المخرج يكتب قصيدة من خلال الصورة «أرض القصب»: سيمفونية الطبيعة والذاكرة

في بهجة مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ 46 وتحديدًا ضمن قاعة أسبوع النقاد، يظهر فيلم «أرض القصب» (2025) للمخرج سفين بريسر ( من هولندا وبلجيكا) كلوحة سينمائية تتداخل فيها الطبيعة مع عذوبة الذكريات وتتحول الحقول إلى مرايا تطبع بريق الماضى على وجه الحاضر.

 

عندما تبدأ الكاميرا رحلتها في «أرض القصب» تشعر وكأنها تغوص في بحر من السيقان الرقيقة التي ترقص مع الريح. القصب هنا ليس مجرد نبات بل كائن حي يشبه الإنسان فى مرونته ينحنى دون أن ينكسر، يتمايل ولكنه يبقى ثابتا في جذوره. هذا التناغم البصرى هو المدخل إلى قصة أعمق : قصة عن الأرض، والتاريخ والذاكرة.

الفيلم يسير بخطوات بطيئة مدروسة، ليعرفنا على سكان هذه الأراضي: أشخاص عاشوا مع القصب تنفسوا نسماته، وربما حملوا داخليا همومًا تشبه خفقات نسمات الريح في تلك الحقول المخرج لا يكتفى بتصوير الطبيعة فحسب، بل يجسد علاقة الإنسان بالأرض: كيف يمكن لقلب إنسان أن يكون مثل القصب هشا، لكن قادرًا على الامتداد إلى السماء.

في السرد السينمائى، هناك حوار بين الماضي والحاضر. قد تستمع إلى أصوات من الذاكرة صوت خطوات على الأرض الموحلة همسات الرياح، وحتى صمت القصب حين يغشى الهواء. هذا الصمت يحمل في داخله الكثير: حكايات من الزمن الماضي، آمال من قلوب لم تفهم بعد، وأحلام مترتبة على وطن غارق في الحقول والمياه.

لكن أرض القصب ليست مجرد مكان جميل بل فضاء للنضال؛ نضال الأرض والناس معا. القصب يحتاج إلى الماء لينمو، لكنه فى الوقت نفسه عرضة للجفاف إذا انخفضت المياه. هذا التوازن الدقيق بين الحياة والموت بين النمو والانكماش، يمكن اعتباره استعارة لحالة إنسان يعيش في بيئة هشة التاريخ يضغط التغيير يلوح، والذكريات تصارع النسيان.

في أحد المشاهد، يمكن أن تكون هناك شخصيات تعمل في هذا الحقل، تروّض المياه، تحاول أن تحفظ ما بقى من أرضها. هؤلاء البشر لا يعيشون فقط على القصب بل مع القصب، يشتركون معه في الحياة والمصير.

سفين بريسر، المخرج، يبدو وكأنه يكتب قصيدة من خلال الصورة: اللقطات الطويلة التي تلتقط القصب وهو ينحنى انعكاس ضوء الشمس على المياه، واللون الأخضر الذهبي الذي يكسو الحقول عند الغروب كل ذلك يعطى للفيلم موسيقى بصرية مميزة.

الموسيقى التصويرية ترافق هذه الصورة بنغمات هادئة، أحيانا شجن، وأحيانا أمل. هذه الموسيقى لا تطغى على الصورة، بل تكملها، كأنها نفس إضافي نفس الطبيعة، نفس الإنسان، نبض الأرض.

ما يجعل أرض القصب مميزا في سياق أسبوع النقاد ليس فقط جماله السينمائى، بل رسالته الإنسانية والرمزية. القصب هنا ليس رمزا للضعف فقط، بل رمز الصمود الأرض والذاكرة. إن العلاقة بين الإنسان والطبيعة في الفيلم تطرح تساؤلا: كيف نحمى ما نملكه من تراث؟ كيف نحافظ على ارتباطنا بالأرض في زمن التغيير؟

الفيلم يدعو للتأمل: ربما يجب أن ننظر إلى الطبيعة لیس کمورد بل كشريك القصب بمظهره الهش يعلمنا أن القوة قد تأتى من المرونة، وأن البقاء لا يقاس بالصلابة فحسب، بل بالقدرة على التكيف والتجدد.

بعد انتهاء أرض القصب، يبقى المشاهد محملا بشيء من السكون. ليس السكون الذي يعبر عن نهاية بل السكون الذي يشبه بداية تفكير جديد التفكير في الأرض، في الطبيعة، في جذورنا.

هذا الفيلم، وهو من بين ثمانية أفلام اختارها المهرجان في مسابقة أسبوع النقاد، يمثل تجربة سينمائية راقية وهادئة، لكنها قوية في تأثيرها. إنه تذكرة بأن الأرض لیست مجرد خلفية لصراعاتنا، بل قلب نابض من الذكريات والآمال، وأن القصب، مع بساطته، يمكن أن يحمل قصة كبيرة جدا.

عن الروابط الأسرية والتحديات التى يواجهها ذوو الهمم

«أشقاء».. رحلة إنسانية بين الواجب والطموح

في دورة هذا العام من مهرجان القاهرة السينمائى الدولى، قدم أسبوع النقاد منصة للسينما الأوروبية المعاصرة لعرض أعمال تتسم بالحساسية الإنسانية والتجريب الفنى من بين هذه الأعمال، برز فيلم «أشقاء» للمخرجة جريتا سكارانو كقصة حميمة وعميقة عن الروابط الأسرية والتحديات النفسية والاجتماعية التى يواجهها الأفراد ذوو الهمم. من خلال رحلة العودة إلى الجذور، بين روما وريميني، يقدم الفيلم قراءة مدروسة لعلاقة الأخوة. بين الرعاية والطموح، وبين الواجب والاستقلال، مسلطاً الضوء على أبعاد إنسانية تتجاوز الحدود الثقافية والجغرافية.

يتناول «أشقاء» قصة إنسانية عميقة وبسيطة في آن واحد إيريني الشخصية المحورية، تبنى لنفسها حياة مستقرة في روما، لكن حياتها تتقلب عندما تجبر على العودة إلى ريميني مسقط رأسها للاهتمام بشقيقها عمر الذي يعاني من التوحد. هذا الصراع بين الواجب العائلي والرغبة في الاستقلال، يمنح الفيلم بعدا نفسيا مهما. عمر الأربعيني المصاب بالتوحد لا يكتفى بالاعتماد على شقيقته فقط بل يسعى لتحقيق حلمه المشاركة في برنامج مواهب ليصبح مطربا.

بهذا، يقدم الفيلم وجها حساسا لعلاقة الأخوة، ليس فقط من منظور الرعاية بل أيضا من منظور الطموح والرغبة في التمكين. إنه خطاب إنساني حول الاعتماد المتبادل والنضال من أجل الكرامة، والقدرة على الحلم حتى في وجه التحديات.

من الناحية الاجتماعية، يتطرق «أشقاء» إلى قضية الأشخاص ذوي الهمم في هذه الحالة التوحد بطريقة راقية وغير مبتذلة. لا يعرضهم كضحايا فقط، بل كأشخاص لديهم رغبات وأحلام، لديهم طموح، ويريدون أن يحترم استقلالهم. هذا التناول يمنح الفيلم قوة ويجعله ليس مجرد دراما عائلية، بل رؤية اجتماعية تسلط الضوء على التحديات النفسية والاجتماعية التي تواجه مثل هؤلاء الأفراد.

ومن الناحية النفسية، هناك ترجمة دقيقة لمفهوم «البلوغ»، ليس فقط كظهور جسدی بل کبلوغ شعوری ونفسى. عمر لا يريد البقاء نموذجا للطفولة الدائمة، بل يطمح لنضج لا يعني التخلى عن هويته، بل إعادة بنائها، وهذا يجعله أكثر عمقا من مجرد شخصية بسيطة تحتاج رعاية.

جريتا سكارانو في أول فيلم روائي طويل لها، تظهر قدرة واضحة على المزج بين الحس الدرامي والواقعية. اختيارها لبيئة إيطالية - روما وريميني - يمنح الفيلم خلفية ثقافية لطيفة، تعبر عن التباين بين مدينة الحياة السريعة (روما) ومدينة الجذور (ريميني). هذا التباين ينعكس في رحلة إيريني الداخلية بين الاستقرار والعودة إلى الجذور.

الإخراج يراعى التفاصيل الصغيرة كيف تبدو حياة إيريني في روما وكيف تبدلت بعد العودة، وكيف يتفاعل عمر مع العالم من حوله. لا يبدو أن الفيلم يسعى للمبالغة في إظهار التوحد بطريقة سينمائية درامية فقط بل يعرضه بواقعية في الحوار في السلوك، وفي طموح عمر.

أداء الممثلين في فيلم «أشقاء» يمثل أحد أبرز عناصر قوته الفنية، حيث يظهر التوازن الدقيق بين الحميمية الواقعية والبعد النفسي للشخصيات. شخصية إيريني جسدتها الممثلة بإتقان، معبرة عن الصراع الداخلي بين رغبتها في الاستقلال وواجبها تجاه شقيقها، بينما قدم ممثل شخصية عمر أداء حساسا يظهر تحديات التوحد وطموحه في الوقت ذاته التفاعل بين الشخصيتين يبدو طبيعيا ومؤثرا، مما يخلق صدى عاطفياً قوياً لدى المشاهد. هذا التناغم في الأداء يمنح الفيلم عمقا نفسيا ويجعل العلاقة بين الأخوة محورا إنسانياً صادقا، ويعكس رؤية المخرجة في تقديم سرد يركز على التفاصيل الدقيقة للعلاقات الأسرية.

مدة الفيلم (96) دقيقة وهي مناسبة لسرد قصة حميمة. لا يبدو أن هناك حبكة معقدة أو تشابكا كبيرا من الأفعال، وإنما تركيز على التوتر العائلي والداخلي. هذا الإيقاع البطىء يسمح للمشاهد بالتعمق في المشاعر النفسية للشخصيات، لكنه من جهة أخرى قد يخاطر بأن يشعر بعض الجمهور بأنه «هادئ جدا» أو «متان» في بعض اللحظات، خصوصاً إذا كانوا يتوقعون توترا دراميا شديدا

الشقيقان يمثلان رابط الدم، لكن أيضا رابط الاحترام المتبادل والرغبة في الاستقلال. العلاقة بين إيريني وعمر ليست طبيعية فقط، بل علاقة تأثير متبادل هي تؤثر فيه كراعية، وهو يؤثر فيها كملهم للطموح والمسئولية.

برنامج المواهب يمثل الحرية والطموح. إنه ليس مجرد حلم ترفیهی بل وسيلة لتحقيق الذات، اختبار للنضج الاجتماعي، وإثبات أنه حتى الأشخاص ذوو الهمم يمكن أن يعيشوا «نجاحهم».

التوازن بين الواقعية والطموح الطموحالفنى لعمر أن يصبح مطرباً مشهوراً، قد يكون مصدر إلهام، لكنه أيضا قد يشعر بعض المشاهدين بأنه ساذج أو مثالى خاصة في سياق حياة شخص مصاب بالتوحد. يجب أن يعرض هذا الحلم بطريقة متوازنة، بحيث نرى التحديات الحقيقية التي قد تواجهه في الواقع، لا فقط الجانب المشرق من المواهب.

الفيلم تجربة سينمائية إنسانية هادئة وحساسة، تعالج قضية مهمة - التوحد والعلاقة الأسرية - بطريقة غير مثالية لكنها واقعية وتحمل طموحا من خلال العلاقة بين إيريني وعمر، يقدم المخرج رؤية حول الاعتماد المتبادل النضج، والطموح على الرغم من بعض التحديات المحتملة في كيفية طرحالطموحات والتوازن بين الحلم والواقع فإن الفيلم ينجح في خلق سرد مؤثر وواقعي عرضه في أسبوع النقاد في مهرجان القاهرة يمنحه منصة قوية للنقاش، ويظهر أن السينما الأوروبية المعاصرة ما زالت تجد في الموضوعات الإنسانية العميقة مصدراً خصباً للقصص.

نجح «أشقاء» في تقديم تجربة سينمائية حساسة وواقعية تمزج بين الدراما الإنسانية والبعد الاجتماعي وتفتح نافذة على التحديات النفسية والعاطفية لذوي الهمم وعائلاتهم. إنه عمل يذكر المشاهدين بقوة الروابط الأسرية، وأهمية الاستقلال والتمكين ويؤكد أن السينما ليست مجرد ترفيه بل أداة لفهم الإنسان والتفاعل مع قضاياه بعمق وصدق.

Katen Doe

أميمة فتح الباب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مى سعد: سعيدة بجائزة «القاهرة» .. ورسالتى وصلت
كشف حساب الدورة ال 46 لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى
كتب
نبيل
رامي
مالك
خالد النبوى: شاهين ربطنى فى سيارة لتصوير أحد مشاهد «المهاجر»
25 فيلمًا ترسم ملامح جيلين.. «مهرجان القاهرة» يحتفى بالسينما المصرية

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص