الصيف موسـم البحث عن البهجة والمتعة، لكن ربما لا يتوافر لكثيرين الوقت للذهاب إلى المصايف، أو ربما ليس بإمكانهم قطع مسافات طويلـة بيـن المحافظـات لتحقيق تلك البهجة، لذلك نقدم لكم "القاهـرة الكبـرى" بحدائقها المتنوعـة ومواقعها الأثرية وقصورهـا التاريخية التى لا يعرفهـا كثيرون، بدون تحمل مشقة السفر أو أية أعباء مالية أخرى قد ترهق ميزانية الأسرة.
"المصيـف البديل" هذا الأسبوع تصحبكم فيه "الإذاعة والتليفزيون" إلى "بيت الكريتلية" أو متحف "جاير أندرسون" أو "بيت الجزار" أو "منزل آمنة" وكل تلك الأسماء لمكان واحد يقع بجوار مسجد "أحمد بن طولون" بالسيدة زينب.
"مصر أحب الأرض إلى قلبى لذلك لم أفارقها، وقضيت بها أسعد أيامى منذ مولدى".. تلك العبارة جاءت بتوقيع "جاير أندرسون" الطبيب الإنجليزى الذى خلد حبه لوطنه الثانى مصر فى مذكراته المحفوظة بمتحف "فيكتوريا والبرت" بلندن؛ و"روبرت غرينفيل جاير أندرسون" هو عالم مصريات إنجليزى وشاعر وجراح وجندى وطبيب نفسانى ولد فى انجلترا عام 1881 ميلادية وجاء إلى مصر عام 1904 وهو لم يتعد الثالثة والعشرين من عمره، وعمل جاير طبيبا للجيش الإنجليزى فى مصر، ثم انتقل كطبيب للجيش المصرى عام 1907، وفى عام 1914 أصبح نائبا مساعدا للتجنيد فى الجيش المصرى برتبة رائد، قبل أن يتقاعد من الجيش عام 1919 ليصبح كبير مفتشى وزارة الداخلية المصرية، وأخيرًا عمل سكرتيرًا مُقيمًا للمنطقة الشرقية البريطانية بالقاهرة قبل أن يتقاعد عن العمل العسكرى والسياسى عام 1924 وهو يبلغ من العمر 43 عاما، إلا إنه لم يترك مصر ليعود إلى بلده بريطانيا، فقد عشق أرض مصر وأراد أن يستقر بها، فقام بدراسة علم المصريات والدراسات الشرقية، ولأنه كان يعشق الفن الإسلامى اقتنى مجموعة كبيرة من الآثار التى تنتمى إلى عصور مختلفة، وهى تعرض الآن فى منزله الذى تحول إلى متحف فنى باسم متحف "جاير أندرسون".
يقع المتحف فى قلب القاهرة القديمة، تحديدًا فى شارع أحمد بن طولون بحى السيدة زينب، وهو من أفضل النماذج التى تظهر روعة العمارة فى القرنين الـ16 والـ17، حيث يتكون من منزلين، أحدهما على الطراز المملوكى والآخر على الطراز العثمانى، وأقدمهم يقع فى الجانب الغربى وبُنى عام 1540، وأنشأه المعلم عبد القادر الحداد ويسمى ببيت آمنة بنت سالم، وهى السيدة التى تعد آخر من سكن ذلك البيت.
أما المنزل الأحدث، وهو الأكبر حجما، فيقع على الجانب الشرقى منه، وبُنى عام 1631، وقام ببنائه أحد أعيان القاهرة فى ذلك الوقت، وهو "محمد بن الحاج سالم بن جلمان الجزار" ثم تعاقبت على سكن البيت الكثير من الأسر الثرية، حتى استقرت فيه سيدة مسلمة جاءت من جزيرة كريت، لذلك عُرف ببيت الكريتلية، ويوجد على باب البيت لافتة مكتوب عليها "روائع الكريتلية"، وربط المنزلين فيما بعد بجسر فى الطابق الثالث ليصبحا منزلا واحدا عرف باسم "بيت الكريتلية".
وفى عام 1928 تعرض المنزلين لخطر الهدم، ففى ذلك الوقت أرادت الحكومة المصرية توسيع محيط مسجد أحمد بن طولون، فقامت بإخلاء كافة المنازل الآيلة للسقوط التى كانت تحجب المسجد عن الرؤية، إلا أن لجنة الحفاظ على الآثار العربية اعترضت على هدمهما لأنهما كانا بحالة جيدة وكانا يعكسان روعة العمارة الإسلامية، وبمجرد ترميمهما حصل الرائد "جاير أندرسون" على تصريح من الملك فؤاد الأول للسكن فى البيت بإيجار قيمته 6 قروش شهريا، فأقام فيه لسبع سنوات، وكان ذلك خلال الفترة من عام 1935 حتى عام 1942، ثم أضطر جاير أندرسون للعودة إلى إنجلترا بسبب مرضه الشديد قبل أن يتوفى عام 1945 ودفن فى لافينهام سوفولك ببريطانيا.
قبل أن يرحل أندرسون عن مصر قدم محتويات منزله التى تضم مجموعة عظيمة من الأعمال الفنية والمفروشات والسجاد والآثار الإسلامية والفرعونية إلى الحكومة المصرية، وأوصى أن يتحول منزله إلى متحف باسمه، وهذا ما حققته له مصلحة الآثار العربية.
يضم متحف "جاير أندرسون" 29 قاعة مختلفة تطل جميعها على فناء المنزل القديم، وهو الفناء الذى يحتوى على بئر مسحور ارتبط تاريخيا بأسطورة عن العشق، حيث قيل إن الرجل العاشق بإمكانه أن يرى وجه حبيبته منعكسا على سطح البئر فى الليالى القمرية، ويضم المتحف كذلك قاعة السلاملك، وهى مجلس الرجال الذى كان يُعرف ببيت الضيافة، وقاعة الحراملك الخاصة بالسيدات، فلا يدخلها من الرجال سوى أهل الدار، وقاعة الاحتفالات المخصصة لعقد مجالس الطرب، كما توجد قاعات تنتمى لحضارات مختلفة، كالقاعة الصينية والهندية والفارسية، وقاعة الملكة "آن ستيوارت" أول ملكات بريطانيا العظمى، وتحمل القاعة الطابع الأوروبى.
أما القاعة الفرعونية فتضم آثاراً من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر اليونانى، فى حين تضم القاعة الدمشقية أخشابا تزينها زخارف نباتية وهندسية، كما نقش على السقف بردة المديح المحمدية وهى القصيدة الأصلية فى مدح الرسول والمسماة "الكواكب الدرية فى مدح خير البرية"، للشاعر المصرى محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجى البوصيرى، كما توجد مجموعة من الشمعدانات مختلفة التصميم، أما القاعة العثمانية، فجدرانها مزينة باللونين الأخضر والذهبى، وتحتوى على أثاث يعكس فن "الروكوكو"، وهو طراز زخرفى ظهر فى القرن الثامن عشر، كما يوجد بالقاعة كرسى العرش الذى نُصب عليه الخديو إسماعيل.
القاعة الرئيسية فى المتحف هى قاعة الاستقبال التى تضم طاولات من الرخام مزينة بصور الفاكهة والزهور والمشروبات، وتوجد بالقاعة جزء من كسوة الكعبة، كما توجد قاعة استقبال أخرى ليس لها سقف، تضم أوعية نحاسية تعود إلى ما بين القرنين 14 و 17 الميلاديين، بالإضافة إلى غرفة كبيرة مدعومة بأربعة أعمدة كانت مخصصة للسيدات على جوانبها الأربعة نوافذ تدخلها أشعة الشمس بوفرة وحرية.
بين حجرات الرجال والسيدات توجد خزنة خاصة لصنع القهوة، يعرض فيها لوحات فارسية مصغرة، رغم أن هذه الغرفة تبدو بسيطة، فهى مجرد خزانات ذات أرفف، لكنها فى الحقيقة هى رمز أمان الحريم فى البيت كله، فخلف أحد الخزانات توجد غرفة سرية عبارة عن مخبأ خاص تلجأ إليه الحريم فى حال وقوع اعتداء على المنزل من لص أو عدو، وهذا المخبأ يوجد فوق البئر السحرى؛ أما قاعة السبيل فيوجد بها بئر كانت تضخ قديما الماء لعابرى السبيل، ورغم أنه مازال يحتوى على المياه إلا أنه توقف استخدامه، وتوجد داخل هذه القاعة كرسى العرش ومجموعة من الأطباق النحاسية التى صنعها اندرسون بنفسه.
كان جمال بيت الكريتلية يجذب الكثيرين، خاصة صناع السينما، فالزخارف المعمارية الرائعة وتلك المشربيات التى زادت من جمال وروعة المكان استطاعت أن تكمل الصورة فى أذهانهم، وكأنها لوحة رائعة صممت لتلهم الكثيرين من أهل الفن، بجانب الأساطير التى أحاطت بالمكان، مما أضاف غموض وروعة ساعد صناع السينما على صنع أفضل المشاهد، مستخدمين فى ذلك العبق والغموض الذى لف بيت الكريتلية على مر العصور.
الأفلام المأخوذة عن روايات الأديب العالمى نجيب محفوظ كانت من أهم الأعمال السينمائية التى صورت فى بيت الكريتلية، مثل أفلام "بين القصرين و"السكرية" و"قصر الشوق"، حيث تشاهد السيدات يختلسن النظر من وراء المشربيات، كما شهد البيت غناء سندريلا السينما سعاد حسنى حين تغنت بأغنية "بانو بانو" فى فيلم شفيقة ومتولى بجانب تصوير مشهد من فيلم الناظر الكوميدى لعلاء ولى الدين، كما وصلت شهرة البيت وجماله عالمياً لحد حرص منتجى أفلام جيمس بوند على التصوير به.
متحف "جاير أندرسون" مفتوح يومياً للزيارة من الساعة 9 صباحاً حتى ه مساءً، وأسعار التذاكر فى متناول الجميع، للمصريين ١٠ جنيهات وللأجانب ٦٠ جنيها، أما فئة الطلاب تحديداً فيدعهما المتحف مادياً بتخفيض قيمة التذاكر المخصصة لها، حيث تبلغ قيمة التذكرة 5 جنيهات للطلاب المصريين و30 جنيهاً للطلاب الأجانب.
يتمتع بيت الكريتلية بحديقة جميلة بإمكانك التقاط الصور التذكارية فيها، فضلاً عن التقاط الصور التذكارية للبئر المسحور، وفى البيت كذلك مقاعد للاسترخاء ولتعطيك فرصة مشاهدة المكان من أعلى، وأثناء تجولك بالمتحف ستجد اللافتات منتشرة فى الكثير من غرف البيت، ويوفر فرصة الشرح الوافى لكل محتويات البيت، كما يوجد العديد من التحف الفنية والأنتيكات التى تم جمعها من بلدان مختلفة، مثل الصين وإيطاليا والهند وبريطانيا، فضلاً عن السجاد الفارسى الصنع، أما الوصول لبيت الكريتلية فهو فى غاية السهولة، فالمتحف ملاصق لمسجد أحمد بن طولون الشهير بجوار شارع الصليبية بحى السيدة زينب، وبإمكانك استقلال المترو للنزول بمحطة السيدة زينب، ومن ثم السير على القدمين مدة 20 دقيقة فقط قبل للوصول إلى المتحف.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا
ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...
في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...
لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...