أحمد بهاء الدين .. الكاتب الذى عينه رئيس الحكومة مهندسا !

حكي لي كاتبنا الكبير أحمد بهاء الدين أنه فوجئ بالدكتور محمود فوزي - رئيس الوزراء وقتها - يعينه كل يوم فى لجنة من اللجان ، كلجنة إعادة تخطيط الأقصر ،  ولجنة بناء الأوبرا الجديدة ، مما أدهشه وجعله يقول لرئيس الحكومة : أنا لا أقدر على الاشتراك فى كل هذه اللجان – فدهش بهاء الدين عندما سأله د. محمود فوزي : ألست مهندسا ؟! ، فقال له : أنا قانوني مثل حضرتك .

فقد كان أحمد بهاء الدين يكتب فى أي موضوع كأنه متخصص فيه ، أو كما قال لي : كنت أول من كتب عن تخطيط المدن والمباني العامة ،  وكنت أحرص فى أي بلد أسافر فيه بالطائرة مسافة طويلة أن أري نوع التخطيط فيها ، لمحاولة جعل المدن المصمتة بالمسلح أكثر إنسانية – يضيف بهاء الدين : وأستطيع أن أقول أنني أول من أثار قضية البيئة والخضرة فى مصر ، وهي قضية ليست من اختراعي ، لكنني قرأتها وعشتها فى الكتب الأجنبية ، فإذا كان فى كل مكان كلام عن البيئة ، فإنني أعتبر هذا نجاحا لي لأنني أدخلت فى قاموس الاهتمامات اهتماما جديدا .

أما أحمد بهاء الدين نفسه فهو مشهور ككاتب سياسي منذ اشتغل بالقضية الوطنية ، ففي سنة 1937 كان تلميذا بمدرسة الإبراهيمية الثانوية وزعيمها الوفدي المتطرف ، حيث اشتعل الخلاف الحزبي فى ذلك الحين ، وكانت مجلة روز اليوسف تشن أعنف الحملات على الوفد ، فكان بهاء الدين وزملاؤه يشترون أعدادها ويضعونها فى كومة واحدة وسط فناء المدرسة ويشعلون فيها النار حتى لا يقرأها أحد.. ونفذوا هذه الخطوة لمدة أسبوعين متتاليين ، حتى اكتشفوا أن مصروفهم البسيط لا يكفي لشراء كل النسخ التى تطبعها روز اليوسف – وكان هذا أول درس تعلمه بهاء الدين فى حياته العملية ، وهي أن منع الرأي الآخر لا يخدم رأيك ، وأن نيران الأرض ليس فى قدرتها أن تلتهم رأيا واحدا إذا كان صائبا ، وأن الطريق الوحيد لكي لا يبقي إلا الصحيح هو حرية كل الآراء ، والمناقشة علنا وفى حرية ، إذا كنت تحب المجتمع أكثر مما تحب رأيك المنسوب إليك .

وبدأ أحمد بهاء الدين يقرأ روز اليوسف قبل ذهابه إلى المدرسة لكي  يكون فى رأسه ردودا حاضرة على كل شئ فيها ، وهو يخفي عن زملائه أنه قرأها ، ولذلك كان يقول لهم : لعل خصوم الوفد سيقولون كذا ، والحقيقة كذا .. – وكانت حجته السياسية مقنعة . ورغم حصوله على ليسانس الحقوق ليعمل محاميا مدافعا عن كل القضايا التى يراها عادلة فى العالم ، إلا أنه اكتشف أن المحاماة والاشتغال بها لن يحقق له طموحه للدفاع عن الشعوب المظلومة والطبقات المهضومة ، لأنه وجد أن القانون المدني هو أسخف علم .. فما له وحق الشفعة ، وحق النفقة ، وحق الدائن المرتهن .، إلخ . إن أحمد بهاء الدين يريد حق الحرية والعدل والمساواة ، ولذلك لم يجد وسيلة يمارس بها هذه المعاني الواسعة  إلا فى الصحافة  رغم تخوفه منها وتردده فى الالتحاق بها ظنا منه أن كل صحيفة لديها قالب تضع فيه المحرر الذى يلتحق بها ، وهو يريد أن يحتفظ بحرية رأيه بعيدا عن أية قوالب . وفى ذلك الوقت من عام 1952كان أحمد بهاء الدين قد التقي مع روز اليوسف فى الرأي ، وفى ذات صباح من تلك السنة كتب مقالا يناهض قانونا أصدره نجيب الهلالي رئيس آخر حكومة قبل الثورة ، وأرسله مع صديق لإحسان عبد القدوس ،  فإذا ببهاء يفاجأ بنشر مقاله فى مكان بارز بروز اليوسف ، والتنويه عنه فى الصفحة الأولي .

