باب الشعرية.. حكاية حى يجمع التاريخ مع الحياة

يحوى سوق الزمن الذى يبيع الحكايات يجمع بابا الشعرية بين الأزمنة من حصون الفاطمين وأبوابها إلى الطوائف الحرفية والحمامات والأضرحة والمساجد

من يقف اليوم في ميدان باب الشعرية لا يستطيع أن يغض البصر عن تمثال موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب الذي يتوسط الميدان شامخا، وكأنه يراقب حركة الحياة، ومن حوله تتدافع السيارات في كل اتجاه، والمارة الذين يهرولون في مشاغلهم اليومية، وأصوات الباعة التي تتداخل مع صحيح الميكروفونات التي تعلن عن التخفيضات في أسواق الأحذية والشنط والإكسسوارات، وأربح العطور الشعبية الذي يختلط برائحة الطعام الصاعد من المطاعم الصغيرة.

هذا المشهد مكتمل يختصر باب الشعرية. وهو الحي النابض، الذي يختزن بين شوارعه وحواريه تاريخا يمتد لقرون ويظل حاضرا في وجدان كل من عرف القاهرة القديمة.

أصل التسمية وبداية الحكاية

يرتبط اسم "باب الشعرية" ببوابة من بوابات القاهرة القديمة التي شيدها القائد جوهر الصقلي عام ٩٦٩م أثناء تأسيسه المدينة القاهرة في عهد الفاطميين.. كان الغرض الأساسي من تلك البوابات حماية المدينة من الغزوات الخارجية، فكانت القاهرة أشبه بالقلعة الكبيرة ذات الأسوار الضخمة والأبواب. المحكمة.

أما سبب التسمية فيعود - كما تشير أغلب الروايات - إلى قبيلة بني الشعران" اليمنية التي نزلت بهذا المكان فأصبح الحي يعرف بهم. ومع مرور الزمن اختصر الاسم من "الشعرانية" إلى الشعرية ، حتى صار علامة على واحد من أعرق أحياء القاهرة.

الطوائف والحرف

عرفت مصر في العصور الوسطى نظام الطوائف الحرفية، حيث كان لكل حرفة شيخها وطابعها الخاص، وباب الشعرية كان مركزا لهذه الطوائف، فاشتهرت شوارعه بصناعة النحاس والتجارة والدباغة، وصناعة الأحذية، وكانت الطوائف لا تقتصر على ممارسة الحرفة فحسب، بل كانت بمثابة رابطة اجتماعية تحكمها القوانين والأعراف والتقاليد. وكان شيخ الطائفة" بمثابة القاضي الذي يفصل في النزاعات، والموجه الذي يعلم الصغار أصول الحرفة ويضمن الجودة.

ومن بين هذه الطوائف كانت هناك . طائفة "المسنين" الذين تخصصوا في شحذ السكاكين والمفاصل والمناجل وطائفة "العطارين الذين ملأوا الأزقة بروائح الأعشاب والتوابل، حتى طائفة "السماطجية" الذين صنعوا سماط الأفراح والمناسبات، كانت لهم شهرتهم في المنطقة، وهكذا صار باب الشعرية قلبا نابضا بالحرفيين، يخرج منه صدى أصوات المطارق والمناشير والمواقد. ممزوجا بالصلوات المتعاقبة من المآذن.

الحمامات.. عمارة وروح اجتماعية

لم يكن باب الشعرية حى الحرف فقط، بل عرف أيضا بالحمامات العامة التي شكلت مظهرا من مظاهر الحياة الاجتماعية للقاهرة في العصور الوسطى، ومن أشهر تلك الحمامات:

حمام الطنيلي كان مقصدا للرجال والنساء على السواء، يتميز بزخارفه المملوكية وأحواضه الرخامية وحمام باب البحر والذي ارتبط اسمه بقربه من باب البحر، وكان يفضله أهل الحي لفخامته وسعته وحمام الخراطين الذي اشتهر بكونه ملتقى للحرفيين بعد يوم طويل من العمل، حيث يجلسون يتبادلون الحكايات داخل أجواء البخار الدافئ كانت هذه الحمامات أكثر من مجرد أماكن للنظافة، بل كانت ملتقيات اجتماعية يتبادل فيها الناس الأخبار وتعقد فيها الاتفاقات، حتى أن بعض الحكايات الشعبية تربط بين الحمامات والزواج والولادة.

الأضرحة... روحانية ممتدة

تزين باب الشعرية بعدد كبير من الأضرحة التي منحت الحي قداسة خاصة، ومن أبرزها ضريح الإمام الحسين الصغير الذي يقال إنه دفن في المنطقة، وظل مزارا لمحبي آل البيت.

وضريح الشيخ عبد الغني النابلسي وهو العالم الصوفي الكبير الذي ارتبط اسمه بالتصوف والشعر وضريح الشيخ خليل الخياط أحد الأولياء الذين كان لهم أتباع كثر في القاهرة.

هذه الأضرحة لم تكن مجرد قبور، بل كانت مدارس روحية، ومقاصد للتبرك والزيارة، وكان أهل القاهرة يربطون بين بركتها وازدهار الحياة في الحي.

ا مسجد الشعراني معمار وزهد

من المعالم البارزة في باب الشعرية مسجد الشعراني الذي ينسب إلى العارف بالله عبد الوهاب الشعراني، أحد كبار الصوفية في القرن السادس عشر يتميز المسجد بطراز معماری مملوكي عثماني، حيث تنتصب القبة المضلعة فوق الضريح، ويحيط بها إيوان واسع للصلاة.. جدراته مزخرفة بآيات قرآنية محفورة بدقة، ومحرابه يتوسطه رخام ملون يشي بعظمة العمارة الإسلامية ولم يكن المسجد مجرد مكان للعبادة، بل كان مدرسة التعليم العلوم الشرعية، وماتقى للطلاب والمريدين حتى صار مركزا إشعاعيا للروحانية في قلب القاهرة.

الحياة اليومية

الحياة اليومية في باب الشعرية كانت ولا تزال تمثل صورة مصغرة المقاهرة ففي الصباح الباكر، يبدأ الحرفيون في فتح دكاكينهم الصغيرة صوت المطرقة على النحاس، رائحة الجلد في الورش والأطفال الذين يتعلمون من آبائهم أسرار المهنة، وفي الزوايا الأخرى تجلس النساء على عتبات البيوت يتبادلن الأحاديث، بينما الصبية يركضون بين الأزقة حاملين أقراص الخبز الطازج.

والمقاهي الشعبية تحتل مكانة خاصة ملهى صغير يجتمع فيه الشيوخ يلعبون الطاولة والدومينو، وأخرى تعلوها أصوات المذياع ثبت أغاني عبد الوهاب وأم كلثوم، وفي المساء، يتحول الحي إلى لوحة أخرى حيث أضواء المحلات صخب الأسواق، اختلاط العطور برائحة الكشرى والفول والطعمية.

أسواق الجملة

مع الزمن، تحول باب الشعرية إلى واحد من أهم مراكز أسواق الجملة في القاهرة، إذا تجولت اليوم في شوارعه ستجد أسواق الأحذية ممرات طويلة تزدحم بمحلات تعرض موديلات متنوعة، بأسعار أقل من نصف ثمنها في أي مكان آخر، وكذلك أسواق الشنط الجلدية والمستوردة والمصنوعة محليا، يشترى منها التجار بالجملة ويبيعون في المحافظات والبرفانات حيث العطور العالمية والشعبية والزيوت الأصلية لها وتباع بأسعار تناسب كل الطبقات، وكذلك كل مستلزماتها من زجاجات فارغة مطبوع عليها أسماء الماركات العالمية والعربية المشهورة تمتزج رائحتها في الهواء، بالإضافة إلى جزء كبير من حواريها مخصص لبيع الإكسسوارات

من سلاسل وخواتم وحلى.

ويوجد أيضا أدوات المنزل وأواني الطهي من الألومنيوم وكذلك أدوات خشبية يدوية الصنع بأسعار الجملة وتعد أقل من مثيلتها في كبرى المحلات الأدوات الكهربائية الصغيرة، كلها تعرض بكميات ضخمة وبأسعار مناسبة للجميع.

وتتحول الأسواق عند الظهيرة إلى بحر من البشر، تجار من كل المحافظات يأتون الشراء البضائع بكميات كبيرة، وشباب وفتيات بيحتون عن القطع الأرخص والأجمل، ومع كل هذا الصخب، يظل الحي محتفظا بروحه التاريخية، حيث يقف تمثال عبد الوهاب في الميدان كأنه شاهد على التحولات كلها.

هكذا، يجمع باب الشعرية بين الأزمنة من حصون الفاطميين وأبوابها، إلى الطوائف الحرفية، إلى الحمامات والأضرحة والمساجد، وصولا إلى أسواق الجملة العصرية إنه حي يختصر القاهرة كلها تاريخ وعمارة حرف وروحانيات حياة يومية نابضة وصخب تجاري لا يهدأ.

 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

مطالب بحزمة حكومية خاصة لحماية الفئات المتضررة من قانون الإيجار القديم

النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا

السكر.. والطريق إلى صيام آمن

ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...

حكايات الياميش من أول «فطار» لآخر يوم صيام

في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...

أغانٍ وفوانيس وزينات.. رمضان فى الحارة زمان

لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...


مقالات