عندما وقع حادث غرق العبارة السلام 98 عام 2006، كان الخبر أكبر من مجرد حادث بحري مأساوي بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة أخبار التليفزيون المصري على الوصول إلى موقع الحدث في زمن مناسب ثم نقل الصورة مع المعلومة إلى الجمهور في أسرع وقت ممكن وسط ظروف استثنائية لا تسمح بالانتظار أو التأجيل.
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
في ذلك الوقت، أرسلنا بالتعاون مع القوات المسلحة إلى موقع الحادث طائرة مروحية وعلى متنها طاقم إعلامي مكون من مذيع ومصور، لنقل أولى مشاهد الكارثة وتقديم تغطية من موقع الحدث.لكن المفاجأة حدثت قبل إقلاع الطائرة!
وصل المذيع ومعه الكاميرا من مبنى ماسبيرو إلى المطار، بينما تأخر وصول المصور من منزله إلى المطار.
ولم يكن هناك وقت يسمح بالانتظار، فالمهمة مرتبطة بحدث كبير يتطلب سرعة الوصول إلى موقعه وهكذا اضطرت الطائرة إلى الإقلاع بلا مصور وأصبح المذيع أمام اختبار مهني لم يكن مخططًا له: أن يؤدي وظيفته كمذيع، وأن يقوم في الوقت نفسه بمهمة المصور.
وبالفعل، تم إرشاده هاتفيًا إلى كيفية تشغيل الكاميرا، وتمكن من تسجيل اللقطات الأولى من موقع الحادث، مع إمكانية أن يقوم في الوقت نفسه بالتعليق على ما يراه وينقله إلى الجمهور.
قد تبدو هذه الواقعة اليوم بسيطة في ظل الإمكانات التكنولوجية الهائلة التي أصبحت في متناول الإعلامي ووجود هواتف ذكية كاميراتها جاهزة لتوثيق اي حدث لكن الواقعة حدثت منذ عشرين عاما وحملت دلالة مهنية مهمة جدًا: ماذا لو امتلك الإعلامي أكثر من مهارة؟
وماذا لو استطاع أن يتحول في لحظة الأزمة من مذيع إلى مصور، ومن مراسل إلى محرر، ومن ناقل للحدث إلى منتج متكامل للمحتوى؟
هذه الفكرة أعادت إلى ذهني حوارات تمت في ذلك الوقت مع الصديق والزميل الراحل عادل نور الدين رحمة الله عليه ، و كان يشغل منصب رئيس معهد تدريب الإذاعة والتليفزيون، ودارت الحوارات معه حول فكرة المذيع الشامل One Man Unit، وهي فكرة كانت تبدو آنذاك متقدمة على واقع العمل الإعلامي التقليدي، الذي كان يقوم على تقسيم دقيق للمهام بين المذيع والمراسل والمحرر والمصور والمخرج والمونتير.
لكن حادث "السلام 98" أكد عمليًا أن امتلاك الإعلامي لأكثر من مهارة ليس مجرد ترف مهني، وإنما قد يتحول في لحظة معينة إلى ضرورة لإنقاذ التغطية الإعلامية نفسها.
ومن هنا يمكن الانتقال من مفهوم المذيع المتخصص إلى مفهوم أكثر اتساعًا هو الإعلامي المتكامل Integrated Journalist الذي يمتلك غير تخصصه قدرًا من المهارات في مختلف مراحل إنتاج المحتوى الإعلامي، فيستطيع أن يكون مذيعًا، ومراسلًا، ومحررًا، ومصورًا، ومخرجًا، بل ومونتيرًا خاصة وقت الازمات !.
ولا يعني هذا المفهوم بالضرورة أن يصبح الإعلامي متخصصًا محترفًا بالدرجة نفسها في كل هذه الوظائف، وإنما يعني أن يمتلك قواعد اساسية لمعرفة مهارة ما تمكنه من التعامل بها ، بحيث ينتقل من وظيفة إلى أخرى دون أن يتوقف العمل الإعلامي عند غياب أحد عناصر فريق العمل !
إن الإعلامي الشامل أصبح اليوم عملة مطلوبه تتخاطفها القنوات والمنصات الإعلامية.
والسبب أن طبيعة العمل الإعلامي تغيرت جذريًا. فما كان يحتاج في الماضي إلى فريق كامل قد يستطيع إعلامي واحد اليوم إنجازه باستخدام هاتف ذكي، وكاميرا صغيرة، وحاسوب محمول، وبرامج تحرير تعمل بالذكاء الاصطناعي ومنصات نشر رقمية !
ومع التحول إلى الإعلام الرقمي، لم تعد هذه المهارات المتعددة رفاهية أو استعراضًا للقدرات المعرفية بمكونات الميديا والملتيميديا، بل أصبحت ضرورة مهنية وتزداد أهمية الإعلامي المتكامل في أوقات الأزمات والكوارث والأحداث الكبرى !
في الأزمة لا يوجد ترف في الوقت، ولا يمكن انتظار وصول كل عنصر من عناصر فريق التغطية. أنت في سباق حقيقي مع الزمن، والمطلوب هو الوصول إلى المعلومة، والتحقق منها، وتصوير، وتحرير القصة الإخبارية وتقديمها للجمهور بسرعة، ولكن دون التضحية بالدقة أو الموضوعية أو الشفافية.
وهنا تظهر المعادلة الصعبة التي يجب أن يحلها كل إعلامي يتصدى لتغطية الأحداث الكبرى:السرعة دون تسرع، والدقة دون إبطاء، والصورة دون مبالغة، والمعلومة دون اختلاق ، والمهنية دون ارتباك.
في غرفة الأخبار الحديثة، المدعومة بالنظم الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، يعاد بالفعل ترتيب الوظائف الإعلامية بطريقة مختلفة. فالهدف لم يعد مجرد توزيع المهام، وإنما تحقيق أكبر استفادة ممكنة من الوقت والجهد والمعلومة المتاحة.
إن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد في تفريغ المقابلات، والبحث داخل قواعد البيانات، وتحليل كميات ضخمة من المعلومات، واقتراح العناوين، والمساعدة في إعداد المواد، بينما تظل المسؤولية المهنية والإنسانية في التحقق والحكم والتحرير واتخاذ القرار مسؤولية القائم بالرسالة الإعلامية.
ومن هنا فإن مستقبل الإعلام لن يكون بالضرورة لمن يعرف وظيفة واحدة فقط، وإنما لمن يستطيع فهم دورة صناعة المحتوى ويعرف كيف يستخدم التكنولوجيا والتقنيات الحديثة دون أن يفقد جوهر المهنة الإنساني لقد كانت حادثة غرق السفينة "السلام 98" بالنسبة لي درسًا مهنيًا مبكرًا في كيفية اتخاذ القرار وتكريس فكرة الإعلامي المتكامل !
ربما لم تكن التكنولوجيا في عام 2006 قد وصلت إلى ما نحن عليه اليوم، لكن الحدث كشف مبكرًا حقيقة أصبحت أكثر وضوحًا وضرورة اليوم :
الإعلامي الذي يستطيع أن يحمل الخبر والصورة والصوت والفكرة في شخص واحد، ويعرف كيف يوظف كل أدواته في اللحظة المناسبة، سيكون أكثر قدرة على تغطية الحدث ليس فور وقوعه إنما لحظة وقوعه !
وهكذا، فإن ما بدأ قبل عشرين عامًا كفكرة حول One Man Unit، أصبح اليوم أحد ملامح الإعلام الرقمي الحديث.
و كان السؤال الذي طرحناه بومها هل نحتاج إلى إعلامي شامل؟
أما السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم :هل يستطيع إعلام المستقبل أن يستغني عن الإعلامي المتكامل؟
الإجابة باختصار إن الإعلام قوة ناعمة مهما تقدم تقنيا هو في احتياج للعقل البشري متعدد الخبرات والمهارات !
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
عندما وقع حادث غرق العبارة السلام 98 عام 2006، كان الخبر أكبر من مجرد حادث بحري مأساوي بل كان اختبارًا...
قانون الإجراءات الجنائية هو الطريق القانوني الذي تسير فيه الدعوى الجنائية من لحظة وقوع الجريمة أو الإبلاغ عنها، مرورًا بجمع...
في تاريخ الحضارات القديمة عرفت مدن كثيرة بأسماء ملوك أو قبائل، لكن أن تحمل إمبراطورية كاملة اسم إلهها، فهذا أمر...
ماذا لو كانت أفريقيا تمتلك جزءًا من ثروتها الاقتصادية في مكان لا يظهر كاملًا في أرقام الناتج المحلي، ولا في...