وأدرك بهاء أن الصحيفة لا يهمها سوى العمل الجيد أيا كان صاحبه ، وأصبح بهاء بنفسه يمر كل يوم جمعة على روز اليوسف ليسلم بواب الدار مقاله ثم ينصرف ليجده بعد ذلك منشورا فى أبرز مكان .  وبلغت الجرأة ببهاء أن يكتب مقالا يهاجم به الافتتاحية لرئيس التحرير ، وازدادت دهشته وهو يجد مقاله منشورا كاملا ، واكتشف أن هذه الصحيفة لا تقيد الكاتب فيها أن يلتزم رأيا ، أو أن تضعه فى قالب لا يحيد عنه . كل ذلك يحدث وأحمد بهاء الدين لا يعرف إحسان عبد القدوس ، حتى جاء ذات صباح يوم جمعة ليسلم مقاله كالمعتاد إلى بواب روز اليوسف الذى لم يدعه يغادر الدار ، فقد كانت هناك تعليمات بالقبض عليه لمقابلة رئيس التحرير الذى خصص له مكتبا ليستمر بعد ذلك فى شارع الصحافة كواحد من ألمع نجومها ليصبح عموده اليومي من أهم الأعمدة الصحفية التى لعبت دورا هاما فى قيادة الرأي العام ، ولكن أحمد بهاء الدين كان مغتاظا كما قال لي : أغتاظ دائما من كلمة عمود وكتاب أعمدة وأصحاب الأعمدة ، لأنها ترجمة خاطئة للمفهوم الخاص بها فى الصحافة الغربية والأمريكية التى نقلناها عنها ، لأن ما يكتب فيها بهذا النقل معناه الحقيقي هو المقال القصير المنشور وعلى شكل مربع أو مستطيل أو أي شكل من الأشكال ، مما يعتبر ميزة  كبري للصحافة اليومية التى صارت تعتمد على المقال المركز القصير مع انتهاء عهد المقال الكبير ، أما تقليعة الصحافة العربية التى لا يوجد لها نظير فى العالم فهي العمود اليومي ، ففي الواشنطون بوست مثلا حين يقال فلان من أهم الكتاب فهذا معناه بالكثير أن يكتب ثلاثة أيام فى الأسبوع ، ولكن الكتابة اليومية ولدت فى الصحافة المصرية وأصبحت عادة رغم ما يتعارض من إحكام الفكرة وجودتها .

وسألت أحمد بهاء الدين عن مشاكله مع الجماعات الإسلامية ، فقال لي : أنا لدي تراث وإيمان ، ولدت ونشأت وتعلمت عليهما  ولم أتخل عنهما يوما ولم أقلل من أهميتهما ،  ولكن المشكلة التى أخشاها هي أن تأخذ الصحوة الإسلامية مأخذا رجعيا ، وأستشهد بكلمة الملك حسين التى قال فيها أنه لا يحب كلمة الرجوع إلى الإسلام ، لكنه يحب التقدم للإسلام . نحن تأخرنا لأننا لم نكن على مستوى القيم الإسلامية الصحيحة ، فالجهل والانصراف عن العلم والاجتهاد  ليست قيما إسلامية ،  ويجب أن نفرق بين سلوك البشر المسلمين وسلوك الإسلام ، لأن الإسلام ليس مسئولا عن الذين أساءوا إلى طبيعته ، أو استخدموه لعمل امبراطوريات . هذه قضايا طويلة عريضة ومعقدة ، أدرك صعوبتها وصعوبة اقتحامها فى مناطق وشعوب أكثر هلامية ، والأمية فيها منتشرة ، وبساطة الشعور وعدم التعميق فى الأشياء ، وترك ساحة الاجتهاد لكثير من الناس الذين فيهم طبعا أساتذة أجلاء ، لكن فيهم من لم يتقن علوم الدين ، وهناك من يصيبهم الذعر من أي تفكير جديد ، ويخلطون بين الإسلام وسلوك المسلمين .. لذلك فالمعارك مستمرة ، وكل موضوع له أصدقاؤه وخصومه ، وكل له مصلحة فى اتجاه ، وآخر له مصلحة فى اتجاه آخر ، وأنا أدرك الصعوبات الموجودة لمن يريد أن يكتب فى هذه المجالات ، لكن هناك من يستطيع أن يكتب وفى ذهنه كيف يتحاشى القضايا الصعبة الخلافية ، ويكتب فى سلام وهدوء ، لكن أنا أزعم أنني طرف فى كل قضية ذات أهمية سواء كانت أحداثا معاصرة أو أفكارا ، وأحيانا أجد من يقول لي : لماذا تقتحم أفكارا أكثر الناس قابلين بها ، أو تنتقد شخصا محبوبا أو له نفوذ واسع فى الرأي العام ؟ ، ففيه ناس تري تحاشي الصدامات ، لكنني أقول بالعكس ، فإن الكاتب إذا استطاع أن يكون له رصيد عند القارئ  ، فإن عليه أن يكون مستعدا ليضحي بجزء منه ليقول رأيه الحقيقي ، فليس مطلوبا أن أرضي الجميع وأكتب على الحياد ، ويتعرض الكاتب للمشاكل كلما كتب أكثر ، والقضايا السياسية هي أول ما يثير المشاكل ، وأذكر أنني كنت أول من كتب عن فكرة قيام دولة فلسطينية طبقا لقرار التقسيم الصادر من الأمم المتحدة ، وكتبت سلسلة كبيرة من المقالات سنة 1968 ، وهوجمت من كل طرف ابتداء من جمال عبد الناصر إلى ياسر عرفات ، ومن جهات أخري كثيرة ، وأعتقد فى رأيي لو أخذت فكرتي مأخذ الجد وصارت هدفا ، لكانت فرصة تحقيقها أكبر من الآن .

وسألت أحمد بهاء الدين عما إذا كان راضيا عن نفسه ؟ فقال لي : لا يوجد أحد يرضى عن نفسه ، كما أعتقد ، ولكن حظي كان جيدا فى مهنة الصحافة ، واليوميات ، التى أعتقد أنها مرحلة مهمة فى حياتي من حيث التأثير على الرأي العام ، من أكبر المسئولين إلى أصغر الناس ، وإن كنت دفعت ثمنا عصبيا وصحيا ، وهذا شئ لابد منه .

 

 .

 

 

 

 

Katen Doe

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أحمد شوقي ومحمود أوب الوفا
فكري أباظة جيش عربي موحد
إبراهيم عبد العزيز يقرأ علي مسامع نجيب محفوظ ملخصا للصحف

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص