كواليس الحرب الفاصلة بين أمريكا وإيران.. واقع مخيف ينتظر دول المنطقة

د. طارق فهمى: الهدوء الحالى.. ليس إلا تكتيكاً عسكريا وسياسياً بامتياز اللواء سمير فرج: إيران تمتلك شبكة عنكبوتية من التحصينات يصعب على أمريكا تدميرها

إقليم على حافة الهاوية.. هكذا يرى المختصون حاضر منطقة الشرق الأوسط في ترقب وحذر شديدين مصدرهما تحركات الجيوش والأساطيل التي تتوافد إلى المنطقة تباعا، في مشهد يعيد إلى الأذهان إرهاصات حروب عالمية ظل الجميع يعاني من تبعاتها لسنوات.

وأكد المختصون أننا نعيش أجواء حرب إقليمية طاحنة، معتبرين ما يجري ليس مجرد تكهنات في غرفة الأبحاث المغلقة أو سيناريوهات درامية، بل بات واقعا مخيفا يطرق أبواب العواصم بشدة.. بعد أشهر من حرب الاستنزاف والعمليات العسكرية المعقدة.

وكشف المختصون عن كواليس وتطورات أجواء هذه الحرب.. وسيناريوهاتها الأقرب.. وأضرارها المحتملة.

من ناحيته أوضح الدكتور طارق فهمى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، خبير العلاقات الدولية بمركز دراسات الشرق الأوسط، تفسير وتفكيك لحالة الهدوء الحذر التي سبقت هذه التهديدات.. قائلا: إن الهدوء الذي شهدناه في الأشهر الماضية لم يكن هدوءا يبحث عن السلام الدائم او الاستقرار، بل كان تكتيكا عسكريا وسياسيا بامتياز يندرج تحت مفهوم استراحة المحارب، لقد سعت كل من واشنطن وطهران إلى استغلال هذا الوقت لإعادة تقييم الموقف الاستراتيجي، وحشد الموارد اللوجستية، وإعادة تموضع القوات على الأرض.. وجهود الوساطة التي قادتها أطراف إقليمية ودولية عديدة لم تنجح في حل جذور الأزمة، بل اكتفت بتأجيل الانفجار، والولايات المتحدة حاولت

استخدام هذه الفترة لتعزيز تحالفاتها في المنطقة، وتأمين قواعدها العسكرية المنتشرة في الخليج، وتحديث شبكات الدفاع الجوى والرادارات المبكرة، لتفادى أي هجوم مباغت، وفى الوقت ذاته استخدمت إيران هذا الوقت لتعزيز قدرات وكلائها في المنطقة، وتحديث منظوماتها الدفاعية، وتكديس السلاح في مستودعات محصنة، والتأكد من جاهزية منصاتها الصاروخية تحت الأرض، ونحن الآن نقترب بسرعة من نقطة اللاعودة، والسيناريوهات المتوقعة باتت تتراوح بين ضربات جراحية محدودة تستهدف بنى تحتية عسكرية ومراكز قيادة وسيطرة.. إلى مواجهة شاملة ومفتوحة قد تخرج عن السيطرة وتجر أطرافا لم تكن في الحسبان، وتتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، تدمر مقدرات شعوب المنطقة، وتدخلها في دوامة من الفوضى لا يعلم مداها إلا الله.

وأضاف الدكتور طارق فهمى أن وهم المحو الشامل.. وحقيقة القدرات العسكرية مع تصاعد نبرة التهديدات من واشنطن باللجوء إلى القوة الغاشمة.. وتوجيه ضربة غير مسبوقة قد تصل إلى حد تدمير إيران، يثير التساؤل الأهم حول مدى واقعية هذه التهديدات من الناحية العسكرية المحتة.. بعيدا عن الخطابات السياسية الموجهة للداخل الأمريكي، والتي تهدف في المقام الأول إلى حصد مكاسب انتخابية، وارضاء جماعات الضغط.

محو من الخريطة

في ذات الاطار، يرى اللواء الدكتور سمير فرج المفكر الاستراتيجي والخبير العسكري، مدير ادارة الشؤون المعنوية الأسبق، أن الحقائق العسكرية على ارض الواقع تشير إلى أن الحديث عن محو إيران من الخريطة هو ضرب من المبالغة الإعلامية والسياسية، والتي لا تسندها الحقائق العسكرية

ولا قوانين الجغرافيا المعقدة، فإيران دولة شاسعة المساحة تفوق مساحتها مساحة العديد من الدول الأوروبية مجتمعة، وتملك تضاريس جبلية وعرة للغاية، وسلاسل جبال مثل زاجروس توفر حماية طبيعية هائلة لأي منشآت يتم بناؤها في أعماقها.. وعلى مدار عقود طويلة ادركت القيادة الإيرانية تفوق سلاح الجو الأمريكي، ولذلك نجحت في بناء شبكة عنكبوتية معقدة من القواعد العسكرية ومصانع الطائرات المسيرة والمنشآت النووية الحساسة.. مثل منشأة فوردو ونطنز في أعماق الارض وتحت الجبال الشاهقة، وهي تحصينات يصعب حتى على القنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات تدميرها بالكامل.. وبضربة واحدة، مهما بلغت قوتها التدميرية.

يستطرد الدكتور سمير فرج في تحليله العسكري الدقيق موضحا أن الولايات المتحدة قادرة بلا شك بما تمتلكه من تكنولوجيا عسكرية متفوقة وقاذفات استراتيجية مثل طائرات الشبح وحاملات طائرات تجوب البحار والمحيطات على توجيه ضربات قاصمة تشل البنية التحتية العسكرية الإيرانية، وتدمر قدراتها الجوية ومنظومات الدفاع الجوي.. وربما تعيد برنامجها النووي سنوات طويلة إلى الوراء، وتستهدف شبكات الكهرباء والاتصالات لشل حركة الدولة، لكن فكرة المحو التام وإسقاط الدولة بضربة جوية هي فكرة مستحيلة عسكريا، وتتطلب تدخلا بريا واسع النطاق، ومئات الآلاف من الجنود، وهو سيناريو ترفضه القيادة العسكرية الأمريكية تماما.. بعد دروس العراق وأفغانستان القاسية، والأهم من ذلك أنه في حال حدوث هذه الضربات الجوية فإن تداعياتها على دول المنطقة ستكون كارثية بكل المقاييس، ولن تبقى إيران مكتوفة الايدى بل ستلجأ إلى تكتيكات الحرب غير المتماثلة في مياه الخليج، باستخدام الزوارق السريعة والإلغام البحرية والغواصات القزمة لضرب

القطع البحرية الأمريكية، واستهداف ناقلات النفط ستحول منطقة الخليج العربي إلى ساحة رماية مفتوحة، وستتعرض الممرات الملاحية الاستراتيجية لخطر حقيقي ومباشر يهدد التجارة العالمية، ناهيك عن موجات النزوح واحتمالات تفكك البنية الأمنية للمنطقة بأسرها، مما يفتح الباب أمام التنظيمات الإرهابية لاستغلال الفراغ الأمني والعودة إلى المشهد بقوة.

ولفت الدكتور سمير فرج إلى أن بنك الأهداف الإسرائيلي والانهيار الدبلوماسي لا يمكن الحديث معه عن تصعيد أمريكي إيراني دون وضع إسرائيل في قلب المعادلة، فالتهديدات المتبادلة تضع تل ابيب كهدف أول لأي رد فعل إيراني غاضب، وهو ما يطرح تساؤلات حادة حول طبيعة هذا الرد واثره على الدول العربية المجاورة.

استراتيجية حرب الوكلاء

الدكتور محمد مجاهد الزيات المستشار الأكاديمي بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، يحلل هذا السيناريو المعقد.. مؤكدا أنه إذا تعرضت إيران لضربة عسكرية أمريكية قوية أو إسرائيلية مباشرة، فإن العقيدة العسكرية الإيرانية الثابتة تعتمد على مبدأ الرد غير المتماثل، وتوظيف استراتيجية حرب الوكلاء، إضافة إلى الاعتماد الكثيف على ترسانتها الصاروخية الباليستية وتكنولوجيا الطائرات المسيرة الانتحارية، وإيران تمتلك القدرة الفعلية على توجيه ضربات صاروخية مكثفة ومتزامنة نحو الداخل الاسرائيلي، لاستهداف القواعد العسكرية الجوية ومراكز القيادة والسيطرة ومحطات الطاقة والموانئ،

وربما البنية التحتية المدنية في محاولة لاحداث أكبر قدر ممكن من الخسائر المادية والنفسية، وقد راينا في تجارب سابقة كيف اثبتت بعض الصوارخ الإيرانية قدرتها على الوصول إلى أهدافها، وتجاوز المنظومات الدفاعية المتقدمة مثل القبة الحديدية ومقلاع داوود عند اطلاقها بأعداد كبيرة في تكتيك يسمى الإغراق الصاروخى الذي يستنزف الصوارخ الاعتراضية، ويسمح لبعض المقذوفات بالمرور وضرب أهدافها بدقة.

ضغوط داخلية هائلة

تحدث السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أمين عام اتحاد المستثمرين العرب، عن المشهد الدبلوماسي المأزوم موضحا أن قنوات الاتصال الخلفية التي عملت لسنوات على منع الانفجار قد استنفدت طاقتها تماما، والمفاوضات اصطدمت بحائط صلب من المطالب المتبادلة والخطوط الحمراء التي لا يقبل أي طرف التنازل عنها، واشنطن تواجه ضغوطا داخلية هائلة من الكونجرس واللوبيات الداعمة لإسرائيل لاتخاذ موقف حازم ورادع، خاصة في ظل التجاذبات السياسية وحملات الانتخابات التي تجعل من ابداء أي مرونة سياسية بمثابة انتحار سياسي للإدارة الأمريكية.. والتي لا ترغب في الظهور بمظهر الضعيف أمام خصومها، وفي الجهة المقابلة ترى طهران أن أي تراجع أو رضوخ للتهديدات سيفسر على أنه علامة ضعف كبرى، وسيؤدى إلى مزيد من الاستهداف لنظامها ومصالحها الاستراتيجية، ومحاولة لفرض املاءات غربية تمس سيادتها الوطنية، وهذا الانسداد الدبلوماسي الكامل

يجعل من سيناريو الخطأ في الحسابات هو الخطر الداهم.

ولفت السفير جمال بيومى إلى أن التدخلات الدولية وكابوس أسواق الطاقة جعلت الشرق الأوسط لم يعد ملعبا حصريا للولايات المتحدة كما كان في العقود الماضية، فالنظام العالمي يشهد تحولات عميقة نحو التعددية القطبية، مما يعني أن أي صراع بهذا الحجم لن يمر دون أن يترك بصماته على سياسات ومواقف القوى الكبرى الأخرى التي تمتلك مصالح استراتيجية ضخمة في المنطقة.

عالم شديد التعقيد

يرى اللواء نصر سالم رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق، أستاذ العلوم الاستراتيجية بالأكاديمية العسكرية يشرح أبعاد التدخل الدولي، مؤكدا أن التصعيد العسكري لن يبقى ابدا محصورا بين الأطراف المباشرة، فنحن نعيش في عالم شديد التعقيد ومتشابك المصالح ودول كبرى مثل روسيا والصين تتابع المشهد الراهن عن كثب وبقلق بالغ، ولن تسمح بسهولة بانهيار حليف استراتيجي مهم مثل إيران، والذي يمثل في عقيدتهم العسكرية والسياسية شوكة قوية في خاصرة النفوذ الأمريكي وعائقا كبيرا أمام الهيمنة الغربية المطلقة على مقدرات الشرق الأوسط، ومصادر طاقته، ولا نتوقع تدخلا عسكريا مباشرا بجيوش روسية أو صينية تقاتل إلى جانب إيران في خنادق القتال، فهذا ليس من أدبيات سياستهم الحالية التي تفضل تجنب الصدام العسكري المباشر مع واشنطن، ولكن روسيا قد تقدم دعما استخباراتيا واسعا وتزود طهران بتقنيات عسكرية متقدمة وأنظمة تشويش الكتروني قادرة على اعماء الرادارات وتوفر صور أقمار صناعية دقيقة لحركة القوات الأمريكية في المنطقة، وربما تسرع من تسليم منظومات دفاع جوى متطورة وطائرات مقاتلة حديثة لتعزيز قدرات الصمود الإيرانية، أما الصين فستلعب دورا حيويا في توفير شريان حياة اقتصادي يخفف من وطأة الخنق الأمريكي المتوقع من خلال استمرار شراء النفط الإيراني وتوفير الغطاء الدبلوماسي في مجلس الأمن الدولي، واستخدام حق النقض الفيتو لمنع استصدار أي قرارات دولية تشرعن العمل العسكري ضد طهران، وهذه التدخلات غير المباشرة ستعقد المهمة الأمريكية بشكل كبير، وتطيل أمد الصراع وتجعله أكثر كلفة من الناحية المادية والبشرية، وتفتح الباب أمام حرب باردة جديدة تتخذ من الشرق الأوسط مسرحا لعملياتها.

ويضيف اللواء نصر سالم أن إغلاق مضيق هرمز سيؤدى إلى أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة، وسيرفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية تضاعف تكاليف التأمين البحري والشحن، وسيؤدى إلى موجة تضخم عالمية تضرب اقتصادات الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، وحلف الناتو لن يتدخل ككيان هجومي موحد، ولكن سيقدم دعما استخباراتيا ولوجستيا للقوات الأمريكية في المنطقة، وستتعرض القواعد الأمريكية في المنطقة للخطر قد يجر دولا أوروبية بشكل فردي لحماية قواتها ومصالحها الاستراتيجية، وتدمير البنية التحتية الايرانية سيخلق فراغا أمنيا يؤدى إلى تنامي نشاط الجماعات المسلحة وعصابات التهريب في المنطقة، فضلا عن موجات النزوح الجماعي ستشكل ضغطا هائلا على دول الجوار وتخلق أزمات إنسانية واقتصادية يصعب التعامل معها.

 

 	صفاء الخميسي

صفاء الخميسي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سيناريوهات عودة الإيرانيين والأمريكيين إلى مائدة المفاوضات من جديد
نن

المزيد من سياسة

كواليس الحرب الفاصلة بين أمريكا وإيران.. واقع مخيف ينتظر دول المنطقة

د. طارق فهمى: الهدوء الحالى.. ليس إلا تكتيكاً عسكريا وسياسياً بامتياز اللواء سمير فرج: إيران تمتلك شبكة عنكبوتية من التحصينات...

إسرائيل وتركيا.. صراع على النفوذ وسيناريوهات المواجهة المنتظرة

في الوقت الذي يقترب فيه الكيان الإسرائيلي من التوصل إلى اتفاق وتهدئة مع سوريا نجده يقصف مطار أبو الظهور العسكري...

أبعاد الحملة المسعورة على مشروع الضبعة النووى فى هذا التوقيت

كانت مجلة بوليتيكو قد نشرت تقريرا تحدثت فيه عن وجود أخطاء فنية داخل إنشاءات مفاعل الضبعة النووي، وذكرت الصحفية ان...

10 حقائق موثّقة تكشف مخطط التآمر على مشروعنا النووى السلمى

تقرير «بولوتيكو» المشبوه ليس الأول ولن يكون الأخير.. أهداف سياسية خبيثة وراء التشويه الممنهج لمحطة «الضبعة» فى هذا التوقيت قلب...