المذيعة الشاعرة الشهيدة "سلوى حجازى" اختارها الله لجواره فى زمن الحرب العسكرية والمخابراتية بين "مصر"ـ قائدة الوطن العربى ـ و"إسرائيل"
مخلب القط الاستعمارى المدعوم من أوروبا وأمريكا، فالذى حدث فى "21 فبراير 1973"ـ قبل حرب العبور بثمانية شهور تقريبا ـ كانت "سلوى رضوان حجازى" عائدة على متن الطائرة المدنية الليبية، فى الرحلة رقم "114" القادمة من مطار طرابلس الدولى، إلى مطار القاهرة، وحدث أن دخل الطيار الذى يقود الطائرة، فوق أرض سيناء التى كانت تحت الاحتلال الإسرائيلى، وعلى الفور قرر رئيس أركــان العــــــدو، إسقاط الطائرة المدنية، اعترضتها طائرة "فانتوم" وأطلقت عليها صاروخا، أدى إلى سقوطها وانفجارها، ومقتل مائة راكب، كانت من بينهم "سلوى"، وحزنت مصر كلها عليها،لأنها كانت تحمل لقب "ماما سلوى" ومعروفة لكل أطفال مصر بروحها الطيبة وأمومتها وهى تقدم لهم برنامج "عصافير الجنة" على شاشة التليفزيون، ومنح الرئيس السادات اسم الشهيدة وساما، تقديرا لدورها الوطنى وردا على الغدر الإسرائيلى، وتحولت جنازتها إلى جنازة شعبية، عبر خلالها المواطــــنون المشـــــاركون فيها عن رفضهم ما يقوم به الجيش الإسرائيلى من قـــــتل للمدنيين واحتلال لأرض ســـــيناء، وجددوا فى شعاراتهم الإصرار على الحرب لتطهير تراب سيناء من دنس العدو الصهيونى..
وطن جريح وأرض محتلة
لا أحد يستطيع وصف اللحظات القاسية التى عاشها المصريون فى يوم "الاثنين الأسود" الموافق "5 يونيو 1967"، اليوم الذى انهارت فيه أحلام "الشعب العربى" فى مصر وكل الأقطار الشقيقة التى أجبرت على خوض معركة، ضد الاستعمار الأمريكى، وهى معركة بدأ التخطيط لها منذ النصر السياسى الذى حققته مصر فى العام 1956 عندما صمدت فى وجه العدوان الثلاثى وأجبرت القوتان العظميان فى العالم على التوحد لوقف العدوان البريطانى الفرنسى الإسرائيلى على مدينة "بورسعيد"، وصدر الإنذار السوفييتى والإنذار الأمريكى، وانسحبت القوات المعتدية، وانتهى عصر "بريطانيا وفرنسا" ليحل محله عصر "واشنطن" و"موسكو"، وأصبح الشرق الأوسط، وفى القلب منه "الوطن العربى" محل اهتمام القوتين الجديدتين، وهو الشرق الغنى بالنفط وفيه الممرات البحرية للتجارة العالمية وفيه الذاكرة الحضارية للعالم كله، وهذا ما صوره ـ دكتور جمال حمدان ـ فى موسوعته "شخصية مصر":
"ـ فى الشرق القديم، كانت مصر تدافع عن نفسها، وعن المنطقة فى آن، حيث كانت تتحمل دائما ضريبة الموقع وثمن الحماية، ومنذ ظهور الإسلام وانتشاره، وبعد أن أضيف للخط الاستراتيجي، الخط الدينى، أصبحت "مصر" سور العرب وقلعة الإسلام، وإذا كان الدم المصرى لم ينتشر خارج مصر كثيرا عقب الهجرة، فقد انتشر إلى أبعد الآفاق حولها فى الوطن العربى، بمعنى البذل والقتال، بحكم أن مسئولية الدفاع عن العرب قد وقعت تاريخيا عليها، واختلط رمل الصحراء بدم المصريين إلى أقصى مدى تعرفه وحدة الدم والتراب "ولم يكتف العالم الجليل "الشهيد" دكتور جمال حمدان، بتقديم تبرير للحرب التى كانت مشتعلة فى الشرق الأوسط منذ "وعد بلفورـ 1917" بل أوضح أن "مصر" هى عاصمة العرب والإسلام بالمفهوم السياسى والعسكرى:
"ـ .. ومن هنا أصبحت مفتاح العالم العربى، إن سقطت سقط، وإذا فتحت، فتح، ولذا كان الاستعمار يركز ضربته الأولى والقصوى على "مصر"، ثم ما بعدها يسهل أمره"، وحسب ما يقره خبراء السياسة والعسكرية فإن "الشرق الأوسط" هو "بطن" أوربا الضعيف، فمن يسيطر على البطن، يمكنه أن يسيطر على "الجسد" وإن "مصر" هى قلب الشرق الأوسط، ولهذا جاء "نابليون" غازيا، ومن بعده جاء "فريزر" البريطانى، وجاءت "بريطانيا العظمى" بعد إخفاق "حملة فريزر" البحرية، وانتصار أهالى "رشيد" عليه، واحتلت بجيش قوامه ستون ألف مقاتل الأراضى المصرية بتواطؤ فرنسى، وخيانة من "ديليسبس"و"الخديو توفيق"، وجاءت "عصابات اليهود" المسلحة، واستوطنت "فلسطين" وفى العام 1948 أعلن قيام "إسرائيل" على أرض فلسطين، وكانت مصر حاضرة فى المشهد، وهزم جيشها وجيوش ست دول عربية أخرى، بسبب الفارق الكبير بين الجيوش العربية غير المدربة، والعصابات الصهيونية المدعومة بالسلاح