الإعلام في حرب أكتوبر.. صوت بلا ضجيج واحتشاد بلا مبالغة !

ونحن نحتفل بمرور ثلاثة وخمسين عاما على انتصارنا في حرب أكتوبر المجيدة تستعيد ذاكرة الوطن الأداء الإعلامي آنذاك الذي أكد درسا مهما وهو أن إدارة الحرب لا تعتمد على السلاح وحده، وإنما على قدرة إدارة المعلومة وتوجيه الرأي العام وحماية المعنويات في آن واحد !

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

وقد نجح الفكر الإعلامي خلال حرب أكتوبر 1973 في الجمع بين الانضباط والفاعلية وتهيئة المجتمع للمواجهة دون كشف خططنا للعدو، وعمل على رفع معنويات الجبهة الداخلية وربط الرسالة الإعلامية بتطورات الميدان !

يتلخص دور الإعلام المصري اثناء تلك الحرب في معادلة شديدة الحساسية:
(صوت بلا ضجيج، واحتشاد بلا مبالغة وتعبئة بلا مقدمات طويلة) الأمر الذي جعلنا نتجنب الترويج لاندلاع حرب وشيكة وركزنا على اعداد المجتمع بهدوء نفسيًا وسياسيًا لمواجهة قد تبدأ في أي لحظة فهناك فرق أن تقول إننا ندق طبول الحرب واننا نستعد للحرب !

ولهذا جاءت البرامج الإذاعية والتليفزيونية هادئة في ظاهرها، بعيدة عن الاستعراض أو المبالغة في الحديث عن ساعة الصفر.!

وادركنا أن الإفراط في التعبئة الإعلامية قد يلفت الانتباه إلى احتمالات عسكرية لا ينبغي كشفها وأن أفضل إعلام في مثل هذه الظروف هو الذي يؤدي وظيفته دون أن يتحول إلى مصدر معلومات للعدو.

ومن اللافت أن توظيف مشاعر الجماهير بذكاء خاصة في السنوات التي أطلق عليها إعلاميا سنوات اللا سلم واللا حرب ساهم في أن تبدأ حرب أكتوبر إعلاميًا من نقطة بُني فيها الخطاب الجديد على أرضية جديدة تكونت خلال سنوات إعادة بناء القوات المسلحة او حرب الاستنزاف، التي أسهمت في تشكيل وعي عام يقوم على تكريس عقيدة تحرير الأرض !

وفي هذا السياق، لعب الإعلام الدعائي دورًا أساسيًا في رفع معنويات الجنود في الميدان، وتعزيز ثقة الجبهة الداخلية في قدرة القوات المسلحة، على شن حرب التحرير .

ولم تكن الدعاية هنا بغرض المبالغة أو اختلاق الانتصارات، وإنما كانت جزءًا من إدارة المعركة النفسية للحفاظ على الثقة والقدرة على الصمود في مواجهة إعلام العدو.

وجاء يوم السادس من أكتوبر ليضع الإعلام أمام اختبار لم يكن سهلا.. بيانات عسكرية مقتضبة ومدروسة، تنقل تطورات المعارك بشفافية ودون كشف تفاصيل قد تفيد العدو. ثم عبور القوات المصرية قناة السويس، ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية بعد تدمير تحصينات خط بارليف، و تنفيذ الضربة الجوية الأولى، وهنا تدرجت عملية تغيير ملامح الخطاب الإعلامي !

بعد أن كان الخطاب أقرب إلى سردية الدفاع والاستعداد للمواجهة، أصبح من الممكن الحديث عن الهجوم وتطوير الموقف العسكري.

هذا التحول لم يكن يعني التخلي عن الحذر فالمعارك لم تكن قد انتهت، والجبهات كافة لا تزال مشتعلة، وتخوض الجيوش الميدانية معاركها في ظروف قد تتغير إذا لم يتم التعاطي معها بحساب!

وهنا يظهر الارتباط الوثيق بين المعلومة العسكرية وتوظيفها في الرسالة الإعلامية ولم يكن الإعلام يعمل بمعزل عن مسار العمليات، ولم تكن كل معلومة صالحة للنشر لمجرد أنها معلومة متاحة و كان السؤال الأهم:

ماذا نقول؟ ومتى نقوله؟ وكيف نقوله؟ وما الأثر الذي يمكن أن يتركه على جبهة القتال والجبهة الداخلية بما لا يفيد الطرف الآخر؟

حتى عندما وقعت ثغرة الدفرسوار، في الفترة من 15 إلى 23 أكتوبر لم يكن التعامل الإعلامي معها قائمًا على التهوين أو التهويل حيث كانت المعركة لا تزال مستمرة، و من المهم الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية وعدم منح العدو أي مكاسب معنوية !

وفي المقابل، برز دور المقاومة الشعبية في التصدي للقوات الإسرائيلية خاصة في مدينة السويس لتصبح المقاومة المدنية جزءًا من السردية الإعلامية للحرب، بما حملته من دلالات تتعلق بصمود المجتمع واستعداده للدفاع عن أرضه.

ولم يكن الإعلام المشارك الوحيد في صناعة هذه الحالة المعنوية فقد جاءت مفردات أغاني المعركة لتؤدي وظيفة موازية من خلال ربط المحتوى بالعناية الإلهية والأمل في النصر، والإصرار على تحرير الأرض، وتحولت بعض الأعمال الغنائية الوطنية إلى ذاكرة صوتية للحرب، بوصولها إلى قطاعات واسعة من المجتمع بلغة عاطفية مباشرة !

ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من تجربة حرب أكتوبر أن الإعلام في زمن الحرب تقاس قوته بعدم انفعاله ودون حماس زائد وبقدرته على معرفة متى يتحدث، وماذا يقول، وماذا ينبغي أن يحتفظ به لنفسه !

إن الهدوء في بعض اللحظات يظل أكثر تأثيرًا من الصخب، والجمل القصيرة أكثر أهمية من الخطاب الطويل، وهكذا كان ضبط الإيقاع الإعلامي جزءًا من ضبط إيقاع المعركة نفسها.

وبعد 53 عامًا، تظل حرب أكتوبر نموذجًا مهمًا لدراسة العلاقة بين السياسة الإعلامية وإدارة الأزمات والحروب فقد أثبتت التجربة أن بناء الوعي الجمعي لا يبدأ لحظة اندلاع الحرب، وإنما يتشكل قبلها بسنوات، وأن الإعلام الذي ينجح في أوقات الأزمات هو الإعلام الذي يمتلك رصيدًا من الثقة لدى جمهوره !

إن الفكر الإعلامي في أكتوبر 73 لم يكن مجرد نشر بيانات عسكرية أو بث أغانٍ وطنية، بل كان منظومة منضبطة ومتكاملة.

وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية القادرة على نشر المعلومة الكاذبة والشائعة والمحتوى المضلل كم نحتاج الى مخرجات حرب أكتوبر باعتبارها نموذجا للتعاطي مع تحديات الحرب المعلوماتية اليوم !

إن معاركنا الراهنة لا تدور على جبهات وإنما ميادينها الهواتف والشاشات وخوارزميات المنصات، حيث يمكن لشائعة واحدة أو صورة مجتزأة أن تربك الوعي العام وتؤثر في المعنويات.!

ومن ثم تؤكد تجربة حرب أكتوبر أن الانتصار الإعلامي لا يتحقق بكثرة النشر أو سرعة الرد فقط، بل ببناء الثقة، والتحقق من المعلومة، وتنسيق الرسائل، والتمييز الحاسم بين الشفافية المسؤولة وما يخدم الخصم.

لقد أثبتت تلك التجربة أن الكلمة قد تكون جزءًا من السلاح، وأن امتلاك هذا السلاح اليوم يتطلب وعيًا سياسيا وانضباطًا مؤسسيًا وقدرة على خوض حرب المعلومات والتكنولوجيا بعقل متزن ورسالة محددة الوسيلة والهدف !

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد

المزيد من مقالات

الإعلام في حرب أكتوبر.. صوت بلا ضجيج واحتشاد بلا مبالغة !

ونحن نحتفل بمرور ثلاثة وخمسين عاما على انتصارنا في حرب أكتوبر المجيدة تستعيد ذاكرة الوطن الأداء الإعلامي آنذاك الذي أكد...

الشباب والقانون وبناء السلام: طاقة المجتمع حين تنضبط بالوعي والمسؤولية

يمثل الشباب طاقة المجتمع الأكثر قدرة على المبادرة والتعلم والتأثير. وحين تقترن هذه الطاقة بالوعي القانوني، تتحول من حماس عابر...

شعبٌ غيّر لغة الشرق الأدنى

هناك شعوب كثيرة عرفها التاريخ القديم بقوة جيوشها، وأخرى اشتهرت بمدنها ومعابدها وقصورها. لكن الآراميين تركوا أثرًا من نوع مختلف؛...

صوتها يعبر الحدود.. المرأة والفن جسور بين الثقافات

هناك أشياء لا تحتاج إلى ترجمة. نغمة موسيقية قد تصل إلى قلب امرأة في بلد بعيد، ولوحة قد تجعل غريبًا...