سيناريوهات عودة الإيرانيين والأمريكيين إلى مائدة المفاوضات من جديد

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد تبادل للضربات العسكرية او رسائل ردع متبادلة، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية والاقتصادية،

وسط تصعيد غير مسبوق يثير مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط. وبينما تتسع دائرة العمليات العسكرية وتتزايد حدة التهديدات لا تزال قنوات الوساطة والتحركات الدبلوماسية حاضرة في الخلفية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان التصعيد الحالي يمثل مقدمة لحرب شاملة، أم أنه مجرد ورقة ضغط لتحسين شروط التفاوض قبل العودة إلى طاولة الحوار.

في هذا الشأن أكد اللواء الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، أن التصعيد العسكري المتبادل بين إيران والولايات المتحدة يمثل واحدة من أخطر مراحل الصراع في الشرق الأوسط، بعدما تجاوز حدود الرسائل العسكرية المحدودة إلى مرحلة اختبار الإرادات وفرض معادلات ردع جديدة، وهو ما يجعل المنطقة تقف أمام مفترق طرق شديد الحساسية والحديث عن وصول الأزمة إلى "نقطة اللاعودة" لا يزال سابقا لأوانه، كما أن التجارب السابقة أثبتت أن واشنطن وطهران، مهما بلغت حدة المواجهة بينهما تتركان دائما مساحة للحلول السياسية عندما تصبحتكلفة الحرب مرتفعة إلى مستويات لا يمكن تحملها.

وأوضح فرحات، أن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في استمرار الضربات المتبادلة والضغوط العسكرية لفترة محدودة، بهدف تحسين شروط التفاوض قبل العودة مجدداً إلى قنوات الوساطة عبر أطراف إقليمية ودولية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لا ترغب في الانخراط في حرب طويلة تستنزف قدراتها فى منطقة تعانى بالفعل من أزمات متشابكة وأن إيران في المقابل، تدرك أن الدخول في مواجهة شاملة مع القوة العسكرية الأمريكية ستكون له تكلفة اقتصادية وعسكرية وسياسية باهظة، وهو ما يجعل خيار التفاوض مهما تأخر، حاضرا ضمن الحسابات الاستراتيجية للطرفين.

وأشار فرحات إلى أن إسرائيل تعد المستفيد الأكبر من استمرار حالة التوتر، لأنها تسعى منذ سنوات إلى إبقاء الملف الإيراني على رأس أولويات الولايات المتحدة والمجتمع الدولى، بما يضمن استمرار الضغوط على طهران، لكنه شدد على أن القول بأن إسرائيل نجحت بشكل كامل فى توريط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حرب مفتوحة يحتاج إلى قدر كبير من الحذر والإدارة الأمريكية تتحرك وفقا لحسابات الأمن القومي الأمريكي والمصالح الاستراتيجية، وليس فقط وفق الرؤية الإسرائيلية، ولذلك تحاول واشنطن تحقیق توازن بین دعم إسرائيل ومنع تحول المواجهة الحالية إلى حرب إقليمية واسعة يصعب احتواء تداعياتها.

وأكد فرحات أن المنطقة بأكملها ستكون الخاسر الأكبر إذا استمر التصعيد العسكرى، موضحاً أن أي توسع في العمليات العسكرية سيهدد أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة وسلاسل التجارة العالمية، كما سيؤدى إلى اضطرابات اقتصادية حادة وانعكاسات مباشرة على أسعار النفط والغذاء والاستثمار، بما يزيد الضغوط على اقتصادات دول الشرق الأوسط التي تواجه بالفعل تحديات تنموية واقتصادية كبيرة.

