دكتورة «عواطف عبدالرحمن».. أستاذة الصحافة المولودة فى «زرابى» الجبل الغربى

المعجزة فى حياة "دكتورة عواطف عبدالرحمن" تتلخص فى "الإرادة" التى ورثتها عن جدودها "الهوارة"، وبقوة العزيمة

 التى استمدتها من "الجبل الغربى" فى "أسيوط"، استطاعت أن تدافع عن حياتها، وتحمى إنسانيتها، وتعلم الأجيال، فى كلية الإعلام، وتقـــــاوم الــــفســـاد الــجـــــــامعــى فى عصر "السادات" و"مبارك"، وتخـــوض الــــمعــارك الـــفكـــــرية والسيــاسيــــة، منحـــازة لـــمعــسكــر المقــاومة، ضـد الصهيــونية وضــد التوحش الأمريكى والاستعمارى الأوروبى فى آسيا وأفريقيا، وتنتج أربعين كتابا متخصصة فى الصحافة والإعلام والاجتماع والسياسة، وتظل محل تقدير تلاميذها وتلميذاتها فى جميع أنحاء الوطن العربى، ولا تتنازل عن قناعاتها الفكرية، رغم الاعتقال والتضييق الأمنى عليها داخل الحرم الجامعى ومنعها من السفر إلى المؤتمرات العلمية خارج مصر..

كان من السهل أن أكون قريبا من ـ دكتورة عواطف ـ فهى من "الزرابى" التابعة لمركز "أبوتيج" فى أسيوط، والعبد لله من "كوم العرب " التابعة لمركز"طما" سوهاج، والحزام الذى تقع فيه "الزرابى " هو ذاته الذى يحتوى "كوم العرب"،ولكننى أرسلت إليها روايتـــى "عقد الحزون ـ 1999" وهاتفت "والدتها" وكانت الدكتورة فى رحلة علمية خارج مصر، واقتربت من أصدقاء لها "الراحل عبد العال الباقورى والراحل مجدى عبد الكريم"، ومن تلاميذها زملاء أفاضل يعملون معنا فى "مجلة الإذاعة والتليفزيون"، ولم أفز بلقاء "عواطف عبد الرحمن" رغم أننى اشتريت مذكراتها "صفصافة"التى نشرتها الهيئة العامة للكتاب منذ سنوات، ونشرت منها ما يصح أن نسميه "بورتريه" ونشر هنا على صفحات المجلة، ولا أعرف هل قرأت "دكتورة عواطف" ما كتبته عنها أم لا؟ ولكن ما يهمنى هنا التأكيد على ريادتها فى مجالات عديدة، منها الصحافة، فهى عملت فى"الأهرام"، وتخرجت فى العام 1960 فى قسم الصحافة بكلية آداب القاهرة، والسياسة، فهى من أوائل السيدات اللاتى ترشحن فى انتخابات مجلس الشعب فى العام 1984، فى دائرة "جنوب أسيوط" التى ضمت "البدارى، الغنايم، أبوتيج، صدفا" وهى لم تكن انتخابات، بل كانت لعبة من "الحزب الوطنى" ليفشل معارضوه فى الوصول إلى البرلمان، ويكون هو المتحكم فى "رجال الأعمال" الذين يمتلكون القدرة على الإنفاق على هذا "العمل الانتحارى" وليس "السياسى".. فالدائرة "جنوب أسيوط" ممتدة جغرافيا، شرق النيل، وغرب النيل، وفى الصحراء الغربية، وعدد القرى الذى يكون هذه الدائرة كبير جدا، ولكن "عواطف عبدالرحمن" ترشحت عن "حزب التجمع" وحولت فترة الدعاية الانتخابية إلى عمل سياسى "جبهوى" متحالفة مع "المستشار ممتاز نصار"، و"المستشار الدمرداش العقالى"، واستطاعت فى إطار هذه "الجبهة الانتخابية" أن تقول للناس شيئا عن الفساد المباركى، وتعلم الفقراء فى هذه الدائرة أن الحقوق تنتزع، بالعمل الجماعى المنظم، والتكتل الشعبى فى مواجهة "فريق المنتفعين" الذين يدافعون عن "الحزب الوطنى" راعى الفساد السياسى والاقتصادى تحت شعار كاذب هو"ديمقراطية، تنمية، استقرار"..

 التمرد على قانون هوارة

فى التاريخ الخاص بمنطقة "الصعيد" صفحات تنفرد بها "قبيلة هوارة" التى يمتد نفوذها من "أسيوط" حتى "قنا"، دون التقليل من قوة القبائل الأخرى،  وقيل إن دخول "هوارة"  إلى مصر كان مع "السلطان برقوق" المملوكى، وقيل إنها جاءت مع موجات الهجرة الهلالية العائدة من بلاد المغرب العربى، عقب انتهاء المعركة المشهورة بين "بنى هلال وبنى سليم" ومن كان معهما من قبائل ـ نجد والحجاز وجنوب العـــراق ـ و"المعز بن باديس" الذى تمرد على " الحكم الفاطمى" الشيعى الإسماعيلى، وهى المعركة المشهورة "تغريبة بنى هلال" وكتب فيها اثنان، دكتور عبد الحميد يونس أستاذ الأدب الشعبى فى آداب القاهرة، والشاعر "عبد الرحمن الأبنودى" الذى جمع "سيرة بنى هلال" بمساعدة عدد من الرواة والشعراء من أشهرهم "جابر أبوحسين"و"سيد الضوى"، ولكن الثابت فى التـــاريخ أيضا أن "همام بن يوسف" الهوارى، استولى على مناطق "ملوى" فى المنيا و"أسيوط" و"جرجا" و"فرشوط"، وجعل لنفسه ملكا لايقل عن رجال زمانه من الملوك والأمراء، وزاد عليهم، تشكيل حكم "الجمهور"ـ حسب ما ذكره رفاعة الطهطاوى ـ فى كتابه "تخليص الإبريز فى تلخيص باريز" لما قارن بين "حكم شيخ العرب همام"و"الحكم الجمهورى" فى فرنسا، وقال إن "همام الهوارى " سبق الثورة الفرنسية فى تأسيس "البرلمان"، وكان "همام" يجمع العربان والقبط ويشاروهم فى أمور الإقليم الممتد من "ملوى حتى أسوان "ويقاوم "المماليك" ويحارب "على بك الكبير" معتمدا على "الديمقراطية" والتدين والروح الطيبة فى التعامل مع حلفائه وجيران "هوارة " قبيلته القوية المقاتلة، وفى "النخيلة" التابعة لمركز "أبوتيج"، كانت "عائلة القمامحة" الهوارية، تمتلك أسباب القوة، وتحتل مكانة أدبية كبيرة، ولما انتقلت إلى "الزرابى" مثل بقية العائلات التى تركت فروعا منها فى النخيلة وانتقلت إلى "الأرض الجديدة" تحت سفح "الجبل الغربى"، وأصلحت المساحات الواسعة وزرعتها، ضمنت لنفسها "زربية " مثل بقية "الزرابى" واحتفظت بمكانتها المالية والأدبية، وكان منها "فهمى بك" والد "بهية فهمى" ـ أم دكتورة عواطف ـ وهو من أوائل خريجى "المهندسخانة"، وهذا جعل "بهية فهمى" متعلمة، مثقفة، تعيش فى القاهرة وتقرأ الصحف، وتراسلها، ولكن "العرف القبلى" اضطرها للزواج من والد "عواطف" ـ ابن عمها، فأنجبت منه سبعة أطفال، مات خمسة منهم فى عام واحد، وعاشت عواطف وأخ لها، ووقع الطلاق بين "بهية" وزوجها، وانتقلت "عواطف" وأمها إلى "القاهرة" لتعيش فى كنف خالها "الطيار محمد فهمى" ـ عضو الجناح المدنى لتنظيم الضباط الأحرار ـ وكان يعمل فى "المقاولات" وله مكتب فى وسط القاهرة، كان الضباط الأحرار يعقدون فيه اجتماعاتهم قبل 23 يوليو 1952، وهو الذى آوى "السادات" فى "ماقوسة " بالمنيا، جعله يعمل فى واحد من مشروعاته، سائق "لورى" يحمل الحجر والرمل والزلط،  عقب فصله من الجيش واتهامه بقتل "أمين عثمان" فى أربعينات القرن الماضى، وتمردت "بهية فهمى" على قانون "هوارة" وانتقلت إلى "القاهرة" ومعها "عواطف" التى قضت السنوات السبع الأولى من حياتها فى "الزرابى" فى كنف جدتها "صفصافة" الضريرة، التى امتلكت القدرة والإرادة على تخطى الإعاقة، والعيش بصورة طبيعية، فكانت تخبز الخبز، وتدبر ما يحتاجه البيت وتعامل الفلاحين العاملين فى الأرض التى تمتلكها، وتربى "عواطف" وتمنحها القيم الأساسية، مثل قيمة الكرامة، والعطف على الفقير، والإيمان بالله، والالتزام بالأخلاق العربية الإسلامية.

 عيش نتش وعيش إدره

فى الأيام الماضية، استمعت وشاهدت عدة أحاديث تليفزيونية للدكتورة الرائدة "عواطف عبد الرحمن" أجراها معها مذيعون متميزون هم "محمود شرف وإيمان شامية وقصواء الخلالى  وأيمن عدلى" والأربعة منهم من تخرج فى كلية الإعلام وعرف "دكتورة عواطف" واقترب منها داخل الحرم الجامعى، ومنهم من كان يلقاها فى "الاستديو" للمرة الأولى، والوحيدة التى نطقت كلمة معبرة عن ثقافتها، هى "قصواء الخلالى" وهى كلمة "الحوش"، وهى كلمة مستخدمة فى ليبيا، وتونس، والبوادى المصرية ومعناها "البيت"، وكانت ـ دكتورة عواطف ـ تتكلم عن "الدوار" باعتباره المبنى الذى يقيم فيه كبار القرى وأثرياؤها فى "وادى النيل"، ولكن ما قالته ـ دكتورة عواطف ـ من عبارات محلية "من كلام الزرابى " لم يلق اهتمام هؤلاء المذيعين، لأنه قول "عربان الحيط" وعربان الحيط هم الذين زرعوا الأرض واتخذوا بيوتا تقيهم الحر والبرد، وهجروا حياة الترحال فى الصحارى، وكانت الحكومات ـ من عهد محمد على حتى عهد السلطان حسين كامل ـ تفرق بين فئات السكان فى وادى النيل، فتحصى "عربان الحيط " فى سجل، وتحصى "الموطنين" و"عربان الخيوش"، وبقى "عربان الحيط" يتكلمون لهجتهم البدوية، ويزرعون الأرض، فيسمون "الذرة" "إدره" بتشديد الدال وفتح الراء، ويسمون "العيش الحاف"، "عيش نتش" أى بدون "غموس"، ويسمون القرين "النديد"  ويسمون "الوقود"، الوقيد، وهو ذات القاموس الذى مازال على ألسنة أهل ليبيا وتونس ومناطق من شرق الجزائر، وهى المناطق التى فيها القبائل ذاتها "قبائل التغريبة الهلالية"، ومنها جاء العربان إلى أسيوط وسوهاج والمنيا وقنا والجيزة والوادى الجديد والفيوم، ولكن من زرعوا منهم، وأقاموا فى وادى النيل، داخل الجدران، أسموا "عربان الحيط"ـ حسب ماورد فى تعداد السكان الذى أجرى فى مصر فى العام 1847، ولكن "عيش نتش" و"عيش إدره" كانت من العبارات التى جرت على ألسنة "نددات"ـ صديقات ـ عواطف عبد الرحمن فى "الزرابى"، فكانت تقارن بعقلها الواعى بين "الطبيخ الأحمر والزفر" المصاحب له، وبين "العيش النتش" الذى تأكله "نديدتها" التى هى فى الوقت ذاته قريبتها، وكبرت عواطف، والتحقت بجامعة القاهرة، وعرفت أن "تقسيم الثروة" فى المجتمع، ليس تقسيما عادلا، وأن "العيش النتش" الذى كانت صديقتها تأكله، كان بسبب غياب "العدل الاجتماعى"، وأصبح "العدل" غايتها، وهدفها الذى من أجله وهبت حياتها للعلم والنضال والعمل السياسى.

 مناضلة ضد الصهيونية

دكتورة عواطف عبد الرحمن من مواليد "1939" متعها الله بالصحة والعافية، والتحقت بكلية الآداب فى جامعة القاهرة، فى النصف الثانى من خمسينات القرن الماضى، وهى سنوات المد القومى العروبى، فى مواجهة الاستعمار الغربى، وهذا جعلها تعيش سنوات صاخبة، فكانت "القومية العربية "و"البعث"و"الماركسية" من ضمن الأفكار التى تتصارع فى قلوب وعقول أبناء وبنات جيلها، وكان الجميع ضد "الصهيونية" التى  اغتصبت "فلسطين" العربية، برعاية ودعم بريطانيا وفرنسا وأمريكا، ولما اختارت ـ عواطف ـ استكمال الدراسات العليا، سافرت إلى الجزائر، وقابلت "الثوار" الذين شكلوا جبهة التحرير الشعبية التى قامت بتنظيم "الكفاح المسلح" فى القطر العربى الشقيق، وكان موضوع رسالة الماجستير الذى اختارته "صحف الثورة الجزائرية"، وهى الصحف التـــى اعتمد عليها "الثوار" حتى تحقق النصــر النهـــائى فى العام 1962، وكتبت ـ دكتورة عواطف عبدالرحمن ـ كتابها المشهور "مصر وفلسطين"، ونشرته سلسلة "عالم المعرفة" التى تصدر فى دولة "الكويت"، وكانت  ضمن سيدات "لجنة الدفاع عن الثقافة القومية" مع دكتورة "لطيفة الزيات" و"رضوى عاشور" وغيرهما من السيدات، وهى لجنة تشكلت عقب قيام "السادات" بتوقيع اتفاقية "كامب ديفيد" مع الكيان الصهيونى فى أواخر سبعينات القرن الماضى، وكان من أشهر أعمال تلك اللجنة، التصدى لإسرائيل، ورفض "التطبيع" معها، وهى التى قتلت ما يزيد على المائة ألف شاب مصرى فى سنوات المواجهة المسلحة "1948 ـ 1973"، وهذه اللجنة منعت اشتراك "إسرائيل" فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، وكانت من أسباب تحريض النقابات والجمعيات الأهلية على تجريم التطبيع مع الكيان الصهيونى الذى يقتل أهلنا فى فلسطين ولبنان.

ويعرف الأكاديميون المتخصصون فى الصحافة والإعلام عن ـ دكتورة عواطف عبدالرحمن ـ الصرامة والدقة فى العمل البحثى والعلمى، ويعرفون أيضا أنها مع "حرية الجامعات" وحرية البحث العلمى، وهذا جعلها تخضع للاعتقال فى نهاية عصر "السادات"، وتقضى مائة يوم فى سجون الداخلية، وتخوض معركة قانونية ضد رجال "السادات" فى جامعة القاهرة، وتخضع للتحقيقات بهدف إجبارها على الاستقالة، لكنها صمدت،  ومات السادات، وجاء "مبارك"، وانضمت إلى "حركة 9مارس" التى كانت تنادى باستقلال الجامعة وخروج الحرس من داخل الحرم الجامعى، وعدم فرض الوصاية الأمنية على رؤساء الجامعات وعمداء الكليات، ولم تكتف بالنضال العلمى والسياسى التقليدى، بل شكلت "جمعية" أهلية وأصدرت مجلة "الدوار" وهى مختصة بالدفاع عن المرأة فى الصعيد، وكتبت كتابا مهما عن "الزرابى"  قريتها "المسكوت عنه فى قرية جنوبية"، وهذا كتاب يقدم صورة صادقة للمجتمع فى "الزرابى" وقرى أسيوط، وهناك أربعون كتابا أخرى أبدعتها "دكتورة عواطف" فى مجال الصحافة والإعلام، ومازالت تؤدى دورها العلمى والسياسى والتربوى حتى يومنا هذا، متعها الله بالصحة والعافية.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص