مهنة واحدة ووسائط متعددة.. الصحفي والإعلامي وجهان لعملة واحدة!



عندما تُمارَس مهنة واحدة عبر وسائط متعددة، لماذا تبرز إشكاليات التفرقة بين مفهومي الصحفي والإعلامي؟ بعبارة أخرى، هل تتجزأ المهنة بتعدد الوسائل، أم ينبغي أن نجمع أصحاب الرسالة تحت مظلة مهنية تستوعب اختلاف تخصصاتهم وخبراتهم في الصحافة والإعلام؟

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

 

ليست المسميات المهنية مجرد كلمات تُستخدم لتعريف أصحاب المهن، بل إنها تعكس أحيانا فلسفة المجتمع في فهم حدود المهنة، وتؤثر في تنظيمها وتحديد حقوق العاملين فيها.

من هنا تبرز إشكالية العلاقة بين مفهومي «الإعلامي» و «الصحفي»، وما يحيط بهما من خلط لغوي ومهني يستحق النقاش، بعيدا عن التعصب للمسميات أو التنافس بين أبناء المهنة الواحدة.

في الاستخدام الشائع، يُطلق وصف الصحفي على العاملين في الصحف والمواقع الإخبارية، بينما يُطلق وصف الإعلامي غالبا على العاملين في الإذاعة والتلفزيون، سواء أمام الميكروفون والكاميرا أو خلفهما.

غير أن هذا التصنيف يثير تساؤلا جوهريا:

هل تختلف المهنة باختلاف الوسيلة التي تُمارَس من خلالها، أم تتغير الوسيلة بينما تظل الرسالة المهنية قائمة على أسس مشتركة؟

من واقع خبرة مهنية امتدت لنحو نصف قرن، أرى أن الصحافة والإعلام يلتقيان في جوهر أساسي، وإن اختلفت تخصصاتهما وأدواتهما وأساليب العمل فيهما.

جمع المعلومات والتحقق من صحتها، وإعداد المحتوى، ونقل المعرفة، وتفسير الأحداث، والتواصل مع الجمهور، كلها وظائف تتداخل بدرجات متفاوتة بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون والمنصات الرقمية التي باتت تدمج بين مختلف الوسائط.

لا تختلف هوية الصحفي المهنية الذي يعمل في صحيفة ورقية بالضرورة عن هوية زميله الذي يقدم الأخبار عبر التلفزيون أو الإذاعة أو منصة إلكترونية. فكلاهما يمارس عملا يتصل بالصحافة والإعلام، وتجمعهما تقاليد وقيم مهنية مشتركة، حتى وإن اختلفت طبيعة الأداء ومتطلبات كل وسيلة.

ولا ينبغي أن يُفهم هذا الطرح باعتباره إلغاء للفروق بين التخصصات فالمذيع ومقدم البرامج والمراسل والمحرر والمخرج والمنتج الإعلامي، لكل منهم دور ومهارات ومسؤوليات تختلف عن الآخر كما أن العمل الإعلامي لا يقتصر على الأخبار والبرامج السياسية، بل يشمل مجالات ثقافية ودينية وسياحية ورياضية، وبرامج المرأة والطفل وغيرها من المجالات التي تثري المعرفة وتخدم المجتمع.

وتقدم الصحف مثالا مشابها إذ تضم أقساما سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية ودينية، إلى جانب التحقيقات والتغطيات الإخبارية والاستقصائية.

وليس بالضرورة أن يعمل الصحفي في مجال الأخبار وحده، بل تتعدد تخصصاته وفقا لطبيعة المؤسسة واحتياجات الجمهور.

ومن هنا يبرز سؤال:
لماذا نضيّق مفهوم المهنة عندما تنتقل ممارستها من الصحيفة إلى الإذاعة أو التلفزيون أو المنصات الرقمية؟ يمارس الصحفي مهنة الصحافة، والإعلامي يعمل في مجالات الإعلام المتعددة، وقد تتداخل أدوارهما ومهاراتهما في كثير من الأحيان.

وتبرز إشكالية أخرى عند ترجمة المسميات المهنية إلى اللغة الإنجليزية، خاصة عند استخدام مصطلحي *Media* و*Journalism*.

فالأول أوسع نطاقا، ويشير إلى وسائل الإعلام ومجالاتها، بينما يشير الثاني إلى الصحافة بوصفها نشاطا مهنيا يقوم على جمع المعلومات والتحقق منها وإنتاج المحتوى الصحفي ونشره عبر وسائط مختلفة. ومن ثم فإن العلاقة بين المفهومين تقوم على التداخل، لا على التطابق التام ولا على الانفصال الكامل !

إذن، ليست المسألة مجرد البحث عن مقابل لغوي، وإنما تتعلق بتحديد مفهوم مهني واضح يعترف بوحدة الرسالة، مع احترام اختلاف التخصصات والأدوار.

وتزداد أهمية هذه القضية عند النظر إلى دور النقابات المهنية، التي ليست مجرد أسماء أو لافتات، بل أطر لتنظيم المهنة وحماية حقوق ممارسيها ووضع معايير لمزاولتها والدفاع عن مصالح أعضائها.

ومن هنا تأتي أهمية قدرة التنظيمات المهنية على استيعاب تنوع الممارسة الإعلامية، ووضع معايير واضحة وعادلة للعضوية، تراعي طبيعة التخصص والخبرة والمؤهلات، وتمنع الخلط بين الأدوار، من دون أن تحوّل الاختلاف في الوسيلة إلى حواجز مصطنعة بين أبناء المجال المهني الواحد.

وهنا تبرز قضية أخرى:
ماذا عن أصحاب الخبرات الطويلة الذين أفنوا أعمارهم في العمل الإعلامي، ثم أحالهم التقاعد إلى خارج المؤسسات التي خدموا بها؟ هل تنتهي قيمة الخبرة المهنية بمجرد انتهاء الوظيفة؟
وهل يصبح ما راكمه الإعلامي من معرفة وتجربة أقل استحقاقا للتقدير لأنه لم يعد يمارس عمله اليومي داخل المؤسسة؟

إن التقاعد ينهي علاقة وظيفية، لكنه لا يمحو تاريخا مهنيا، ولا يلغي ما اكتسبه صاحبه من خبرات يمكن أن تنتفع بها الأجيال الجديدة ولا ينبغي أن تتوقف الخبرة المتراكمة عند حدود الوظيفة أو سنوات الخدمة.

ومن حق التنظيمات المهنية أن تضع ضوابط واضحة للعضوية، لكن من واجبها أيضا أن تنظر في صيغ مناسبة للاستفادة من عطاء أصحاب الخبرات، وإتاحة مشاركتهم في الأنشطة العلمية والمهنية، وفق قواعد معلنة وعادلة، مع التمييز بين الاستفادة من خبراتهم وبين شروط العضوية النقابية التي ينظمها القانون واللوائح المعمول بها.

إننا بحاجة إلى رؤية تتعامل مع الصحافة والإعلام بوصفهما مجالين مهنيين تجمعهما رسالة مشتركة، وتتعدد داخلهما الوسائط والتخصصات، لا مجموعة من الجزر المنفصلة التي يتنافس العاملون فيها على الألقاب، أو تتحول فيها المسميات إلى حواجز تعوق التعاون وتحد من تبادل الخبرات.

لقد أزال التطور الرقمي كثيرا من الحدود التقليدية بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون؛ وأصبح الصحفي ينشر النص والصورة والفيديو، فيما يقدم الإعلامي محتوى يجمع بين الخبر والتحليل والحوار والتوثيق.

كما بات كثير من الصحفيين يعملون عبر منصات إعلامية متعددة، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى تطوير المفاهيم المهنية بما يتناسب مع التحولات الجارية.

إن جوهر القضية ليس إلغاء الفروق بين الصحفي والإعلامي، بل فهم هذه الفروق في سياقها الصحيح، وألا نجعلها سببا لتجزئة أبناء المهنة أو إقصاء أصحاب الخبرة.

وعليه، فإن المطلوب تنظيم مهني يراعي اختلاف الأدوار، ويحدد الحقوق والواجبات، ويعترف بالكفاءة والخبرة، ويواكب تحولات الوسائط وأساليب العمل، مع الحفاظ على المعايير المهنية التي تصون جودة الأداء ومصداقية الرسالة الإعلامية.

المهن لا تتقدم بكثرة المسميات، ولا تُقاس مكانة أصحابها بتعدد النقابات التي ينتمون إليها، وإنما بقدرتها على حماية الممارسة المهنية، وصون كرامة العاملين بها، والاستفادة من خبراتهم، وتوفير بيئة تتيح للأجيال الجديدة التعلم والتطور.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد

المزيد من مقالات

مهنة واحدة ووسائط متعددة.. الصحفي والإعلامي وجهان لعملة واحدة!

عندما تُمارَس مهنة واحدة عبر وسائط متعددة، لماذا تبرز إشكاليات التفرقة بين مفهومي الصحفي والإعلامي؟ بعبارة أخرى، هل تتجزأ المهنة...

القانون الدولي والأمن المائي للدول

تبدأ قضية الأمن المائي من حقيقة قانونية وإنسانية راسخة: الماء مورد للحياة قبل أن يكون موردًا للإدارة أو التنمية. وحين...

منتدى مصر 2026.. تمكين المرأة قوة تدفع التنمية

ماذا لو كانت شرارة تغيير اقتصاد بأكمله كامنة في فكرة لم تجد طريقها إلى النور بعد، أو في موهبة امرأة...

الاستراتيجيات العلمية الحديثة لتسريع الشفاء من العدوى

بطء التعافي من العدوى (أو ما يُعرف بالعدوى الممتدة أو المزمنة) يعني استغراق الجسم فترة أطول من المعتاد للتخلص من...