أبعاد التحركات المصرية لتشكيل قوة ردع عربية موحدة فى مواجهة مخططات التفتيت

أمن أى دولة عربية هو امتداد مباشر ووثيق للأمن القومى المصرى الرؤية المصرية تستند إلى صياغة استراتيجية.. وتستهدف التصدى للحروب الهجينة الاعتماد المفرط على الغطاء الخارجى لم يعد يوفر الأمان وقت الكوارث استراتيجية الردع تفرض إفهام الخصوم بأن المساس بأى دولة عربية يواجه بقوة غاشمة

في ظل المتغيرات العاصفة التي تضرب أركان منطقة الشرق الأوسط، وتفرز معادلات أمنية وسياسية غير مسبوقة، تضع الأمن القومي العربي برمته أمام اختبار التاريخ ومفترق الطرق، باتت التحركات المصرية لتعزيز القدرات الدفاعية والردعية بمثابة البوصلة التي تهدى إلى بر الأمان، وتستدعي الوقوف أمام كافة أبعادها وأهدافها العميقة.

ولتحليل هذه التطورات الاستراتيجية وقراءة المشهد الإقليمي المعقد بنظرة ثاقبة، نلتقي المفكر الاستراتيجي اللواء أركان حرب د. سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، ليفتح معنا ملفات التعاون العسكري والتكامل الدفاعي ومبادرات الردع الجماعي لمواجهة سيناريوهات التفتيت والتقسيم التي يستهدف بها الأعداء مقدرات هذه الأمة.

كيف ترى الرؤية التي طرحتها الدولة المصرية على الجامعة العربية لدفع التكامل الأمني والدفاعي وتنسيق القدرات المتاحة لحماية الأمن القومي العربي من خطر التمزق والتقسيم الذي يواجه المنطقة؟

الرؤية المصرية لم تكن مجرد اقتراح عابر أو موقف سياسي مؤقت، بل هي صياغة استراتيجية متكاملة نابعة من دراسة عميقة وشاملة لواقع المنطقة وما يحيط بها من أخطار وتهديدات غير مسبوقة. والقيادة السياسية ومن واقع موقعها التاريخي ومسؤوليتها القومية، أدركت تمامًا أن النماذج القديمة للإدارة الأمنية لم تعد قابلة على الصمود أمام الهجمات الشرسة التي تتعرض لها الدولة الوطنية في العالم العربي.

ومصر عندما تتحدث عن التكامل الأمني والدفاعي، فهي تنطلق من رؤية متكاملة تعتبر أن أمن أي دولة عربية هو امتداد مباشر للأمن القومي المصري، وأن التفريط في أي شبر أو التغافل عن أي تهديد يمس أي بلد عربي ينعكس سلبًا على المنظومة بأكملها. والرؤية المصرية تبنت الطرح المؤسسي الذي يعتمد على تنسيق القدرات المتاحة لدى الجيوش العربية، بدلاً من استنزافها في أزمات داخلية أو منازعات بينية، والهدف الأساسي هو إيجاد مظلة دفاعية متماسكة تستطيع التصدي لجميع سيناريوهات التفتيت التي أصبحت تنفذ بأدوات مختلفة، تتنوع بين الحروب الهجينة والشبكات الإرهابية والتدخلات الخارجية المباشرة وغير المباشرة.

إن الرؤية المصرية تدعو للتحول من التنسيق النظرى السياسي إلى التنسيق العملياتي والميداني. والمفهوم المصري للتكامل ينظر إلى الإمكانات العربية باعتبارها كتلة واحدة؛ فإذا تم تجميعها وإدارتها بعقل استراتيجي واحد، فإنها تشكل قوة إقليمية كبرى لا يمكن لأي طرف إقليمي أو دولي أن يتجاهلها أو يتجاوزها. ومن هنا، فإن المبادرة تسعى إلى توحيد العقائد العسكرية في التدريب والسيطرة والقيادة، وتطوير شبكات الإنذار المبكر والتغطية الرادارية، والحرص على تأمين المضايق البحرية التي تعتبر شرايين الحياة الاقتصادية لكافة دول المنطقة.

ما هي مجالات التكامل وتنسيق القدرات بين الدول العربية، وهل يمكن أن تجد دعوة مصر في هذا الإطار صدى لدى الأشقاء؟

مجالات التكامل المتوفرة بين الدول العربية متعددة وكبيرة جدًا، وتغطي محاور استراتيجية متنوعة. ولو تم استغلالها بالشكل الأمثل، لأصبحت الأمة العربية صاحبة القوة الأكبر في المنطقة.

أول هذه المجالات هو مجال التصنيع العسكري والدفاعي المشترك. فنحن نعلم أن بعض الدول العربية تمتلك وفرة مالية كبيرة، في حين تمتلك دول أخرى، مثل مصر، العقول والهندسة والخبرات الميدانية والبنية التحتية الصناعية الضخمة. وإذا تم دمج هذه العناصر، سنصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في العديد من المجالات، مما يرفع عنا الضغط الخارجي وينهي التبعية لموردي السلاح الذين يفرضون قيودًا سياسية على استخدامها عند الأزمات.

المجال الثاني هو مجال التنسيق الاستخباراتي وتبادل المعلومات، حيث تتطلب المواجهة مع التنظيمات المسلحة والشبكات العسكرية غير النظامية السرعة الفائقة في نقل وتتبع المعلومات، وإدارة غرفة عمليات أمنية مشتركة لملاحقة بقايا الإرهاب ومكافحة الجريمة المنظمة وقرصنة البحار.

والمجال الثالث يتعلق بالتأمين البحري وخطوط الملاحة في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق باب المندب ومضيق هرمز. وهذه المناطق تعتبر مجالاً حيويًا لكل الدول العربية، وتأمينها يستوجب وجود أساطيل وقوات بحرية مشتركة تعمل بتنسيق دائم.

أما بالنسبة لمدى الصدى الذي يمكن أن تحققه المبادرة لدى الأشقاء العرب، فإنني أؤكد أن المتغيرات المتسارعة أحدثت صدمة إيجابية في العقل السياسي العربي، وجعلت القادة والخبراء يدركون أن الاعتماد على القوى الدولية وحلفاء الخارج لم يحقق الأمان المطلق، ولن يقدم الحماية وقت الأزمات الحقيقية، بل إن تجارب السنوات الأخيرة أثبتت أن الغطاء الخارجي قد يتلاشى فور تعارض المصالح.

وبالتالي، فإن الدعوة المصرية اليوم تحظى بتقدير كبير ووعي بأهميتها؛ لأن الجميع يعلم أن مصر تنطلق من حرص خالص على المصير المشترك، وأن الهدف هو بناء قوة ذاتية تحمي الجميع وتحافظ على مقدرات الشعوب.

كيف ترى دعوة مصر لتعزيز الردع والاستباق والتكامل الجماعي مع التهديدات والأزمات التي تهدد أمن واستقرار الأمة العربية؟

إن تعزيز مفهوم الردع والاستباق يمثل الركيزة الأساسية في العقيدة والفكر العسكري الحديث، فالردع لا يعني فقط امتلاك السلاح، بل يعني إفهام الخصم والعدو المحتمل، بشكل لا يدع مجالا للشك، بأن أي محاولة للمساس بأمن أي دولة عربية ستواجه بقوة غاشمة ورد حاسم يكبد المعتدي خسائر فادحة تفوق بكثير أي مكاسب قد يفكر في تحقيقها.

ومصر، من خلال دعوتها لتعزيز الردع الجماعي، تسعى للتحول من موقع الدفاع والتلقي إلى موقع المبادرة وفرض شروط الاستقرار.

أما مفهوم الاستباق، فهو يعني عدم انتظار التهديد حتى يتفاقم ويصل إلى أراضينا ودولنا، بل يجب تحليله ورصده في مهده والتعامل معه بحسم وسرعة. واستباق المخاطر يقتضي تحركًا شاملاً يدمج بين الضربات الاستخباراتية الاستباقية والدبلوماسية الخشنة والاستعداد العسكري الميداني الدائم لمواجهة أي أزمة فور اندلاعها.

ودعوة مصر للتعامل الجماعي تأتي لمنع ما يسمى باستراتيجية الاستفراد، حيث يسعى العدو دائمًا لتقسيم الدول العربية واستهداف كل دولة على حدة، بينما الوقوف في صف واحد يضمن إفشال هذه المخططات قبل أن تبدأ.

إن التعامل الجماعي يخلق حالة من التوازن الاستراتيجي والإقليمي، ويمحو نقاط الضعف التي قد تتواجد في بعض الساحات، ويجعل الأمة العربية تتحدث بلغة واحدة وموقف موحد، مما يجبر جميع الأطراف الدولية والإقليمية على احترام القرار العربي وحساب ألف حساب لكل خطوة تتصل بملفات الشرق الأوسط.

ما هي الأطر القائمة التي يمكن البناء عليها لتشكيل قوة ردع عربية مشتركة، وهل الوقت لا يزال متاحًا لتحقيق هذا الهدف؟

الأطر المؤسسية والقانونية لتشكيل قوة ردع موجودة بالفعل، ولا نحتاج إلى البدء من الصفر. وعلى رأس هذه الأطر معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي الموقعة عام ألف وتسعمائة وخمسين، والتي تنص بوضوح على أن أي اعتداء على أي دولة موقعة يعتبر اعتداءً على الجميع، ويستوجب تقديم المساعدة العسكرية والمالية فورًا.

كما أن هناك مجالس الوزراء العرب ومجلس السلم والأمن العربي التابع لجامعة الدول العربية، بالإضافة إلى المناورات العسكرية الدورية التي تجرى بين العديد من الجيوش العربية، مثل مناورات درع العرب ومناورات النجم الساطع وغيرها.

المشكلة في الماضي لم تكن في القوانين أو البروتوكولات، بل كانت في آليات التنفيذ وفي التجاذبات السياسية التي كانت تعطيل تحويل هذه النصوص إلى واقع ميداني. واليوم يمكن البناء على هذه الأطر من خلال تأسيس قوة قيادة مشتركة، وتشكيل قوات تدخل سريع عالية التدريب والجاهزية، تكون مستعدة للانتشار عند الحاجة، وإقامة نظام إنذار استراتيجي مبكر يغطي كل أرجاء العالم العربي.

أما عن عنصر الوقت، فإنني أقول بوضوح إن الوقت كالسيف، والفرصة ما زالت سانحة، ولكن النافذة تضيق تدريجيًا. وإذا لم نتخذ الخطوات العملية والناجزة خلال المرحلة الحالية، فإن كلفة التردد ستكون باهظة جدًا.

والوقت المتاح يستلزم تجاوز الإجراءات الروتينية والانتقال الفوري إلى توقيع الاتفاقيات التنفيذية المباشرة بين الدول الراغبة والمؤهلة للبدء، لتلود المبادرة وتكون النواة الصلبة التي تنضم إليها بقية الدول لاحقًا.

هل الأحداث التي شهدتها المنطقة على مدار السنوات الثلاث الماضية تفرض على الجميع الالتفاف حول المبادرة المصرية، أم أن النزاعات وضيق الأفق سيكونان سببًا في ضياع الفرصة الأخيرة؟

إن السنوات الثلاث الماضية كانت بمثابة الزلزال السياسي والعسكري الذي اقتلع أوهامًا كثيرة، وأظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن المنطقة الممتدة من الخليج إلى المحيط تقع في قلب استراتيجية إعادة الهندسة الجيوسياسية التي تهدف إلى إنهاء مفهوم الدولة الوطنية وتفكيك الجيوش النظامية لصالح ميليشيات وكيانات موازية.

وما جرى ويجرى في غزة ولبنان والسودان واليمن وسوريا وليبيا يؤكد أن المخاطر تعبر الحدود بسرعة، ولا توجد أي دولة، مهما كانت إمكاناتها، بمعزل عن التأثير المباشر.

هذه الأحداث القاسية تشكل ضغطًا تاريخيًا يفرض على الجميع التخلي عن الخلافات الجانبية وضيق الأفق، والالتفاف حول المبادرة المصرية المخلصة. والمجال لم يعد يتسع للمناورات السياسية أو الاقتتال على نفوذ وهمي، فالبيت العربي يواجه حريقًا شاملاً.

وإذا استمر البعض في الانشغال بالتفاصيل الصغيرة والأحقاد التاريخية، فإن النتيجة ستكون ضياع الفرصة الأخيرة وسقوط الجميع في فخ التبعية والتهميش.

إن الواجب القومي والأخلاقي والأمني يحتم على متخذي القرار في كافة العواصم العربية قراءة الواقع بمنظار استراتيجي نافذ، وتقديم المصلحة العليا للأمة على أي حسابات ضيقة. فالفرصة المتاحة اليوم قد لا تتكرر غدًا، والمبادرة المصرية توفر الإطار الصحيح والعادل للجميع، دون تفضيل لبلد على آخر، إلا بمقدار ما يقدمه من دعم لصمود واستقرار الأمة.

ماذا عن ردود الفعل المناوئة للوحدة العربية من التحركات المصرية تلك، وكيف يمكن التعامل مع مخططات التقسيم والتشرذم التي يعمل الكيان الصهيوني على تنفيذها وصولاً إلى قوة عربية تستطيع حماية الأمة مما يخطط لها على مرأى ومسمع من الجميع؟

من الطبيعي والمنتظر أن تثير التحركات المصرية لتوحيد الصف الدفاعي العربي ردود فعل غاضبة ومناوئة من الأطراف التي ترى في القوة العربية الموحدة تهديدًا مباشرًا لمشاريعها التوسعية ومخططات الهيمنة.

وعلى رأس هذه الأطراف الكيان الصهيوني، الذي ارتكزت عقيدته الأمنية منذ نشأته على إبقاء العالم العربي متفرقًا وضعيفًا ومقسماً، وممارسًا لسياسات الفرقة والنزاع البيني. وكلما لاحت في الأفق فرصة لتقارب عربي أو لتشكل قوة دفاعية متماسكة، تتحرك أجهزة الدعاية والحروب النفسية الخارجية لتشكيك الدول العربية في نيات بعضها البعض، ولزرع بذور النزاع والريبة.

وللمواجهة الحازمة لهذه المخططات الصهيونية والدولية وإحباطها، يجب أن نعمل وفق خطة شاملة تتضمن محاور متعددة:

المحور الأول: هو تعزيز الجبهات الداخلية للدول العربية، ومنع الاختراقات الناعمة، وإعادة بناء الوعي لدى الشباب العربي بمخاطر حروب الجيل الرابع والخامس التي تستهدف التشكيك في المؤسسات الوطنية والجيوش النظامية.

المحور الثاني: يتطلب تسريع الاستقلالية التسليحية والتكنولوجية، وتأمين الشبكات الرقمية والمعلوماتية ضد الاختراقات والأنشطة السيبرانية التي أصبحت من أسلحة الحرب الحديثة.

أما المحور الثالث: فيكمن في تطوير الخطاب الإعلامي والاستراتيجي العربي ليكون خطابًا موحدًا وقويًا، ينزع الشرعية عن المخططات العدوانية ويكشف أبعادها أمام المجتمع الدولي.

والمحور الرابع والأهم: هو إبراز الإرادة السياسية الصلبة لإنشاء قوة الردع العربية المشتركة وتجسيدها على أرض الواقع عبر خطوات ملموسة وعملية.

إن امتلاك القوة الحقيقية المجهزة بالتدريب الحديث والتكنولوجيا المتقدمة والعقيدة الدفاعية الوطنية الواعية هو السبيل الوحيد الذي يضمن منع تنفيذ مخططات التقسيم والتشرذم، ويجبر الأعداء والخصوم على إعادة حساباتهم والوقوف عند حدودهم، ليظل الوطن العربي صامدًا وآمنًا وقادرًا على حماية مقدرات شعوبه وأجياله القادمة على مر العصور.

 	صفاء الخميسي

صفاء الخميسي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الجامعة العربية تتصدى للعدوان الإسرئيلى علـى سوريا بحجة حماية الدروز
منظمة التعاون الإسلامى
سفاراتا قطر والإمارات  تحتفلان برمضان وسط الأيتـام وأطفال مستشفى 57357
ابو الغيط

المزيد من سياسة

أحمد سلطان: مقاطعة بريطانيا ضربة لإسرائيل والجهود المصرية فضحت الاحتلال

مصر تتولى مهمة عزل إسرائيل دولياً.. و 12 دولة غربية تنضم لحملة مقاطعة منتجات المستوطنات د. ماهر صافى : القاهرة...

أبعاد التحركات المصرية لتعزيز القدرات الدفاعية العربية وحماية أمن الأمة

في ظل أزمات وصراعات وتحولات متسارعة تعيد تشكيل خريطة التهديدات المحيطة بالدول العربية، يعود ملف الأمن القومي العربي إلى واجهة...

أبعاد التحركات المصرية لتشكيل قوة ردع عربية موحدة فى مواجهة مخططات التفتيت

أمن أى دولة عربية هو امتداد مباشر ووثيق للأمن القومى المصرى الرؤية المصرية تستند إلى صياغة استراتيجية.. وتستهدف التصدى للحروب...

10 خطوط حمراء تُحدّد تحركات الدولة المصرية فى النظام العالمى الجديد

أعلنها الرئيس «السيسى» خلال مشاركته فى تجمع «بريكس».. التعامل مع القوى الكبرى على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة حتمية وقف...


مقالات

قصة القزم الراقص
  • الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 01:00 م
أوروبا تستعد لعالم الصدمات
  • الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 10:00 ص
من القاهرة إلى القاهرة
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 05:19 م
آداب طالب العلم
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 12:00 م