وحرصا على ما تضمنته من الفوائد والأحكام فى الأمور الإدارية والتقلبات السياسية".
وفى العدد العاشر من صحيفة "العصر الجديد" الصادر فى 11 مارس ۱۸۸۰ نشر الجزء الأول من الكتاب على الصفحة الأولى، واحتل الصفحة الأولى كلها (وكانت بحجم الجرائد الصباحية التى تصدر اليوم) ثم أعادت نشر أجزائه الأخرى فى أعداد متلاحقة من الصحيفة، وإن كان يلاحظ أنه ابتداء من الحلقة الثالثة من الكتاب لم تصل إلينا كاملة.. والسبب أن أجزاء من الصحيفة ممزقة أو مفقودة وخاصة الجزء العلوى من الصفحة .. مما أضاع أيضا رقم العدد وتاريخ صدوره.. ولكن الأجزاء المفقودة ليست من الكثرة بحيث تقطع سياق الكتاب، وأعلنت صحيفة "العصر الجديد" أن عبد الله النديم نائب رئيس الجمعية الخيرية الإسلامية فى ذلك الوقت هو الذى قام بتحقيق هذا الكتاب وشرح ما جاء فيه من دروس سياسية ودينية، وقيامه بإعداد كتيب يجمع فيه هذه الرسائل مع شروحها، فقالت الصحيفة: "وقد أخذ حضرة صديقنا الفاضل عبدالله النديم نائب الجمعية الخيرية الإسلامية وخطيبها الشهير، فى شرح هذا الكتاب شرحا يبين رموزه ويوضح ما خفى من غور السياسة والتبصر، ويفسر ما انتظم فيه من اللغة الفصحى فى کتاب لطيف مستقصى فيه كل ما أغلق من الكتاب مما نعده فى زماننا مبدعا، وقد أتت به العرب بداهة وبلا ترو ولا تأليف".
ولكن هذا الكتاب فقد كغيره من كتب النديم، ولو لم تبق صفحات من صحيفتى المحروسة والعصر الجديد لما عرفنا من أمر هذا الكتاب شيئا.
ويبقى أخيرا أن هذا الكتاب المجهول.. وغيره من كتب النديم المفقودة تثير قضية هامة وهی ضرورة أن تتكاتف جهود هيئاتنا العلمية ومثقفينا فى البحث عن كتب النديم ومخطوطاته.. فيقينا أن هناك عددا من مؤلفات النديم ماتزال مختفية فى العديد من مكتبات الأسر المصرية القديمة التى اختفى عندها النديم.. ياحبذا - لو اهتم الأحفاد بالتنقيب فى مكتبات أجدادهم لعلهم يجدون بين رفوفها كتابا أو مخطوطا مفقوداً للندیم..
ولكن من المؤكد أن لعبدالله النديم ديوان شعر ضخما يحتوى على ما يقارب عشرة آلاف بيت، ومازال محجورا عليه فى مكتبة استنبول بتركيا، حيث عاش النديم سنواته الأخيرة فيها منفيا من مصر حتى وافاه الأجل فى العاشر من أكتوبر عام ۱۸۹۹.. ويقال أنه مات مسموما بفعل جواسيس أبو الهدى الصيادى مستشار الخليفة، والذى كان النديم قد وضع فيه كتاب "المسامير"، يهجوه فيه ويفضع دسائسه ومؤامراته!..
وما زال جثمان النديم يرقد غريبا فى مقبرة "يحيى أفندى فى بشكطاش"، بتركيا!
وليس مستبعداً أن يكون النديم قد ترك عدداً آخر من الكتب والمؤلفات أثناء إقامته فى تركيا !
فهل نغالى إذا طلبنا من وزارة الثقافة الاهتمام بتراث عبدالله النديم، وهل كثير عليه إن أرسلنا بمن يذهب إلى أستنبول ينقب فى مكتبتها بحثا عن ديوانه الكبير، وعما قد يكون قد ترکه من كتب ومخطوطات أخرى!..
ثم هل نطمع من حكومتنا أن تنهى غربة ما قد يكون قد بقى من الجسد الثائر.. فتعيده إلى وطنه الذى نفى وتشرد.. ومات ودفن غريبا، من أجله..
«د. فاروق أبوزيد»
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة