قبل سنوات قليلة لم نتصور أن يتحول الهاتف المحمول من وسيلة للاتصال إلى وسيلة إعلام متكاملة يحملها الإنسان في يده، وأن يصنع أي شخص خبرا أو صورة أو فيديو، ثم يرسله في ثوانٍ إلى جمهور قد يفوق متابعي بعض المؤسسات الإعلامية التقليدية.
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
لقد أحدثت مواقع التواصل الاجتماعي ثورة حقيقية في علم الاتصال الجماهيري وقرّبت المسافات، وكسرت الاحتكار المؤسسي لإنتاج المعلومات، ومنحت المواطن فرصة غير مسبوقة للتعبير عن رأيه وتوثيق الأحداث والتفاعل معها لكنها في الوقت نفسه، وضعت المجتمعات أمام تحدٍ جديد: «كيف نحمي الحقيقة والسلام الاجتماعي في عصر يستطيع فيه الجميع النشر ولا يملكون القدرة أو الرغبة في التحقق؟»
إن أي تقدم تقني في مجال الاتصال الجماهيري هو في النهاية سلاح ذو حدين! التكنولوجيا وسيلة للتنوير والمعرفة وتعزيز التواصل بين الناس، لكنها قد تتحول إلى أداة للتضليل ونشر الشائعات والتحريض وإعادة تشكيل الوعي الجمعي وفق أهداف لا يعرف الجمهور مصدرها !وهنا تظهر الفجوة بين الإعلام المهني ومنصات التواصل الاجتماعي!
هناك قواعد تحريرية معروفة للخبر مثل الدقة وتعدد المصادر، والتوازن، والتمييز بين الحدث والرأي، واحترام الخصوصية، ومراعاة القانون والأخلاق المهنية وهي ليست ترفا مهنيا وإنما «دستور» للعاملين في الخدمات الإخبارية.
ولا تعمل معظم منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت بالنسبة إلى ملايين المستخدمين مصدرا رئيسيا للأخبار، وفق المنظومة المهنية نفسها وقد توجد شروط استخدام وسياسات للمنصة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود مسؤولية تحريرية مماثلة للمسؤولية الصحفية في المؤسسة الإعلامية.
ومن هنا تبدأ المشكلة....
أصبح إنشاء حساب شخصي أو صفحة جماعية أمرا بالغ السهولة، ولا يتطلب تأهيلا إعلاميا أو معرفة بقواعد إنتاج الأخبار.
وقد يتحول الحساب الشخصي، بفعل عدد المتابعين وسرعة الانتشار، إلى منصة أو وكالة أنباء غير مهنية بينما يظل صاحبه بعيدا عن المفاهيم الأساسية للمسؤولية الإعلامية !
ومن أهم الملاحظات التي تستحق الدراسة غياب محددات مهنية واضحة عند الانتقال من الاستخدام الشخصي لمنصات التواصل إلى ممارسة تأثير إعلامي واسع !.
ليست المشكلة في أن يعبر الإنسان عن رأيه، وإنما في أن يقدم رأيه على أنه خبر وأن يقدم المعلومة غير الموثقة باعتبارها حقيقة، وأن يعيد نشر محتوى مجهول المصدر دون أن يتحمل مسؤولية آثاره.
والأخطر من ذلك أن خوارزميات المنصات لا تعمل بالضرورة وفق قيمة الخبر أو أهميته للمصلحة العامة.
إن الانتشار والتفاعل والإثارة عوامل يمكن أن تجعل المحتوى المثير للجدل أكثر جذبا من المحتوى المهني الهادئ.
وهكذا قد يجد المستخدم نفسه داخل دائرة مغلقة من المعلومات المتشابهة، وتتكرر أمامه الرسالة نفسها بأشكال مختلفة، ويتولد لديه انطباع بأن هذه الرسالة تمثل رأيا عاما واسعا، بينما انتشارها نتيجة الخوارزميات أو حملات منظمة لتضخيمها.
وتزداد الخطورة عندما يتعلق الأمر بقضايا سياسية أو اجتماعية أو عرقية أو دينية أو تلك التي تمس مشاعر المواطنين وانتماءاتهم.
قد تتحول الكلمة المنشورة إلى موقف، والموقف إلى انقسام، والانقسام إلى توتر اجتماعي!
ثم جاءت الصورة لتزيد الأمر تعقيدا وهي في الوعي الإنساني، أكثر إقناعا من الكلمة ولذلك إذا أعيد تقديم الصورة القديمة باعتبارها صورة لحدث جديد، أو صورة من دولة أخرى تنسب إلى حدث محلي، يمكن أن تصنع رواية كاذبة في دقائق!
أما الذكاء الاصطناعي فقد نقل المشكلة إلى مستوى أكثر خطورة ولم يعد إنتاج صورة مزيفة أو مقطع فيديو مفبرك يحتاج إلى استوديو أو فريق متخصص وأصبح بإمكان أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج صور تبدو واقعية، أو تعديل صور حقيقية، أو إعادة تركيب مشاهد لم تحدث أصلا!
وهنا التحدي لا يصبح مجرد مواجهة «خبر كاذب»، وإنما مواجهة واقع مصطنع يمكن أن يبدو أكثر إقناعا من الواقع الحقيقي!
وتبرز في هذا السياق ظاهرة إعادة إنتاج بعض الوقائع التاريخية بصور ومشاهد معدلة، وهو أمر يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتشويه التاريخ !
كما يحتاج مفهوم «صحافة المواطن»، رغم أهميته إلى قدر كبير من الوعي والمسؤولية. المواطن الذي يصور حدثا في الشارع قد يقدم خدمة مهمة للمجتمع، لكن الصورة وحدها لا تكفي لصناعة خبر. أين وقع الحدث؟ ومتى؟ وما خلفيته؟ ومن أطرافه؟ وهل الفيديو كامل أم مجتزأ؟
كل هذه الأسئلة هي التي تميز العمل الصحفي المهني
وقد تكون المشكلة أكبر عندما يجري التعامل مع مقطع مدته ثوانٍ على أنه قصة كاملة، فيتم تهويل حادث محدود أو التقليل من خطورة حدث مهم، فتضيع الحقيقة بين التهويل والتهوين.
ولا يمكن تجاهل الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في تصميم البوسترات والمنشورات التي تحمل أرقاما أو تصريحات أو معلومات غير دقيقة فقد يمنح الشكل الجذاب المعلومة الكاذبة درجة خادعة من المصداقية !
أما ظاهرة اللجان الإلكترونية، فهي قضية أخرى تحتاج إلى دراسة جادة، بهدف التمييز بين الرأي الحقيقي والتفاعل المصطنع، وبين النقاش الطبيعي والحملات المنظمة التي تستهدف توجيه الرأي العام أو التأثير في الوعي الجمعي.
إن السوشيال ميديا ليست شرا مطلقا، كما أنها ليست خيرا مطلقا إنها أداة تتحدد قيمتها بطريقة استخدامها والقواعد التي تحكمها ودرجة وعي مستخدميها.
ومن هنا حماية السلام الاجتماعي في البيئة الرقمية لا تعني بناء منظومة متوازنة تقوم على حرية مسؤولة، وتشريعات واضحة، وإنفاذ عادل للقانون، وتربية إعلامية ورقمية، ومسؤولية حقيقية للمنصات، وإعلام مهني قادر على استعادة ثقة الجمهور!
نحن أمام تحول عميق في مفهوم الإعلام في الماضي كان المواطن ينتظر الصحيفة أو نشرة الأخبار ليعرف ماذا حدث؟
أما اليوم فقد يعرف «الخبر» قبل أن تذيعه وسائل الإعلام وهنا تكمن القضية الأساسية: إذا أصبح الجميع قادرين على النشر، فمن المسؤول عن حماية الحقيقة؟
الإجابة لا يمكن أن تكون طرفا واحدا انما المسؤولية مشتركة بين الحكومة والمنصات ومجتمع المستخدمين والمؤسسات الإعلامية !
إن القانون يضع الحدود، لكنه لا يصنع وحده وعيا والمنصة تستطيع حذف محتوى مخالف، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الضمير والإعلام يستطيع تصحيح الشائعة، لكنه يحتاج إلى جمهور يثق به والمواطن يملك حق التعبير، لكن هذا الحق يجب ألا يتحول إلى حق في الإضرار بالآخرين !
إن التحدي اليوم جعل حرية التعبير متلازمة مع المسؤولية، وإدراك أن ما ينشر على شاشة صغيرة قد تكون له آثار كبيرة على المجتمع !
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
قبل سنوات قليلة لم نتصور أن يتحول الهاتف المحمول من وسيلة للاتصال إلى وسيلة إعلام متكاملة يحملها الإنسان في يده،...
مع انطلاق العام الدراسي الجديد 2026/2027، وعودة الأطفال إلى المدارس والحضانات، تبرز أهمية تعزيز الوعي الصحي بالأمراض المعدية وسبل الوقاية...
تبدو الشجرة في ظاهرها عنصرا جماليا داخل المدينة، لكنها في حقيقتها مرفق بيئي واجتماعي وصحي. فالمدينة التي تمنح سكانها ظلا...
في ذاكرة أكتوبر صور لا تُنسى؛ جندي يعبر القناة، وعلم يرتفع فوق الضفة الشرقية، وأم تتابع الأخبار وقلبها معلّق بابنها،...