25 فيلمًا ترسم ملامح جيلين.. «مهرجان القاهرة» يحتفى بالسينما المصرية

احتفالا بمئوية "فيبريسي" وتاريخ يمتد لأكثر من مائة عام، أعلن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. قائمة تضم أفضل 25 فيلما مصريا في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين.

الإعلان لم يكن مجرد كشف الأسماء حلمت السينما المصرية، وكيف أفلام، بل أشبه بمرأة تعكس كيف عاشت، وكيف صرخت بأوجاعها . وأسئلتها على مدى خمسة وعشرين -عاما.

جاءت المبادرة بالشراكة مع الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين (فيبريسي) و جمعية نقاد السينما المصريين احتفاء بمئوية الاتحاد العريق، وسيصدر المهرجان كتابا توثيقيا شاملا في دورته السادسة والأربعين (۲۰۱۲) نوفمبر (۲۰۲۵)، يحلل هذه الأفلام فيلقا فيلقا، ويضيء على الظواهر الفنية والإنتاجية التي صنعت المشهد السينمائي المصري منذ مطلع الألفية.

وكأن المهرجان أراد أن يقول: هذه ليست مجرد قائمة. بل ذاكرة أجيال تسلم للأجيال القادمة.

البذرة الأولى لهذه الفكرة زرعت في الجناح المصري . يسوق كان للأفلام خلال الدورة الـ ۷۸ لمهرجان كان مايو (۲۰۲۵)، هناك اجتمع ممثلو مهرجان القاهرة ونقاد السينما المصريون و فيبريسي»، ليقرروا أن الوقت قد حان التوثيق رحلة السينما المصرية بعد عام ٢٠٠٠، رحلة لم تتل بعد حلها من النقد الرصين والتحليل العميق.

استندت عملية الاختيار إلى قاعدة واسعة: ۸۸۱ فيلقا طويلا عرضت بین ۲۰۰۱ ویولیو ٢٠٢۵، سواء في صالات السينما أو عبر الفضائيات والمنصات الإلكترونية، لتكون المنافسة عادلة بين كل طرق العرض.

أرسل ٦٣ نافذا وناقدة قوائمهم، ليخرج من بين هذا التنوع ٢٥ فيلما تمثل زيد ربع قرن من الحكايات والصور والأحلام

في الصدارة جاء بحب السيماء (٢٠٠٤) الأسامة فوزي الفيلم الذي أشعل جدلا وقت عرضه وظل حاضرا بقوة في ذاكرة المشاهدين تلاه رسائل البحر» (۲۰۱۰) و مواطن ومخبر وحرامي (۲۰۰۱) الداود عبد السيد. وكأن الأخير يعلن حضوره كصوت يعبر بصدق عن أسئلة جيله.

أما يسرى نصر الله فحجز ثلاثة مواقع مميزة بـ باب الشمس و احکی یا شهرزاده، وجنينة الأسماك

ووقف محمد خان بفيلميه فى شقة مصر الجديدة. و«فتاة المصنع مانجا السينما لمسة شاعرية عن العاطفة والمدينة.

بينما دخلت المخرجات المصريات بقوة هالة خليل ي أحلى الأوقات، وهالة لطفى بـ «الخروج للنهاره. وكاملة أبو ذكرى به واحد صفر»، مؤكدات أن صوت المرأة لم يعد على الهامش.

ومن بين الأفلام التي أثارت نقاشا واسقا، جاء ريش» (۲۰۲۱) لعمر الزهيري الفائز بجائزة النقاد في «كان» وه هي فوضى (۲۰۰۷) آخر صرخة أطلقها يوسف شاهین برفقة خالد يوسف.

ولم نقب بصمة الحاضر إذ ضمت القائمة فيلمي البحث عن منفذ الخروج السيد رامبو (۲۰۲۵) و «أبو زعبل ۸۹ (٢٠٢٥)، ليؤكدا أن السينما المصرية ما زالت قادرة على أن تفاجئ وتثير الأسئلة.

ورغم أن القائمة تعكس اختيارات نقدية بالأساس فإن اللافت أن كثيرا من هذه الأفلام حققت حضورا جماهيريا وتجاريا لافتا عند عرضها، مثل إبراهيم الأبيض» و«الجزيرة» و«عمارة يعقوبيان، التي جمعت بين شباك التذاكر والجدل النقدي في آن واحد، في المقابل، هناك أفلام مثل آخر أيام المدينة» و«الخروج للنهاره ومريش لم تحصد أرباحا كبيرة لكنها تركت اثرا عميقا في المهرجانات الدولية، ورسخت مكانة السينما المصرية كصوت إبداعي مختلف، وهكذا تكشف القائمة أن العلاقة بين النجاح التجاري والاختيار النقدي ليست خطية أو متطابقة دائما، لكنها تبرهن على أن القيمة الفنية قادرة على أن تفرض نفسها، سواء دعمتها الإيرادات أو اكتفت بوهجها الإبداعي.

توازن لافت

إذا تأملنا قائمة الـ ٢٥ فيلقا، نجد أنها تكشف عن توازن لافت بين أفلام جماهيرية جذبت شباك التذاكر و أصبحت علامات في الثقافة الشعبية مثل إبراهيم الأبيض» و«الجزيرة» و«عمارة يعقوبيان». حيث اجتمع فيها البعد التجاري مع طموحفني واضح، وهو ما جعلها قادرة على حجز مكانها في ذاكرة النقاد والجمهور معا في المقابل، هناك أفلام لم تحظ بنفس القوة في شباك التذاكر لكنها وجدت اعترافا أكبر في المحافل الدولية مثل آخر أيام المدينة. التامر السعيد، والخروج للنهاره لهالة لطفي، وريش لعمر الزهيري، والتي مثلت مصر في مهرجانات كبرى ولفتت الأنظار عالميا، وبين هذين الاتجاهين تلف أفلام مثل بحب السيما وسهر الليالي و واحد صفره التي جمعت بين الحضور المحلى والتقدير النقدي، لتؤكد أن نجاح الفيلم قد يتجلى باشكال متعددة في شباك التذاكر أو في المنصات. العالمية، أو في ذاكرة النقد، وفي أحيان قليلة في كل هذه المساحات مقا.

من الملاحظ أن العديد من الأفلام الواردة في القائمة ارتبطت ارتباطا وثيقا بالمهرجانات السينمائية، سواء داخل مصر أو خارجها، فبعضها شكل محطات مضيئة في تاريخ مهرجان القاهرة نفسه مثل عمارة يعقوبيان و واحد صفر»، فيما انطلقت أفلام أخرى نحو العالمية عبر مهرجانات كبرى مثل ريش الذي حصد جائزة النقاد في «كان»، وآخر أيام المدينة، الذي تنقل بين برلين ولندن ليصبح أحد أكثر الأفلام المصرية تداولا في الأوساط النقدية العالمية، كما منحت المهرجانات المحلية والإقليمية فرضا الأفلام مثل ميكروفون» والخروج النهارة لتصل إلى جمهور أوسع.

من الملاحظ أيضا أن قائمة أفضل ٢٥ فيلما تضمنت أسماء متكررة سواء بين المخرجين أو الممثلين، وهو ما يكشف عن حضور ثابت لعدد من العلامات المؤثرة في السينما المصرية المعاصرة، فعلى مستوى الإخراج تکرر اسم داود عبد السيد يفيلميه رسائل البحره و مواطن ومخبر وحرامي، كما حضر يسرى نصر الله بعملين بارزين هما باب الشمس و احکی با شهرزاده فيما أكد محمد خان مكانته بفيلمه في شقة مصر الجديدة، أما على مستوى التمثيل، فقد برزت منى زكي في أكثر من عمل مثل سهر الليالي، و احكى با شهرزاد، وشارك خالد صالح في عمارة يعقوبيان و هی فوضى، كما لمع اسم محمود حميدة في الحب السيماء وملك وكتابة هذا التكرار لا يعد ضعفا في التنوع، بل دليلا على أن بعض الفنانين ظلوا قادرين على تقديم تجارب متجددة ومؤثرة جعلت النقاد يعتبرونها من الأعمال المرجعية التي شكلت ملامح ربع قرن من السينما المصرية

غياب الكلاسيكيات.

ورغم أهمية هذه القائمة ودورها في إلقاء الضوء على إنجازات السينما المصرية خلال ربع القرن الأخير، فإنها بطبيعتها تفتقد إلى الأفلام الكلاسيكية الخالدة التي صنعت مجد السينما المصرية في القرن العشرين، فلا وجود الأعمال يوسف شاهين في ذروته، أو افلام صلاحأبو سيف، أو تحف كمال الشيخ وحسن الإمام وغيرهم من صناع «الزمن الذهبي»، هذا الغياب قد يخلق التباسا لدى القارئ غير المتخصص الذي قد يتساءل: كيف يمكن الحديث عن أفضل السينما المصرية دون أن تحضر علامات مثل الأرض»، باب الحديدة، أو بداية ونهاية ٢٠ إلا أن هذا النقص يعكس في جوهره حدود المنهجية، فالاستفتاء ركز على الفترة من ٢٠٠١ حتى ٢٢٥، ما جعله يحجب عمدا الأفلام الكلاسيكية التي رسخت هوية السينما المصرية عالميا، وهنا لكفن المفارقة فبينما تحتفي القائمة بإنجازات الجيل الجديد وتمنحه صوته المستحق، فإنها تذكرنا أيضا بالحاجة إلى قوائم موازية تعيد إحياء ذاكرة السينما المصرية الكاملة، بحيث لا يقرأ الحاضر بمعزل عن الماضي

من هنا تبرز الحاجة إلى مشروع أكثر شمولا يجمع بين القوائم المعاصرة والكلاسيكيات، ليقدم خريطة متكاملة التاريخ السينما المصرية، فكما تسلط هذه القائمة الضوء على إنجازات السنوات الخمس والعشرين الأخيرة. يمكن القوائم أخرى أن تستعيد روائع القرن العشرين، بما فيها أعمال يوسف شاهين وصلاح أبو سيف وبركات وحسن الإمام وغيرهم نفج الماضي بالحاضر لا يعنى المقارنة بين اجيال مختلفة بقدر ما يعنى رسم خط متصل يوضح كيف تطورت اللغة السينمائية المصرية عبر العقود وكيف انتقلت من الكلاسيكيات الخالدة إلى تجارب جديدة أكثر جرأة وتجريبية. بهذا الشكل يصبح لدينا أرشيف نقدى شامل، لا يكتفي بتوثيق الحاضر، بل يعيد إحياء ذاكرة كاملة. المتظل السينما المصرية مرجعا لأجيال المستقبل في تراتها وتنوعها وتعدد أصواتها.

تكشف هذه القائمة أن نجاح السينما لا يقاس بمعيار واحد فهناك من يترك بصمته عبر الإيرادات، وهناك من يحفر اسمه عبر المهرجانات العالمية، وهناك من يظل خالدا بفضل النقد والذاكرة، وبين هذه المسارات جميعا تنجلي السينما المصرية كفن حي قادر على أن يجمع بين المتعة الشعبية والبحث الجمالي العميق، ليقدم صورة أكثر تراء وتعقيدا لمجتمع لا يتوقف عن الحلم والتجدد.

Katen Doe

أميمة فتح الباب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مى سعد: سعيدة بجائزة «القاهرة» .. ورسالتى وصلت
كشف حساب الدورة ال 46 لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى
كتب
نبيل
رامي
المخرج يكتب قصيدة من خلال الصورة «أرض القصب»: سيمفونية الطبيعة والذاكر
مالك
خالد النبوى: شاهين ربطنى فى سيارة لتصوير أحد مشاهد «المهاجر»

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص