(أمنية لأسماك القرش ) .. نص جديد للشاعر السوري رباح سليمان

جلس إلى جانبي في المقعد الوحيد الفارغ فانطلق السائق بعصبية أثارت حنق الجميع ربما لخلوّ "السرفيس " من النساء . بادرني بالكلام مقاطعاً تأملي للدرب التي مللتُ تفاصيلها

جلس إلى جانبي في المقعد الوحيد الفارغ فانطلق السائق بعصبية أثارت حنق الجميع ربما لخلوّ "السرفيس " من النساء .

بادرني بالكلام مقاطعاً تأملي للدرب التي مللتُ تفاصيلها والتي لن أحفظ أبداً ترتيب مفارقها .. يبدو أن الذاكرة امتلأت تماما كذاكرة جهاز هاتفي التي ترفض أي حدث جديد مكتفية بأغاني فيروز وبضع صور قديمة كلهنّ للمرأة الوحيدة التي أحببتها وغدرتْ بي .

قال لي : أنا أسعد إنسان على سطح هذه الأرض التي تدور .. كل أمنياتي تحققت .. تخرجتُ من الجامعة دون أي ظلم من أساتذتي وكانت علاماتي كاملة في كل المواد بلا أي نقصان رغم أنني لم أفتح كتابا أبدا .. أديتُ خدمتي الإلزامية بلا أية إهانات أو تعذيب .. توظفتُ في اليوم الذي تلا تسريحي مباشرة .. تزوجتُ من امرأة تزدحم بالإثارة والرغبة .. لديّ الكثير من المال مكّنني من إشباع كل رغباتي الدنيوية من عمارات وأراضٍ وسيارات .. لا أشكو من مرض أو ألم أو قلق .. أصدقائي كلهم أوفياء وأكثرهم وفاءً كان حظّي الذي لم يتخلَّ عني أبدا منذ فتحت عيني على هذه الحياة .

قاطعته في نفسي : أنت إذن من يحتكر الأمنيات المحققة ويحجبها عني تاركاً لي متاهات الفشل .. أكمل أيها المحتكر يا متعهد الأمنيات .

قال لي مكملا ً : لأكون دقيقاً معك ثمة أمنية واحدة لم تتحقق حتى الآن .

قاطعته مرة أخرى في نفسي : دعني أشمت الآن بك .. اللهم شماتة .. هاتها إذن ..

قال لي : هي أمنيتي الأغلى والأحب لقلبي ..

قلت لنفسي من جديد : اللهم مزيداً من الشماتة .. هاتها بسرعة .

قال : أمنيتي الأخيرة أن أكون على شاطئ البحر في يوم شتويّ عاصف .. وحيداً وحيداً .. تمرّ سيارة مفخخة بأشد المواد فتكاً .. تتوقف أمامي .. نتبادل النظرات أنا وسائقها ذو اللحية السوداء الطويلة الحاقدة .. تنفجر كقنبلة هيروشيما لأتبدّدَ عدداً لا منتهياً من الذرات نصفها يستوطن أمعاء أسماك القرش ونصفها الثاني أمنحه للنوارس بمحبة .

لاحت " جبلة " مدينة من ضباب وعلى موقف " المشفى " في أولها غادرني صاحب الأمنيات المحققة تاركاً إياي أمضغ حصتي من ضباب المدينة .

أفقت من الصدمة عند " الفروة " .. عدت مسرعاً أبحث عنه دون جدوى .. لا شيء .. لا أثر .. كان قد اختفى .. ربما تحققت أمنيتُه الأخيرة ..


Katen Doe

(خاص - بوابة ماسبيرو)

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من نصوص

أمنيات عارية

- تغيّرتَ كثيراً .. قالت بغصة - كيف ؟ .. قلْت - كنتَ تكتبُ لي قصيدة مع أول كلّ سنة...

إلى صديقي .. بائع الخبز الذي مضى

ها هنا .. كان يقفْ يبيع الخبز للسعداءِ المسرعين إلى حكايا ليس يعرفها ولا يريدْ لم يكن يبيع حزن عينيه...

(أمنية لأسماك القرش ) .. نص جديد للشاعر السوري رباح سليمان

جلس إلى جانبي في المقعد الوحيد الفارغ فانطلق السائق بعصبية أثارت حنق الجميع ربما لخلوّ "السرفيس " من النساء ....

رجلٌ خائنٌ كَقِطٍ برّي

في آخر العالم على أطراف صحراء نائية وبخيمة وحيدة وطارئة أتمدد عاريا أتهجى نعيق غراب حائر يحمل رسالة لعواصم ترتاب...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص