فوضى الجمعيات الخيرية فى مصر ..من يراقب تبرعات المصريين لأعمال الخير؟

كيف تحول رئيس جمعية خيرية من "إستورجي" إلى مليونير..

الإعلامى مدحت أبوالدهب: 5 جمعيات تديرها أسرة واحدة.. وحصيلة التبرعات مئات الملايين..

علاء غراب: وزيرة التضامن قررت وقف الجمعيات المخالفة.. والقرار حبر على ورق..

 

بعد رحيل شهر رمضان المبارك والذي كانت فيه معظم الفضائيات المصرية قد خصصت جزءاً من أوقات البث لإعلانات مخصصة لجمع التبرعات لأعمال الخير، وبعض هذه الجهات يكون تحت رقابة صارمة من أجهزة الدولة وتقوم بدور خيرى مشهود به، ولا خلاف عليه، مثل الهلال الأحمر المصرى.

لكن بعض هذه الجمعيات تجمع مئات ملايين الجنيهات وتأتيها المساعدات من الخارج على أن تنفق هذه الأموال فى أعمال البر والخير المحددة فى أوراق إشهارها، لكنها تخالف كل ذلك لتذهب هذه الأموال إلى "ثقب أسود" هو جيوب القائمين عليها.

ولأن شهر رمضان هو شهر البر والإحسان نجد إعلانات هذه الجمعيات تتضاعف لتطالب المتبرعين بحفر بئر ماء فى قرية فقيرة، أو التبرع بغرس نخلة، أو بناء مسجد، أو التبرع بذبح عقيقة لطفلك وتوزيعها على فقراء أفريقيا!

ولأن كثير من هذه الجمعيات يديرها أشخاص ليسوا فوق مستوى الشبهات فإنهم يستعينون بعلماء دين للدعاية لجمعياتهم، ويستغلون حسن نية هؤلاء العلماء فى خداع البسطاء من الناس لجمع اموال تذهب إلى جيوب أصحاب هذه الجمعيات بعد أن يقوموا بـ"تستيف" أوراقهم وتقديمها للجهات الرقابية.

إستورجى يصبح مليونيرا

ويقول الإعلامى والقانونى الدكتور مدحت أبوالدهب إنه ولعدة سنوات متواصلة يحذر من هذه الجمعيات التى تحترف سرقة أموال المتبرعين حسنى النية وبعضهم من الفقراء الذين يدفعون جزءاً من أموالهم القليلة بنية مساعدة فقراء أمثالهم، بينما يجمع أصحاب هذه الجمعيات مئات الملايين من الجنيهات ولا ينفقون إلا أقل من عشرة بالمائة فى مصارف الخير وتذهب بقية التبرعات إلى جيوبهم وحساباتهم الشخصية.

وأضاف أبوالدهب أننى تلقيت تهديدات بالقتل بسبب هذه التحذيرات التى بدأت تؤتى ثمارها بعد اعتذار عدد من العلماء عن الظهور فى الدعاية لهذه الجمعيات المشبوهة، وكل المعلومات التى أعرفها توفرت لى من خلال عملى فى الفضائيات فقد أدرت عدة فضائيات وآخرها قناة المحبة الفضائية وقد عرضوا على مبالغ ضخمة جدا مقابل إعلان عن جمعياتهم وقد رفضت تماما وتقريبا كانت قناتى هى الوحيدة من بين كل القنوات التى تشرفت ألا تدخل هؤلاء المجرمين السراق فيها والإعلان عنهم. وناشدت الدكتورة نيفين القباج وزيرة التضامن الاجتماعى اتخاذ قرارات رادعة لوقف هذه الجمعيات، كما ناشدت القنوات ووسائل الإعلام بألا يعلنوا عن بعض الجمعيات المتورطة لكن للأسف دون جدوى أو استجابة من أحد.

وأوضح أبوالدهب أن ما لفت نظره إلى هذه الجمعيات أن أحد المسئولين عنها وكان يعمل صبى إستورجى وفجأة أصبح مليونيرا ويملك قصرا فى قريته وفندقا فى مرسى مطروح وخمس فيلل فى القاهرة، وعدة سيارات دفع رباعى أحدث الموديلات، وبدلا من الجمعية الواحدة أصبح لديه 5 جمعيات على رأس كل جمعية واحدة من زوجاته الأربع وهو على رأس الجمعية الخامسة. ولكل جمعية لها نشاط والإدارة فى النهاية واحدة

 فواحدة فى حفر الآبار وأخرى فى بناء المساجد وثالثة فى مساعدة الأيتام ورابعة لما يسمى بوقف النخيل وأخرى تجمع التبرعات تحت مسمى سقيا الماء

وكل جمعية تستقبل التبرعات عبر الإعلان على الفضائيات ووسائل التواصل الإجتماعى على الحسابات الشخصية أو المحافظ الإليكترونية حتى بعد كشف الهيئات الرقابية لهذه السرقات ووصل حجم السرقات فى هذه "الجمعيات العائلية" إلى أكثر 600 مليون جنيه. وهذا جزء من كل.

وشدد أبوالدهب على أن تحذيره من هذه الجمعيات يأتى من واقع معرفته ومعايشته لسلوك هذه الجمعيات وما يحدث فيها من سرقات تكاد تذهل العقول، سرقات بلا رادع من دين أو خلق أو رجولة. وهذه السرقات تأتى بغطاء الدين وبإعلانات تتحدث عن فعل الخيرات ويدعو لها بعض العلماء للأسف الشديد، وبعض هؤلاء العلماء حسنى النية، وآخرون يتلقون مقابل هذا الظهور الإعلانى أرقاما فلكية للأسف.

تركيب ثم فك ونهب

وعن آليات نهب التبرعات يقول أبوالدهب إن هذه الجمعيات التى تسرق أموال المصريين بذريعة حفر الآبار مثلا لإيصال المياه النظيفة إلى قرية كذا تكتب على الأوراق أنها حفرت ألف بئر بينما على الأرض هى لم تحفر الا القليل ثم تغلق الآبار بعد تصوير أسماء المتبرعين على رخامة صغيرة تشير إلى اسمه ثم ترفع الرخامة وتضع أخرى باسم متبرع آخر وهكذا وفى آخر اليوم ترفع كل الحنفيات التى ركبتها وتترك المكان أطلالا وتكتب على الأوراق أنها حفرت ألف بئر ويكلف كل بئر مبالغ كبيرة يأخذونها ولا يفعلون إلا ما ذكرته ولم يقدموا أى خدمة للفقراء بل ينهبون أموال الصدقات.

وأشار أبوالدهب إلى أن هيئة الرقابة الإدارية كشفت على أوراق إحدى هذه الجمعيات وكشفت أنها سرقت 21 مليون و800 ألف خلال جزء من عام واحد، فما بالنا بما سرقته قبل ذلك، وصدر قرار بإغلاق هذه الجمعية فقام نفس القائمين عليها بإشهار جمعية جديدة بنفس النشاط لكن باسم مختلف.

ولفت أبوالدهب إلى أن بعض العلماء الذين قاموا بعمل إعلانات لبعض هذه الجمعيات تراجعوا بعدما علموا كذب هؤلاء، وأوقفوا إذاعة هذه الإعلانات بعد أن تأكدوا من عدم استقامة هذه الجمعيات ومن بين هؤلاء العلماء دكتور السيد البشبيشى ودكتور محمد حمودة ودكتور عبدالله رشدى، وغيرهم الكثير وأصبح لا يظهر معهم الآن إلا كل منتفع مستأجر لخديعة الناس.

أين الرقابة؟

وتقول وكيل مديرية التضامن الاجتماعي في بني سويف أمل أبوعزوز إن هناك نوعين من جمع التبرعات وهما جمع التبرعات عن طريق الدعاية والإعلان للجمعية الخيرية وهذا يتطلب الحصول على ترخيص من الوزارة إذا كان نشاطها في عموم الجمهورية، أو من المديرية الفرعية حال كانت الجمعية مشهرة في إحدى المحافظات ويتركز نشاطها داخل حدود المحافظة. والطريق الآخر للتبرع هو التبرع الطوعي من خلال ذهاب أحد المواطنين إلى مقر الجمعية والتبرع لها وهذا لا يتطلب وجود ترخيص من الوزارة.

وأضافت أبوعزوز أن المديريات لا تمنح التراخيص للجمعيات المشهرة من الوزارة بالقاهرة لكن لها حق متابعة نشاط أي جمعية خيرية داخل نطاق المحافظة، مشيرة إلى أن مديرية بني سويف أوقفت نشاط إحدى الجمعيات المشهرة في المحافظة لأنها جمعت تبرعات دون ترخيص، كما قامت المديرية بمخاطبة الوزارة بمذكرة حول نشاط إحدى الجمعيات الخيرية التي تقوم بحفر آبار للمياه لكن غير مطابقة للمواصفات الصحية والعلمية كما قمنا برصد جميع نشاط هذه الجمعيات في نطاق بنى سويف وإبلاغ الوزارة بذلك.

قرارات لا تنفذ

ويقول عضو الهيئة العليا بحزب الوفد علاء غراب إن هذه الجمعيات المشبوهة أساءت للعمل الخيرى، ففى الوقت الذى نجد فيه جمعيات تقدم المساعدات للمحتاجين نجد جمعيات أخرى مهمتها الأساسية جمع التبرعات والاستيلاء عليها والغريب أن هؤلاء يقومون بهذا الفعل تحت شعار "ابنى مسجد" أو "اكفل يتيم" وهى غايات نبيلة يسيئ إليها هؤلاء.

وأضاف غراب أنه تقدم ببلاغ إلى الرقابة الإدارية وإلى وزيرة التضامن الاجتماعى نيفين القباج ضد بعض الجمعيات وبالفعل صدر قرار بإيقاف 5 جمعيات لمدة عام كامل بعد اكتشاف اختلاسات بالملايين فى ميزانيتها لكن القرار لم ينفذ، وواصلت هذه الجمعيات عملها واستمرت إعلاناتها على الفضائيات، مشيراً إلى أن ما لفت نظره إلى عمل هذه الجمعيات المشبوهة هو قيامها بعمل إعلانات لجمع التبرعات لبناء مسجد وإعطاء إيصالات للمتبرعين بينما هذا المسجد تكفل ببنائه أحد فاعلى الخير صدقة على روح والده وكان شرطه الوحيد ألا يدفع أحد شيئا فى هذا المسجد وأن يتكفل بجميع نفقات بنائه وبناء المنشآت الملحقة به، وقد كان، لكن الجمعية المشبوهة جمعت تبرعات أخرى وكل من تبرع بمبلغ كانت تصور له المسجد خلال مراحل البناء وترسل له الصور على أنه هو المتبرع وأن ما يجرى من بناء يتم بماله.

وأوضح غراب أنه تتبع نشاط جمعية أخرى مخصصة فى جمع التبرعات تحت شعار "وقف النخيل" باعتبارها من أعمال الوقف، على أن يوقف ريعها لأعمال الخير، وهى فكرة جيدة لكن تطبيقها لم يكن كذلك فعلى الأوراق غرست هذه الجمعية أربعمائة ألف نخلة فى أرض صحراوية حصلت عليها هذه الجمعية وما غرسته كان نحو ألفين أو ثلاثة آلاف نخلة فقط، وتم تسويق هذا العدد البسيط على أنه بساتين من النخل وأن كل متبرع له نخلة أو أكثر باسمه ويتم تصوير لافتة باسم المتبرع وإرسال الصور له ثم يتغير اسم المتبرع وهكذا، ويظن كل متبرع حسن النية أن هذه النخلة هى نتاج لتبرعه.

تبرعات من خارج مصر

ولفت غراب إلى أن هناك مصدر آخر للتبرعات يأتى لهذه الجمعيات وهو المتبرعين من الدول العربية وهؤلاء يرسلون مبالغ كبيرة على حسابات شخصية للمتنفذين فى هذه الجمعيات ولأن المتبرعين حسنى النية يثقون فى هذه الجمعيات فإنهم لا يتابعون أنشطتها المشبوه وكذلك الجهات الرقابية التى لا تعرف شيئا عن هذه الأموال التى لا تقدم مقابل إيصالات.

وحذر غراب من استخدام هذه الأموال فى أنشطة تزعزع الأمن المصرى مشيراً إلى أن بعض هذه الجمعيات يديرها بعض المتشددين وقد يرتبط بعضهم بأفكار السلفية الجهادية، أو بتنظيمات إرهابية خارج مصر أو داخلها.

وأوضح غراب أن هذه الجمعيات تقدم عدد قليلاً من إيصالات التبرعات إلى الجهات الرقابية بينما أغلب الإيصالات المقدمة للمتبرعين تكون عبارة عن إيصال عليه اسم الجمعية وختمها واسم الموظف المستلم (اسمه الأول وليس اسمه كاملا) ولا علاقة لهذه الإيصالات بوزارة التضامن الاجتماعى ولا تعرف عنها شيئا بل هى إيصالات مطبوعة فى أى مطبعة خاصة.

ضحايا الإعلانات

الغريب أن النسبة الأكبر من ضحايا هذه الجمعيات لم يعرفوا حقيقتها بعد، وبعض من وصل إلى الحقيقة كانت تقوده الصدفة أو حسن النية، ففى حالة اللواء حاتم بهجت كان حرصه على مواصلة عمل الخير سببا فى معرفة الحقيقة المؤلمة، ويقول اللواء مهندس حاتم بهجت قررت عمل بئر ماء كصدقة جارية على روح المرحومة زوجتى، ونظراً لسيل الإعلانات الموجود على الفضائيات تواصلت مع إحدى هذه الجمعيات فى عام 2021، ودفعت لها مبلغ 35 ألف جنيه لعمل البئر واخترت لها إحدى قرى محافظة بنى سويف كى أتابع عملها بنفسى وأتابع الأسر الفقيرة المستفيدة منها كى يكتمل عمل الخير.

خد فلوسك

وأضاف بهجت أننى سأل عدة مرات تليفونياً عن بداية عمل البئر، وكان الرد إن شاء الله قريبا، وأمام حرصى على متابعة البئر تم تصوير لافتة من الرخام باسم زوجتى وإرسالها لى، لكنى لم أقتنع وطلبت رؤيتها على أرض الواقع فكان الرد المعتاد "قريبا إن شاء الله"، وأمام إصرارى أخبرونى أن البئر تعمل وأنه يمكن لى متابعتها ورؤيتها على أرض الواقع. وكانت المفاجأة الصادمة لى أنها عبارة عن ماسورة مياه أمام ترعة وتخدم أسرة واحدة ولا يوجد بها وصلة كهرباء لتشغيل وحدة معالجة وتنقية، وعندما أخبرتهم بملاحظاتى أكدوا أنهم سيصلحوها قريبا، وبعد عدة اتصالات معهم كان الرد "تعالى خد فلوسك"، وبعدها توقفوا عن الرد على اتصالاتى.

وأوضح بهجت أنه رفض هذا العرض الذى يؤكد عدم جدية هذه الجمعية فى عمل الخير، خاصة وأن ما شاهدته على أرض الواقع تكلفته عدة آلاف من الجنيهات ويمكن نقله من مكان لآخر وهو ما دفعنى إلى اللجوء إلى الجهات الرقابية وتقديم شكوى ضد هذه الجمعية.

عايز فلوسى

من ناحيته يروى الحاج رضا عبدالرءوف تجربته مع هذه الجمعيات وهى تجربة فريدة، فالرجل المحب للخير دفع "تحويشة العمر" كتبرعات لهذه الجمعيات وشارك فى كل أنشطتها بناء المساجد ووقف النخيل وحفر آبار المياه، ويقول الحاج رضا عبدالرءوف إنه دفع 163 ألف جنيه لغحدى الجمعيات على مدار عام كامل وفى عدة مجالات ولكنى فوجئت أن المحصلة صفر كبير فلا يوجد أى شيئ يقدم للفقراء ولا يوجد مسجد يبنى أو وقف للنخيل وما يتم الإعلان عنه أنه عمل 100 بئر فى قرية فقيرة أكتشفت أنه وهم كبير فهذه الأفلام التى عرضت على زعلى غيرى من فاعلى الخير هى لقطات مصورة لديكور ثابت وبعد التصوير يتم رفع اللوحة المكتوب عليها أسمى ليوضع اسم غيرى وهكذا وبعد انتهاء التصوير يتم رفع الحنفيات ووحدة التنقية ولا يبقى منها إلا حائط عليها قطع السيراميك ليتم استخدامه فى مرات أخرى.

وأضاف الحاج رضا أنه حاول استرداد أمواله من هذه الجمعيات وكان الرد بالرفض وتجاهل اتصالاتى الأمر الذى دفعنى للجوء إلى النيابة وتقديم بلاغ ضد هذه الجمعية، وأتمنى أن تقوم الجهات الرقابية بإغلاق هذه الجمعية ورد أموال المتبرعين التى استولى عليها عدد من المتسترين وراء الدين للنصب على الطيبين.

 

صورة

 	ناصر حجازي

ناصر حجازي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

مطالب بحزمة حكومية خاصة لحماية الفئات المتضررة من قانون الإيجار القديم

النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا

السكر.. والطريق إلى صيام آمن

ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...

حكايات الياميش من أول «فطار» لآخر يوم صيام

في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...

أغانٍ وفوانيس وزينات.. رمضان فى الحارة زمان

لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...


مقالات