البريطانى، وكان يوم "5 يونيو 1967" هو اليوم الذى اكتملت فيه فصول المؤامرة الأمريكية الأوروبية على "مصر" والوطن العربى"، باعتراف قادتهم العسكريين والدبلوماسيين، فكان التخطيط لما وقع فى ذلك اليوم الحزين، قديما، قدم الرفض الشعبى المصرى والعربى للوجود الاستعمارى البريطانى والفرنسى والإسرائيلى فى العام 1956وكان العرب فى عام "العدوان الثلاثى" على مصر، منعوا وصول البترول إلى العواصم الغربية، وكونوا جبهة موحدة ضد العدوان، وكانوا يعملون تحت القيادة المصرية الوطنية ذات الانحياز للقومية العربية فى مواجهة الأحلاف العسكرية الاستعمارية التى سعت الدول الغربية لإقامتها فى الشرق الأوسط، والوطن العربى، وكانت مصر فى تلك الفترة تدعم حركات التحرر العربية والأفريقية والعالمية، بكل ما تملك من أسلحة، وهذا جعلها محل عداء الغرب الاستعمارى بزعامة "واشنطن" التى تسلمت "الشرق الأوسط" من "بريطانيا" منذ نهايات الحرب العالمية الثانية، وبسبب ظروف سياسية داخلية وانقسام سياسى فى "رأس السلطة" المصرية، وغياب التنسيق بين "العسكرى" و"السياسى" نجح الاستعمار فى كسر شوكة مصر، وتدمير "سلاح الطيران" واستطاعت إسرائيل احتلال سيناء، وكان على القيادة السياسية الوطنية بزعامة "جمال عبد الناصر" أن تعيد ترتيب الأوراق، وتطهر الأرض من دنس الاحتلال، وتعيد بناء الجيش الذى تم تدميره، وتعيد تأهيل المجتمع الذى أصيب بالإحباط والشعور بالضعف والضآلة، تحت ضغط "الدعاية الصهيونية" التى وصفت جنود الجيش المصرى، بعدم القدرة على الصمود فى الميدان!
حرب الدفاع عن الكرامة
وفى التاسع والعاشر من "يونيو 1967" كتب الشعب المصرى صفحة جديدة من تاريخه النضالى البطولى القومى، وخرج ثائرا فى ظل الظلام الدامس، والغارات التى تشنها طائرات العدو الغادر على "القاهرة"، وهتف الشعب هتافه المشهور "هنحارب، هنحارب" وفى اليوم الحادى عشر من الشهر ذاته، تولى عسكريون وطنيون مسئولية إعادة البناء، وإصلاح ما تم إفساده وتدميره، وتقدم الفريق "محمد فوزى" والفريق "عبد المنعم رياض" والفريق "مدكور أبو العز" لقيادة القوات المسلحة المصرية، وتحولت "الجبهة" إلى مدرسة عسكرية، تعلم فيها الجندى المصرى فنون القتال، وتحول الشعب المصرى كله إلى "جيش وطنى" يدعم القوات المسلحة الرابضة فى الخنادق، واشتعلت "حرب المعلومات" بين "المخابرات المصرية" و"المخابرات الإسرائيلية" و"الأمريكية"، ولم يبخل "الاتحاد السوفييتى" عن تقديم السلاح والخبرة العسكرية للجيش المصرى، وكانت نقطة التفوق لدى جيش العدو كامنة فى "سلاح الطيران" وكانت نقطة الضعف كامنة فى "الحرب الطويلة"، واستطاع المصريون أن يجعلوا حرب الاستنزاف، حرب الألف يوم، حتى صرخت إسرائيل، وكانت المخابرات المصرية تخوض حربا على مستوى الكوكب كله، واستطاعت توفير المعلومات للقيادة السياسية والعسكرية، وكان من بينها ما حصلت عليه من رسوم وتخطيطات حول الموقف العسكرى للجيش الإسرائيلى الذى كان يحتل سيناء، وكان على المخابرات أن تنقل هذه المعلومات العسكرية المهمة إلى مصر، وتقدمت الشهيدة "سلوى حجازى" للقيام بهذه المهمة، وكانت ضمن طاقم التليفزيون المصرى فى مهمة تدريب لكوادر تليفزيونية فى "ليبيا "، وبعد حصولها على المعلومات ـ الخطيرة ـ أدركت بذكائها أن هناك من يرصد حركتها، فأعطت المعلومات والملفات التى تحتوى على هذه المعلومات لشخص تثق فى وطنيته، وسبقها بها إلى "القاهرة" لكن المخابرات الأمريكية منحت المخابرات الإسرائيلية المعلومة، فقررت "إسرائيل" أن تمنع وصول هذه المعلومات "التى ظن أنها ما زالت بحوزة الشهيدة سلوى حجازى"، وشاءت الأقدار أن تهب عاصفة، عطلت الرؤية فاضطر قائد الطائرة الليبية "وهو فرنسى الجنسية" الاعتماد على "الطيار الآلى"، ودخل بالطائرة فوق تراب سيناء المحتلة، وطلب منه الإسرائيليون الهبوط، فرفض، فأصدر ـ رئيس الأركان الإسرائيلى أمره لسلاح الطيران بإسقاط الطائرة الليبية المدنية، وقتل مائة من الركاب، كانت من بينهم "سلوى حجازى"، ولم يحقق هدفه العسكرى، لأن المعلومات وصلت القيادة المصرية بفضل حرص وذكاء الشهيدة "سلوى حجازى" رحمها الله.
