ظل الإعلام المصري طويلًا أسيرًا لقضايا المحتوى والسياسة والمهنية والتكنولوجيا، بينما غاب في كثير من الأحيان سؤال مهم.. ماذا عن اقتصاديات المحتوى الإعلامي ؟
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
مهما كانت الرساله الوطنية والمجتمعية لإعلام الخدمة العامة فإنه لا يعمل في فراغ اقتصادي فهناك إنتاج له تكلفة، وتوزيع يحتاج إلى بنية أساسية، وجمهور له سلوك واتجاهات، وسوق للإعلان، ومنافسة، واستثمارات، وأجور، وتكنولوجيا تتغير بصورة متسارعة ومن هنا تأتي أهمية اقتصاديات المحتوى الإعلامي وهو المجال الذي يدرس صناعة الإعلام من منظور اقتصادي، وكيفية إنتاج المحتوى وتوزيعه واستهلاكه وتمويله، وكيف تتخذ المؤسسات الإعلامية قراراتها في ظل موارد محدودة ومنافسة متزايدة.
ويعد ماسبيرو.. النموذج الأكثر وضوحًا في هذا المجال
على مدى عقود، ظل اتحاد الإذاعة والتليفزيون، ثم الهيئة الوطنية للإعلام، يؤدي وظيفة إعلامية وطنية واسعة، ويضم إمكانات بشرية وفنية وتاريخية هائلة.
لكن السؤال الذي يجب طرحه اليوم ليس فقط: ماذا يقدم ماسبيرو؟ وإنما أيضًا: ماذا ينتج؟ وكم تبلغ تكلفة هذا الإنتاج؟ وكيف يتم توزيعه؟ ومن هو جمهوره؟ وكيف يمكن تحقيق عائد اقتصادي من أصوله وحقوقه ومحتواه؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من الدور الوطني للإعلام العام، وإنما هي أسئلة تتعلق باستدامة الخدمة العظيمة التي يقدمها هذا الصرح الكبير الذي عاصر أحداثا و واكب عصورا في تاريخ مصر الحديث !
يجب أن تدرك كل مؤسسة إعلامية تكلفة منتجها، حجم جمهورها، مصادر إيراداتها، وطبيعة سوقها، حتى لا تصبح عاجزة عن التخطيط للمستقبل مهما امتلكت من تاريخ أو إمكانات.
والثروة الحقيقية ليست المباني فقط لكن هناك ثروة أخرى مهمة تتمثل المحتوى والحقوق والعلامة التجارية والخبرات البشرية والذاكرة الإعلامية.
وطالما نحن ندرس حالة ماسبيرو فإنه يمتلك ارشيفا سمعيا وبصريا وهو ليس مجرد مواد قديمة، وإنما يمكن النظر إليه باعتباره أصلًا اقتصاديًا وثقافيًا إذا تمت رقمنته وتصنيفه وإدارته وتسويقه وفق قواعد مهنية وقانونية واضحة وعلى حد علمي اتخذت الهيئة الوطنية للإعلام خطوات مهمة في هذا الاتجاه تشمل البرامج القديمة، والمباريات، والأفلام التسجيلية، والحفلات، والحوارات، والنشرات الإخبارية، وغيرها من المواد التي صنعت الذاكرة المصرية !
و يمكن أن تتحول من محتوى محفوظ إلى منتج رقمي قابل لإعادة الاستخدام والتوزيع وهنا نصل إلى جوهر اقتصاديات الإعلام:
ليس المطلوب بالضرورة إنتاج المزيد فقط، وإنما تعظيم القيمة الاقتصادية لما نملكه بالفعل.
فقد ينظر البعض إلى ماسبيرو على أنه مجموعة من القنوات والاستديوهات فقط لكن في عصر الرقمنة ماسبيرو هو قنوات تلفزيونية، وشبكات إذاعية ، وموقعًا إلكترونيًا، وتطبيقًا، ومنصة فيديو، وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، وقاعدة بيانات، ومكتبة رقمية، ومركزًا لإنتاج المحتوى.
وهذا يعني أن مدخل ماسبيرو، للعودة إلى الريادة الإعلامية هو أن يكون منصة إعلامية مصرية متعددة الوسائط لأن الجمهور انتقل إلى المنصات الرقمية، واتجهت الإعلانات إلى شركات التكنولوجيا والمنصات العالمية.
ومن تبدأ القصة !
المشكلة الحقيقية هي أن الإعلام التقليدي لم يطور بالسرعة الكافية لمنافسة الإعلام الآخر
فلماذا لا يكون هناك اشتراك في بعض الخدمات أو المحتويات المتخصصة؟ ولماذا لا يتم استثمار الأرشيف؟ ولماذا لا تتوسع المؤسسة في إنتاج المحتوى للغير؟ ولماذا لا نعيد استثمار امكاناتنا ولماذا لا تصبح البيانات ودراسات الجمهور جزءًا من عملية اتخاذ القرار؟
إن اقتصاديات الإعلام لا تعني البحث عن الإعلانات النصية فقط، وإنما تعني تنويع مصادر الدخل !
ولا يكفي المحتوى الجيد وحده بالرغم من أن جودة المحتوى شرط أساسي، فالمؤسسة تحتاج إلى إدارة تعرف: من هو جمهورها؟ ماذا يريد؟ كم يكلف الوصول إليه؟ ما الذي يدفعه إلى المشاهدة؟ما الذي يجعله يعود مرة أخرى؟ وما الذي يمكن أن يدفع مقابله؟
وفي المقابل تحتاج الإدارة إلى معرفة تكاليف كل برنامج ومنتج، وقياس العائد، ومراجعة الجدوى، وإعادة توزيع الموارد.
بعبارة أخرى يجب أن تجمع إدارة المؤسسة الإعلامية الحديثة بين الحس المهني والعقل الاقتصادي.
لكن هناك خطًا أحمر حيث لا يجوز أن يتحول البحث عن الربح إلى مبرر للتفريط في الوظيفة الوطنية والمهنية للإعلام العام!
إن إعلام الخدمة العامة له مجالات لا تدر ربحا مباشرا مثل الأخبار والبرامج الثقافية والدينية والتعليمية وبرامج الحفاظ على الهوية والذاكرة الوطنية !
والمطلوب إذن ليس أن يصبح الإعلام العام مؤسسة تجارية بحتة، وإنما أن يصبح نموذجا اقتصاديا مستداما يسمح له بأداء رسالته دون أن يكون رهينة للأزمات المالية.
وهنا تحديدًا تصبح اقتصاديات الإعلام أداة للإصلاح وليست تهديدًا لرسالة الإعلام الوطني !
وإذا أردنا بالفعل الحديث عن مستقبل ماسبيرو، فعلينا أن ننتقل من السؤال التقليدي: "كم تحتاج المؤسسة من أموال؟" إلى سؤال أكثر أهمية: "كيف تستطيع المؤسسة أن تعتمد على نفسها في توظيف جزءً أكبر من مواردها ؟ "
هذا يتطلب إعادة تقييم الأصول، ورقمنة المحتوى، ودراسة الجمهور، وإعادة هيكلة نماذج الإنتاج، وتطوير المنتجات الرقمية، وتنويع مصادر الإيرادات، وقياس تكلفة المحتوى وعائده، والاستثمار في الكفاءات الشابة والتكنولوجيا.
كما يتطلب قبل كل ذلك تغييرًا في ثقافة الإدارة الإعلامية.
إن الإدارة التي تفكر بعقلية القرن الماضي لن تستطيع المنافسة في سوق ينتمي إلى القرن الحادي والعشرين.
والمعركة الحقيقية هي مع المستقبل وفي اعتقادي أن ماسبيرو لا تنقصه الخبرة ولا التاريخ ولا المحتوى ولا الكوادر.
لكن التحدي هو: كيف تتحول هذه الثروة إلى قيمة إعلامية واقتصادية في آن واحد؟
هذه هي القضية التي يجب أن تكون في قلب أي نقاش جاد حول مستقبل الإعلام المصري.
إن المستقبل لن يكون لمن يملك أكبر عدد من الاستديوهات، ولا لمن لديه أكبر أرشيف، وإنما لمن يستطيع أن يحول موارده إلى محتوى، والمحتوى إلى جمهور، والجمهور إلى قيمة، والقيمة إلى موارد تعيد تمويل المحتوى من جديد.وهذه هي ببساطة جوهر اقتصاديات المحتوى الإعلامي !
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ظل الإعلام المصري طويلًا أسيرًا لقضايا المحتوى والسياسة والمهنية والتكنولوجيا، بينما غاب في كثير من الأحيان سؤال مهم.. ماذا عن...
مع إحياء المسلمين في أنحاء العالم لذكرى مولد النبي محمد ﷺ، تتجدد الحاجة إلى قراءة السنة النبوية قراءة واعية تصل...
تحتفل مصر اليوم 11 سبتمبر بعيد رأس السنة المصرية القديمة (6268) ورأس السنة القبطية وعيد النيروز 1743 شهدا حيث يعتمد...
عندما نسمع كلمة "اقتصاد" أو "تجارة"، نتخيل المصارف والأسواق والشركات والعقود المطبوعة والأختام الرسمية، لكن إذا انتقلنا إلى العراق القديم،...