كيف بددت حرب ايران آمال ترامب الاقتصادية؟

دخل دونالد ترامب ولايته الثانية برهانات اقتصادية واضحة هي خفض الأسعار، تعزيز النمو، دعم التصنيع، وزيادة القوة الشرائية للأمريكيين. لكن الحرب مع إيران قلبت جزءًا مهمًا من هذه الحسابات؛ إذ أعادت الطاقة والتضخم وسلاسل الإمداد إلى واجهة المشهد الاقتصادي الأمريكي.

فمع اضطراب إمدادات الطاقة المرتبطة بمضيق هرمز، تجاوز سعر خام برنت حاجز 120 دولارًا للبرميل في ذروة الصدمة، فيما بلغ متوسط السعر خلال 2026 نحو 90 دولارًا، مقارنة بنحو 70 دولارًا في 2025.. ولم تتوقف التداعيات عند البنزين، إذ ارتفعت أسعار الديزل ووقود الطائرات أيضًا.

وهنا تظهر المشكلة بالنسبة لترامب: ارتفاع الطاقة يضرب وعد خفض تكلفة المعيشة من أكثر من قناة في الوقت نفسه.

فالديزل عنصر أساسي في نقل البضائع والزراعة والخدمات اللوجستية، ووفق تحليل رويترز ارتفع سعره في الولايات المتحدة بنحو 76% خلال عام، مقابل زيادة قدرها 41% للبنزين. كما أن الأمريكيين أنفقوا خلال فترة الحرب نحو 112 مليار دولار إضافية في محطات الوقود، منها 51 مليار دولار مرتبطة بالديزل.
ثم انتقلت الصدمة إلى التضخم.

بيانات أغسطس أظهرت استمرار ضغوط الأسعار، مع مساهمة ارتفاع تكاليف الطاقة في إبقاء التضخم مرتفعًا، بينما حذّر صندوق النقد الدولي من أن صدمة السلع الأولية الناتجة عن الحرب تؤخر عودة التضخم الأمريكي إلى مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.

وهذا يخلق معادلة أكثر تعقيدًا لترامب: حرب ترفع أسعار الطاقة، والطاقة ترفع التضخم، والتضخم يضيّق مساحة خفض الفائدة.

وبالتالي، فإن ارتفاع أسعار الوقود لا يضغط فقط على ميزانية الأسر، وإنما يمكن أن يرفع تكلفة الاقتراض أيضًا عبر إبقاء السياسة النقدية أكثر تشددًا لفترة أطول.
أما الرهان الثاني فكان النمو وسوق العمل.

صحيح أن الاقتصاد الأمريكي لم يدخل في ركود، وأن بيانات أغسطس أظهرت إضافة 162 ألف وظيفة مع استقرار البطالة عند 4.1%، إلا أن الصورة ليست قصة ازدهار بلا تحفظات؛ فالاقتصاد أصبح يعمل في بيئة تجمع بين صدمات الطاقة والتعريفات الجمركية وتباطؤ بعض مؤشرات سوق العمل.

والأهم أن الحرب جاءت فوق سياسة تجارية أكثر حماية.. فالتعريفات التي راهن ترامب عليها لزيادة الإنتاج المحلي وتحقيق إيرادات للخزانة يمكن أن تتزامن مع ارتفاع تكلفة الواردات، بينما تضيف الحرب تكلفة أخرى على الطاقة والنقل.

وكان صندوق النقد قد توقع في أبريل نمو الاقتصاد الأمريكي بنسبة 2.4% في 2026، لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن ارتفاع أسعار الطاقة يمثل خطرًا صعوديًا على التضخم.

لكن الصورة تحتاج إلى قدر من الدقة: الحرب لم تبدد كل المكاسب الاقتصادية ولم تدفع الاقتصاد الأمريكي إلى الانهيار.

وزارة الخزانة الأمريكية تقول إن الاستثمار في المعدات والملكية الفكرية ارتفع بنحو 10% سنويًا خلال النصف الأول من 2026، وإن الاقتصاد أظهر قدرة على تحمل صدمات الطاقة بسبب قوة الإنتاج الأمريكي من النفط والغاز. كما أن بيانات الوظائف الأخيرة تشير إلى استمرار خلق فرص عمل.

لذلك، فإن جوهر القصة ليس أن الحرب ألغت أجندة ترامب الاقتصادية بالكامل، وإنما أنها جعلت تحقيق وعودها أكثر صعوبة: بدل أن يتحرك الاقتصاد في بيئة تتراجع فيها ضغوط الأسعار، وجد البيت الأبيض نفسه أمام نفط مرتفع، وقود أغلى، تضخم أكثر صلابة، وتكاليف نقل وإنتاج أعلى.

وفي النهاية، تحولت الحرب من ملف جيوسياسي إلى اختبار اقتصادي مباشر لترامب:

هل يستطيع الاقتصاد الأمريكي امتصاص صدمة الطاقة من دون أن تعود موجة التضخم إلى الواجهة؟ وهل يمكن خفض تكلفة المعيشة بينما ترتفع تكلفة الوقود والنقل؟ وهل يستطيع البيت الأبيض تحقيق نمو قوي من دون أن تتحول الحرب والتعريفات إلى عبء على المستهلك؟

وهنا تكمن المفارقة حيث بدأ ترامب ولايته الثانية وهو يَعِد الأمريكيين بأن الاقتصاد سيجعل حياتهم أرخص وأسهل، لكن الحرب جعلت سعر الطاقة والتضخم وتكلفة المعيشة في قلب المعادلة من جديد.

 

ايمان صلاح

ايمان صلاح

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

تقرير عن رسوم ترامب الجديدة
البناء
حرب ايران
الاحتياطي الفيدرالي
مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي
جمارك امريكا
ترامب
اقتصاد امريكا

المزيد من تقارير اقتصاد

كيف بددت حرب ايران آمال ترامب الاقتصادية؟

دخل دونالد ترامب ولايته الثانية برهانات اقتصادية واضحة هي خفض الأسعار، تعزيز النمو، دعم التصنيع، وزيادة القوة الشرائية للأمريكيين. لكن...

الذكاء الاصطناعي.. ثروة جديدة قد تعمّق فجوة الدخل

لم يعد الجدل حول الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على قدرته على تغيير شكل الوظائف.. فالمخاوف تتسع الآن إلى سؤال أكبر: من...

ترامب وشي.. هدنة تجارية مؤقتة بدلا من اتفاق شامل

لم تكن القمة الأمريكية الصينية في واشنطن مجرد لقاء سياسي بين أكبر اقتصادين في العالم، بل جاءت لاختبار مستقبل الهدنة...

في يوم الملاحة العالمي..التميز البحري محور اهتمام العالم ومصر تحقق طفرة تنموية

من أجل تعزيز سلامة الشحن البحري وأمنه وكفاءته واستدامته البيئية.. يحتفل العالم بيوم الملاحة البحرية العالمي في 24 سبتمبر من...