وكانت هذه المعلومات الدقيقة، ذات فائدة كبرى فى تمكين سلاح الطيران المصرى من إنجاز الطلعة الجوية الافتتاحية لحرب العبور العظيم فى السادس من أكتوبر 1973، وكان استشهاد "سلوى رضوان حجازى" من ضمن الأثمان الفادحة التى دفعها الشعب المصرى والعربى فى سبيل استعادة الأرض والدفاع عن الكرامة.
سلوى.. الوردة الحنون
كانت الشهيدة "سلوى حجازى" المذيعة بالتليفزيون المصرى، مثقفة، متمتعة بمواهب عديدة منها إبداع الشعر باللغة الفرنسية، لأنها نشأت فى بيت والدها "المستشار رضوان حجازى"، وكانت سنوات دراستها فى "الليسيه" الفرنسية، فتمكنت من اللغة وأصبحت تكتب بها قصائدها، وطبعت ديوانها باللغة الفرنسية، وترجم لها شعراء كبار قصائدها إلى العربية منهم "صالح جودت" و"أحمد رامى" وكتب "كامل الشناوى" مقدمة الطبعة العربية من ديوانها، وخلال سنوات عملها فى التليفزيون "من مواليد مايو 1934ـ واستشهدت فى 21 فبراير 1973"، حققت نجاحا كبيرا، فأجرت لقاءات مع نجوم الفن والشعر، من أشهرها لقاء مع الفنــانة "أم كلثوم" سيدة الغناء العربى، التى كانت ترفض الظهور التليفزيونى والمقابلات المتلفزة، ولقاء مع "فيروز" والأخوين رحبانى، الذين كانوا فى زيارة عمل للقاهرة استغرقت ستة شهور، تم خلالها تسجيل أغنيات لصالح الإذاعة المصرية، ولقاء مع الشاعر "نزار قبانى" وكان هذا اللقاء أول لقاء له بكاميرا التليفزيون المصرى، ولقاء مع الفنانة سميحة أيوب والشيخ أحمد حسن الباقورى، والكاتب محمود عوض والفنان محمود مرسى في برنامج السهرة الكبرى، والتقت أيضاً بزكى طليمات، وكانت موهوبة فى الرسم، وتركت عشرات اللوحات التى تصور الطبيعة، ولما استشهدت، رثاها "فؤاد حداد" بقصيدة وصفها فيها بالوردة "الحنينة"، وكان الأطفال المصريون يحبونها وهى تقدم لهم حلقات برنامج "عصافير الجنة"، ويوم استشهادها ـ رحمها الله ـ كانت ابنتها "رضوى محمود شريف" طالبة فى الثانوية العامة، وكان أولادها "آسر، هانى، محمد" فى سن الطفولة، وروت ـ رضوى ـ فى لقاء تليفزيونى ما عاشته عائلة "الشهيدة"، فقالت إن المستشار "رضوان حجازى" توفى إلى رحمة الله، بعد استشهاد "سلوى" بعدة أسابيع، لأنه كان يحبها حبا كبيرا، وهو من غرس فيها حب القراءة وعشق الفنون، وحكى عنها الصحفى "مفيد فوزى" ـ وهو من الذين عملوا معها فى برامجهاـ وقال إنها كانت مذيعة مثقفة، تستطيع أن تضيف وتطور الأفكار التى يجهزها فريق الإعداد والدليل نجده فى حواراتها مع رموز الفكر والفن، وقالت عنهاـ نجوى إبراهيم ـ إنها طلبت منها السفر بدلا عنها على متن الطائرة الليبية "الرحلة 114" وكانت معها ضمن البعثة التليفزيونية المصرية فى ليبيا، وإنها كانت طيبة القلب تحب الخير للناس، وكانت صديقتها المقربة أيضا "ليلى رستم" التى أصيبت بأزمة نفسية وصحية فور سماعها خبر استشهاد "سلوى" فوق أرض سيناء، وكرمت الدولة الشهيدة فمنحت اسمها "وسام العمل" من الدرجة الثانية، واعتبرتها من شهداء الوطن وتسلم الوسام زوجها من الوزير عبد القادر حاتم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة