تعدت قضية دراسة الإعلام التحفظ على انتشار غير عادي لكليات ومعاهد الإعلام إلى بحث إشكالية العلاقة بين تعليم الإعلام وسوق العمل والتحول الرقمي. تصريحات رسمية تؤكد أن في مصر أكثر من 50 كلية ومعهدًا لتدريس الإعلام، يخرج نحو 51 ألف طالب سنويًا.
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
أي أننا نتحدث عن أكثر من نصف مليون خريج خلال عشر سنوات إذا استمر المعدل نفسه !
وهنا نتساءل كم يحتاج سوق العمل الإعلامي المصري فعليًا من هؤلاء الخريجين كل عام؟ وكيف يمكن استيعابهم في وظائف إعلامية حقيقية؟
ليست المشكلة في فائض الخريجين فوجود عشرات الآلاف من الشباب المؤهلين يمكن أن يمثل ثروة بشرية إذا أحسن توجيهها، وإنما المشكلة في الفجوة بين حجم المخرجات التعليمية وطبيعة الوظائف المتاحة والمهارات التي يحتاجها الإعلام الجديد.
إن المشهد الذي تأسست في ظله المنظومة الأكاديمية للإعلام كان مختلفًا تمامًا عندما أصبحت كليات الإعلام مسارًا جامعيًا رئيسيًا في مصر، وكان الطريق المهني لخريج الإعلام واضحًا نسبيًا آنذاك صحيفة أو مجلة أو إذاعة أو تلفزيون أو وكالة أنباء. أما اليوم فقد تغيرت الخريطة بصورة جذرية وتكشف أرقام التحول الرقمي حجم هذا التغيير ! فقد بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في مصر 98.2 مليون شخص في أكتوبر 2025، بنسبة انتشار بلغت 82.7% من عدد السكان، بينما بلغ عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي نحو 51.6 مليونًا. كما بلغ عدد الاتصالات من الهواتف الذكية 121 مليون اتصال، بما يعادل 102% من عدد السكان، مع ملاحظة أن الشخص الواحد قد يمتلك أكثر من هاتف .
هذه الأرقام تقول بوضوح إن جمهور الإعلام المصري لم يعد ينتظر المحتوى في صحيفة صباحية أو نشرة إذاعية أو موعد ثابت لبرنامج تلفزيوني بل أصبح يحمل منصة إعلامية كاملة في هاتفه ومن هنا ظهرت وظائف ومسارات مهنية لم تكن موجودة بهذه الصورة عندما وضعت كثير من المقررات التقليدية، مثل صناعة المحتوى الرقمي، وإدارة المنصات، وتحليل بيانات الجمهور، والتسويق الرقمي، وإدارة المجتمعات الرقمية، وإنتاج الفيديو القصير، وتحسين ظهور المحتوى في محركات البحث، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الإنتاج والتحرير.
بل إن بعض المؤسسات الأكاديمية بدأت بالفعل في استحداث برامج للإعلام الرقمي تجمع بين علوم الإعلام والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بما يعكس اتجاهًا نحو إعادة تعريف تخصص خريج الإعلام قسم الإذاعة والتليفزيون ويمكن دمجه مع قسم صحافة إلى الإعلام المدمج أو الرقمي وقسم العلاقات العامة والإعلان أصبح اقرب الى التسويق الالكتروني وإدارة منصات التجارة الرقمية.
لكن المفارقة أن خريجي الإعلام كل عام، مازالوا يسعون إلى الوظائف التقليدية في الصحافة والإذاعة والتلفزيون وهنا يجب أن نطرح السؤال الحقيقي: هل المشكلة في عدد كليات الإعلام فقط، أم في الطريقة التي نُعرّف بها "خريج الإعلام"؟إن دراسة نظريات الإعلام فقط لم تعد كافيًة لدخول سوق العمل الذي تغيرت أدواته.
والمطلوب هو خريج يستطيع أن يكتب ويصور ويمنتج ويقدم محتوى رقميًا، ويفهم الجمهور، ويقرأ البيانات، والتقارير الصوتية ويستخدم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ويعرف كيف يقدم القصة نفسها عبر أكثر من منصة.
وهذا لا يعني إلغاء التعليم النظري؛ فالنظريات والتاريخ وأخلاقيات المهنة والقواعد المهنية تظل أساسًا لا غنى عنه.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الجانب النظري أكبر من قدرة الطالب على ممارسة المهنة.
وتؤكد الاتجاهات الحالية داخل صناعة الإعلام نفسها أهمية الجمع بين المحتوى والتكنولوجيا والتدريب العملي؛ فقد ناقشت لجان تطوير الإعلام في مصر خلال عامي 2025 و2026 قضايا التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وبناء القدرات البشرية وتطوير رأس المال البشري داخل المؤسسات الإعلامية.
إذن، نحن أمام معادلة جديدة:51 مؤسسة تعليمية تقريبًا، و51 ألف خريج سنويًا، ونحو 98 مليون مستخدم للإنترنت، وأكثر من 51 مليون هوية على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتكشف هذه الأرقام أننا أمام صناعة جديدة لها جمهورها ، ومنصاتها ، وفرص تطويرها ، لكن هل تم إعداد الخريج المناسب لهذه الصناعة الجديدة؟
المطلوب ليس إغلاق كليات ومعاهد الإعلام، ولا الحد من التعليم الإعلامي، وإنما إعادة تنظيم المنظومة بالكامل بمعنى دراسة أعداد المقبولين، وربطها باحتياجات سوق العمل، ومراجعة المناهج، وزيادة التدريب العملي، وإقامة شراكات حقيقية بين الجامعات والمؤسسات الإعلامية، واستحداث تخصصات مرتبطة بالإعلام الرقمي والبيانات والذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى.
كما ينبغي أن تتوقف فكرة أن وظيفة خريج الإعلام هي بالضرورة أن يصبح مذيعًا أو صحفيًا أو مخرجًا تلفزيونيًا.
لأن الإعلام أصبح صناعة واسعة فتحت مع التطور التقني مجالات متطورة في التسويق والعلاقات العامة والاتصال المؤسسي وإدارة المنصات وصناعة المحتوى.
القضية إذن ليست "كليات إعلام كثيرة أم قليلة؟" بقدر ما هي هل لدينا تعليم إعلامي يواكب سوق العمل الذي تغير بالفعل؟
لن يكون المستقبل بالضرورة لمن يحمل شهادة إعلام فقط، وإنما لمن يستطيع أن يحول هذه الشهادة إلى مهارة وقيمة مضافة وفرصة عمل.
وهنا تحديدًا يجب إعادة بناء العلاقة بين الإعلام والتعليم وسوق العمل لأن القضية أصبحت تتعلق بمستقبل صناعة الإعلام نفسها، وبقدرتنا على إعداد أجيال اليوم تستطيع العمل في إعلام لم يعد يشبه إعلام الأمس !
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تعدت قضية دراسة الإعلام التحفظ على انتشار غير عادي لكليات ومعاهد الإعلام إلى بحث إشكالية العلاقة بين تعليم الإعلام وسوق...
بناء السلام لا يبدأ دائمًا من قاعة تفاوض كبرى، ولا يظهر فقط بعد الحروب والنزاعات المسلحة. إنه يبدأ أحيانًا من...
قد تجلس فتاة صغيرة في فصلها، تتابع المعلمة بعينيها، وتحاول أن تلتقط من حركة شفتيها ما تستطيع، بينما زميلاتها يرفعن...
حين نقرأ تاريخ العراق القديم، غالبا ما تسرق منا أسماء الملوك والفتوحات والأساطير الأضواء، لكن خلف هذه الأحداث الكبرى كان...