وفيما يتعلق بما يتردد عن وجود خلافات بين بعض القيادات الخليجية والإدارة الأمريكية بسبب استخدام القواعد العسكرية الأمريكية، قال الدكتور رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية إن الأمر لا يرقى إلى مستوى الصدام الاستراتيجي، وإنما يعكس تباينا في تقدير المواقف، موضحاً أن دول الخليج تدرك أهمية شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في أن تتحول أراضيها إلى ساحة لتبادل الضربات أو أن تصبح هدفا مباشرا لأى رد إيراني وهذه الدول تسعى إلى الحفاظ على التوازن بين استمرار التحالفات الأمنية مع واشنطن والعمل في الوقت ذاته على خفض مستويات التصعيد بما يحافظ على أمنها واستقرارها.

من جانبه قال الدكتور طارق البرديسي خبير العلاقات الدولية، إن التصعيد العسكري المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران لا يعكس اتجاها نحو حرب شاملة، وإنما يمثل وسيلة ضغط متبادل لتحسين شروط التفاوض، وأن ما تشهده المنطقة حاليا هو ضغط بالنار" واستنزاف محسوب يهدف في النهاية إلى دفع الطرفين نحو طاولة المفاوضات وأن العمليات العسكرية المتبادلة تأتى فى إطار تصعيد منضبط حيث يسعى كل طرف إلى ممارسة أكبر قدر من الضغوط دون تجاوز الخطوط التى قد تؤدى إلى انفجار مواجهة إقليمية واسعة كما أن استمرار وجود قنوات اتصال غير مباشرة بين واشنطن وطهران يؤكد أن خيار التفاوض لا يزال مطروحاً بقوة، وهذه الاتصالات تتم عبر وسطاء إقليميين ودوليين، من بينهم سلطنة عمان وقطر، إلى جانب وساطات باكستانية، وهو ما يعكس وجود رغبة لدى الجانبين في إبقاء باب الحلول السياسية مفتوحاً.

وأشار البرديسي إلى أن قواعد الاشتباك بين الطرفين تشهد بالفعل تغيرا تدريجيا، إلا أن هذا التغير يتم تحت سقف واضح يتمثل فى عدم توسيع دائرة الصراع أو الانجرار إلى حرب شاملة قد يصعب احتواء تداعياتها والسيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار سياسة التصعيد المتبادل بالتوازي مع استمرار الاتصالات السياسية، وصولاً إلى مفاوضات جديدة بعد انتهاء مرحلة الضغوط الحالية، معتبرا أن هذا السيناريو هو الأقرب للتحقق كما أن سيناريو اندلاع حرب واسعة وشاملة يظل مستبعداً، فجميع الأطراف ما زالت تتحكم في مستوى التصعيد، ولا ترغب في انزلاق الأحداث إلى مواجهة يصعب السيطرة عليها.

وأضاف البرديسي أن الضغوط الحالية تمثل المرحلة الأخيرة قبل العودة إلى طاولة التفاوض، والمقصود ليس نهاية زمنية محددة، وإنما الوصول إلى مرحلة يقتنع خلالها كل طرف بأنه حقق أكبر قدر ممكن من أوراق الضغط قبل بدء المفاوضات كما أن الحديث عن وصول الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران إلى "نقطة اللاعودة" لا يعكس الواقع، فباب العودة إلى التفاوض يظل مفتوحا دائما، لأن تكلفة الحرب الشاملة ستكون باهظة على جميع الأطراف.

حول الموقف الإسرائيلي، أكد الدكتور طارق البرديسي أن إسرائيل تواصل سياسة الضغط والتصعيد، لكنها تتحرك في إطار يتوافق مع المصالح الأمريكية، رافضاً ما يتردد بشأن نجاح إسرائيل في توريط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحرب والولايات المتحدة دولة مؤسسات، وأن صلاحيات الرئيس، رغم اتساعها، تخضع في النهاية الرقابة المؤسسات الأمريكية، مشيرا إلى أن واشنطن تتحرك وفقا لحساباتها ومصالحها الاستراتيجية المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية ومكانتها الدولية، وليس نتيجة ضغوط إسرائيلية واعتبار إسرائيل قد دفعت الولايات المتحدة إلى هذه الحرب يمثل قراءة غير دقيقة، مؤكدا أن ما يحدث يتوافق مع المصالحالأمريكية وليس نتيجة توريط سياسي

فيما يتعلق بتداعيات التصعيد على المنطقة، قال الدكتور طارق البرديسي إن الشرق الأوسط يتحمل بالفعل فاتورة اقتصادية متزايدة نتيجة استمرار المواجهات موضحاً أن المنطقة تشهد ارتفاعات في تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة، إلى جانب حالة استنزاف اقتصادی متواصل، لكنه يظل حتى الآن ضمن حدود يمكن السيطرة عليها بسبب انضباط التصعيد العسكري.

وعن الأنباء التي تحدثت عن وجود خلافات بين بعض قادة دول الخليج والإدارة الأمريكية بسبب القواعد العسكرية الأمريكية، أوضح البرديسي أنه لا توجد مؤشرات أو تصريحات رسمية تؤكد وجود أزمة معلنة بين الجانبين فالقراءة السياسية تشير إلى احتمال وجود حالة من الاستياء داخل بعض العواصم الخليجية، انطلاقا من شعورها بأن الولايات المتحدة لم تتمكن من توفير الحماية الكاملة لدول الخليج في ظل تصاعد الهجمات التي شهدتها المنطقة.

وفي تقييمه لقدرات إيران العسكرية، أكد الدكتور طارق البرديسي أن المقارنة التقليدية بين الجيشين الأمريكي والإيراني ليست دقيقة، نظراً للفارق الكبير في القدرات الجوية والتكنولوجية والاستخباراتية والعسكرية بين الطرفين وإيران لا تعتمد على نمط الحروب التقليدية، وإنما ترتكز استراتيجيتها على الحروب غير المتماثلة، من خلال استخدام الوكلاء والطائرات المسيرة والهجمات الصاروخية، وهي أدوات تمتلك فيها خبرة كبيرة، وتمثل أحد أبرز عناصر القوة لديها في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي.

وحول التهديدات الإيرانية باستهداف المنشآت النووية الإسرائيلية، قال الدكتور طارق البرديسي إن هذه التهديدات تمثل حتى الآن رسائل ردع و ضغط سیاسی أكثر منها استعداداً لتنفيذ فعلى واستهداف منشآت نووية إسرائيلية سيؤدى إلى اندلاع حرب شاملة فضلاً عن احتمالات حدوث تسربات وإشعاعات نووية قد تمتد آثارها إلى المنطقة بأكملها، كما أنه سيؤدي إلى ردود عسكرية أعنف ضد إيران والتهديدات المتبادلة بين جميع الأطراف ستظل في الأغلب، ضمن إطار الردع المتبادل دون الانتقال إلى استهداف فعلى للمنشآت النووية أو البنية التحتية الاستراتيجية لأن توسيع نطاق الحرب سيضر بجميع الأطراف دون استثناء، وهو ما يجعل الالتزام بقواعد الاشتباك الحالية الخيار الأكثر ترجيحا خلال المرحلة المقبلة.

في سياق متصل قال الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، إن التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران لا يعنى بالضرورة أن المنطقة تتجه إلى حرب شاملة في الوقت الراهن، معتبرا أن ما يجرى يأتي في إطار محاولة كل طرف إعادة صياغة شروط اتفاق التهدئة المبدئي الذي تم التوصل إليه بين الجانبين في ١٨ يونيو الماضي، وتحسين مكاسبه السياسية والاستراتيجية والمؤشرات منذ توقيع الاتفاق كانت توحى بإمكانية تعرضه لهزات، لكنه استبعد أن يقود ذلك سريعاً إلى انهيار كامل أو مواجهة عسكرية واسعة، مشيرا إلى أن الإدارة الأمريكية ترى أن الاتفاق يتضمن ثغرات لا تحقق مصالحها بالشكل الكافي، ولذلك تسعى إلى تعديل بعض بنوده و واشنطن تطرح أفكاراً تتعلق بالحصول على نصيب من تشغيل مضيق هرمز ومثل هذه الطروحات تتعارض مع قواعد القانون الدولى واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار معتبراً أن هذه المحاولات تهدف إلى تحقيق مكاسب إضافية تتجاوز ما نص عليه الاتفاق.

وأكد الدكتور أيمن الرقب أنه لا يتوقع اندلاع حرب واسعة وشاملة قبل يناير المقبل، موضحا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحتاج خلال هذه المرحلة إلى إدارة الأزمة دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونجرس في نوفمبر المقبل وأي حرب شاملة تتطلب تفويضا من الكونجرس، وهو ما يجعل ترامب حريصاً خلال الأشهر المقبلة على الإبقاء على حالة "المد والجزر" في الصراع مع تجنب اتخاذ قرارات قد تؤدى إلى توسع المواجهة قبل انتهاء الاستحقاق الانتخابي وهناك أيضا تحذيرات داخل مؤسسات الدولة الأمريكية من مخاطر الانجرار إلى حرب واسعة مع إيران، لما قد يترتب عليها من خسائر بشرية كبيرة في صفوف القوات الأمريكية فضلا عن تداعياتها على استقرار المنطقة، وهو ما يدفع الإدارة الأمريكية إلى الحفاظ على مستوى الاشتباكات الحالية دون تصعيد شامل وفي حال احتفظ الجمهوريون بأغلبيتهم ورأوا ضرورة خوض حرب واسعة، فقد يمنح الكونجرس ترامب التفويض اللازم، إلا أن الظروف الحالية لا تسمح بذلك.

وفيما يتعلق بالعلاقة بين دول الخليج والولايات المتحدة، قال الدكتور أيمن الرقب إن ما يثار بين الحين والآخر بشأن وجود أزمة بين الجانبين بسبب استهداف القواعد الأمريكية لا يستند، في تقديره، إلى معلومات دقيقة وهذه القواعد تحقق مصالح مشتركة للولايات المتحدة ولدول الخليج، كما أن دول الخليج لا ترغب في الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران ولذلك فإن الحديث عن خلافات جوهرية بسبب هذه القواعد يبدو مبالغاً فيه وبعض الدول العربية ما زالت تنفى رسميا وجود قواعد أمريكية على أراضيها، إلا أن استهداف هذه القواعد خاصة بعد الأحداث التي شهدها الأردن، يؤكد أنها أصبحت هدفا للهجمات، لكنه شدد على أن مبررات استهدافها من الجانب الإيراني لا تحظى بقبول لدى تلك الدول.

 

 

رشا حافظ

رشا حافظ

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

يببب
الموساد
نن

المزيد من سياسة

سيناريوهات عودة الإيرانيين والأمريكيين إلى مائدة المفاوضات من جديد

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد تبادل للضربات العسكرية او رسائل ردع متبادلة، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً...

بعد فوزه على خالد مشعل.. «الحية» فى مواجهة مخططات الاحتلال وتغيير قواعد اللعبة

الرقب: القائد الجديد ابن غزة.. والحركة ستقبل بهدنة مشروطة مع إسرائيل د. ماهر صافى: الهدنة في القطاع عرضة للانهيار.. وحماس...

انطلاق النسخة الثانية من معرض العلمين الدولى للطيران والفضاء

في إطار حرص القوات المسلحة على تنظيم كبرى الفعاليات والأحداث العالمية في المجالات العسكرية المختلفة على أرض مصر، أعلنت القوات...

خطة الحكومة لمواجهة تزايد استهلاك الكهرباء خلال هذه الفترة

اختبار معقد تفرضه ظروف المنطقة وارتفاع الحرارة.. عبد الغنى: لا يوجد تخفيف أحمال.. وأعمال الصيانة الدورية وراء الانقطاع فى بعض...