مع بداية يناير 2025، دخل العالم العربي عاما جديدا محملاً بتراكمات أزمات لم تحل، وصراعات لم تحسم.
وتحديات إقليمية ودولية زادت من هشاشة الإقليم وتعقيد مشهده السياسي والأمني. ولم يكن عاما عابرا في مسار الأزمات العربية، بل شكل محطة كاشفة لعمق الخلل البنيوي في النظام العربي، ولعجز العمل العربي المشترك عن التحول من إدارة الأزمات إلى معالجتها جذريا، في وقت تتصاعد فيه أطماع القوى المختلفة. وتتزايد محاولات تفكيك الدول الوطنية، وإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة.
مشهد مأزوم
أثبتت تطورات عام ۲۰۲٥ أن ما يعيشه العالم العربي لا يمكن اختزاله في أزمات قطرية منفصلة، بل هو أزمة منظومة إقليمية كاملة تعانى من غياب الرؤية الموحدة، وتأكل مفهوم الأمن القومي العربي، وضعف آليات التنسيق الجماعي تحولت الخلافات الداخلية في عدد من الدول إلى صراعات مفتوحة، غذتها التدخلات الخارجية، واستفادت منها قوى إقليمية تسعى لإعادة تشكيل موازين القوى على حساب استقرار الدول العربية ووحدة أراضيها.
حرب أهلية
على سبيل المثال دخل السودان العام وهو غارق في حرب أهلية طاحنة بين الجيش وقوات الدعم السريع وخرج منه أكثر إنهاكا وتفككا. لم تعد الأزمة مجرد صراع على السلطة أو خلاف بين أطراف عسكرية، بل تحولت إلى أزمة بنيوية عميقة تهدد فكرة الدولة نفسها. تفككت مؤسسات الحكم، وتأكلت القدرة الإدارية، وانهارت قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والخدمات الأساسية فيما اتسعت رقعة العنف لتشمل أقاليم جديدة.
إنسانيا، شهد السودان واحدة من أكبر موجات النزوحفي تاريخه الحديث مع ملايين المشردين داخل البلاد وخارجها، وسط نقص حاد في الغذاء والدواء، وتراجع خطير في حجم المساعدات الدولية، وسياسيا، غاب المسار التفاوضى الجاد ، وحول الأزمة إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي ودولي.
وتمثل الأزمة السودانية النسبة لمصر، تحديا مباشرًا للأمن القومي، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي والحدود الطويلة، ولكن أيضا لتشابك الملفات المرتبطة بمياه النيل، وحركة اللاجئين واحتمالات تسلل الفوضى وعدم الاستقرار إلى الإقليم بأكمله، ما يجعل استقرار السودان مسألة استراتيجية لا تحتمل التأجيل.
خطر التقسيم
وشهد اليمن خلال ۲۰۲۵ حالة من التهدئة النسبية، لكنها لم ترق إلى سلام شامل أو تسوية سياسية مستدامة. فالحرب أعادت إنتاج نفسها في صورة انقسام دائم وسلطات متوازية واقتصاد منهار ومجتمع مثقل بأحد أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وبات واضحًا أن خطر التقسيم لم يعد مجرد سيناريو نظري، بل احتمالا واقعيا تفرضه الوقائع الميدانية وتعدد مراكز النفوذ.
كما تراجعت فكرة الدولة الجامعة، وبرزت سلطات أمر واقع تسيطر على مناطق جغرافية متباينة، لكل منها أدواتها وتحالفاتها، ما يهدد وحدة اليمن على المدى الطويل، وفي ظل هذا المشهد، بقى ملايين اليمنيين أسرى أوضاع معيشية قاسية، مع انهيار الخدمات الأساسية، وتدهور العملة، واعتماد واسع على المساعدات الإنسانية.
إقليميا، تكتسب الأزمة اليمنية أهمية مضاعفة بسبب موقع البلاد الاستراتيجي المشرف على باب المندب والبحر الأحمر، ما يجعل استمرار عدم الاستقرار مصدر قلق إقليمي ودولي، ويمس بشكل مباشر أمن الملاحة والتجارة العالمية.
استقرار هش
أما في ليبيا، ساد ما يمكن وصفه بـ (الاستقرار الهش )، حيث غابت الحرب الشاملة، لكن السلام الحقيقي ظل بعيد المنال، فتعثرت العملية السياسية، وتأجلت
الانتخابات مرة أخرى، وبقيت الميليشيات لاعبا رئيسيا في المشهد، بينما تحولت الثروة النفطية من عنصر إنقاذ محتمل إلى محور صراع جديد وبدت في نهاية العام دولة معلقة، لا منهارة بالكامل ولا قادرة على استعادة سيادتها الكاملة، وهو وضع ينعكس مباشرة على أمن المتوسط، والحدود الغربية لمصر.
تشابك إقليمي
وبالنسبة للبنان فقد واصل مسار الانهيار الاقتصادي والسياسي، مع استنزاف ما تبقى من الطبقة الوسطى وتأكل الثقة في النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية. ولم تعد الأزمة محصورة في الجانب المالي، بل امتدت إلى أزمة سيادة وقرار، في ظل عجز مزمن عن تشكيل سلطة قادرة على الإصلاح.
في هذا السياق، تزايد تأثير العوامل الإقليمية في المشهد اللبناني، وبرزت المخاوف من تداعيات التوتر المستمر مع إسرائيل، خاصة في الجنوب، وما يحمله من احتمالات التصعيد وعدم الاستقرار. ومع استمرار الفراغات السياسية وتراجع الدعم الخارجي، بدا لبنان دولة تدير أزمتها بدلا من معالجتها، فيما يتحمل المواطن العبء الأكبر من معيشته وأمنه ومستقبله.
تصفية القضية
ظل الملف الفلسطيني كالعادة الأكثر اشتعالا وخطورة في ظل عدوان إسرائيلي متواصل، لم يقتصر على العمليات العسكرية وتدمير البنية التحتية وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، بل امتد إلى سياسات ممنهجة تستهدف تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي على الأرض.
وشهد العام تصعيدا ملحوظا فى مشاريع الاستيطان خاصة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، مع توسيع المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وتشديد القيود على الفلسطينيين، في محاولة لفرض وقائع جديدة تقوض أي فرص مستقبلية للتسوية السياسية، وفي موازاة ذلك عادت إلى الواجهة محاولات إسرائيلية خبيئة لإحياء مشروع التهجير القسرى للفلسطينيين عبر تصريحات وأفكار ظرحت على لسان مسؤولين إسرائيليين، في تکرار لسيناريوهات تاريخية طالما سعت إسرائيل الفرضها بالقوة.
إلا أن هذه الطروحات قوبلت برفض واسع، لم يقتصر على مصر والدول العربية التي تمسكت بموقف ثابت و حاسم، بل شمل أطرافا دولية عدة، ما منح الموقف الرافض قوة سياسية وأخلاقية، وأكد أن تصفية القضية الفلسطينية بالقوة لم تعد مقبولة دوليا، رغم إصرار إسرائيل على المضى في سياساتها العدوانية
ساحة مفتوحة
مثلت سوريا نموذجا معقدا الأزمة لم تغلق فصولها بعد.
فعلى الرغم من تراجع حدة العمليات العسكرية الواسعة. فإن البلاد ظلت ساحة مفتوحة لتداخل المصالحوالتدخلات الدولية والإقليمية، مع تعدد مناطق النفوذ وغياب حل سیاسی شامل
وتزامن ذلك مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي الأراض سورية، وتصاعد الاعتداءات والقارات داخل العمق السوري، في ظل صمت دولى نسبي، ما فاقم معاناة الدولة السورية وأضعف فرص الاستقرار وبينما يدفع الشعب السوري ثمنا باهظا من أمنه واقتصاده، بقيت الأزمة مرشحة لمزيد من التعقيد في غياب توافق دولي
حقيقي على إنهائها.
الضغوط اقتصادية
وعلى المستوى الإقتصادي فقد تأثر العالم العربي بتداعيات التضخم العالمي، وارتفاع أسعار الطاقة. و اضطراب سلاسل الإمداد ورغم ذلك، نجحت بعض الدول، وعلى رأسها مصر ودول الخليج، في تحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي النسبي، عبر برامج إصلاحوتنويع مصادر الدخل، والاستثمار في البنية التحتية والطاقة إلا أن هذه الإنجازات ظلت محدودة الأثر إقليميا، في ظل استمرار بؤر الصراع التي تستنزف الموارد وتعرقل التنمية الشاملة
الجامعة العربية
كشف عام ٢٠٢٥ مرة أخرى محدودية دور جامعة الدول العربية في التعامل مع الأزمات الكبرى كثرت الاجتماعات والبيانات، وندر التأثير الحقيقي على مسارات الصراع غابت المبادرات الفاعلة، واتسعت الفجوة بين المؤسسة والشعوب العربية، ما أعاد طرحأسئلة جوهرية حول مستقبل الجامعة، وضرورة إعادة هيكلتها لتكون أداة فاعلة، لا مجرد إطار بروتوكولي رغم أن الظروف العالمية وتشابكاتها تؤكد على أن الموضوع أصبح أكثر صعوبة.
ركيزة الاستقرار
وسط هذا المشهد المضطرب، برز الدور المصري كعامل توازن اساسي في الإقليم فمصر تجد نفسها محاطة بحزام من الأزمات المشتعلة السودان جنوبا، ليبيا غرباء فلسطين شركا، إلى جانب التوترات في البحر الأحمر، واليمن والصومال مؤخرا بعد اعتراف اسرائیل يصومالي لاند المنفصلة و هذا الواقع يفسر حجم التحديات التي تواجه الأمن القومي المصري، ويبرز في الوقت ذاته أهمية الدور الذي تلعبه القاهرة في منع الزلاق الإقليم إلى فوضى شاملة، عبر تحركات سياسية ودبلوماسية متوازنة، ودعم استقرار الدولة الوطنية ورفض مخططات التفكيك والتهجير
استقرار نسبي
العراق خلال ٢٠٢٥ استمر في مواجهة تحديات معقدة. على الرغم من استقراره النسبي مقارنة بالسنوات السابقة. فتداعيات الصراعات السابقة والتوترات السياسية الداخلية لا تزال قائمة مع وجود قوى محلية وإقليمية تسعى للتأثير على القرار الوطني، ومع ذلك. نجحت الدولة في المحافظة على مؤسساتها الأساسية وتقديم بعض الخدمات للمواطنين، رغم الأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية.
أما المغرب والجزائر، فقد حافظنا على قدر من الاستقرار الداخلي، وأسهمتا في دعم الأمن الإقليمي من خلال ضبط الحدود وحفظ توازن القوى في شمال أفريقيا المغرب على وجه الخصوص، حقق استحقاقا سياسيا مهما خلال عام ٢٠٢٥، ما عزز من موقعه الإقليمي ودوره في إدارة التحديات الإقليمية، بينما واصلت الجزائر دورها الدبلوماسي والسياسي في دعم الأمن الجماعي ومساندة الجوار العربي في مواجهة أي تهديدات خارجية
ومن هذا المنطلق فإن الحفاظ على الدول المستقله مثل هؤلاء الدول والدول العربية الأخرى مثل الاردن وعمان ودول الخليج العربي يمثل أمن قومي عربي ملححيث إنهم يشكلون عوامل استقرار إضافية تساند جهود الدول العربية الفاعلة مثل مصر والسعودية والإمارات في حماية الأمن القومي العربي، ومنع الصاعد الأزمات في المنطقة.
مع نهاية ٢٠٢٥، نتجه الأنظار إلى عام ٢٠٢٦ محفلة بأمال حذرة الفرصة ما زالت قائمة لإعادة ترتيب الأولويات العربية، ووقف مسارات التفكك، وبناء حد أدنى من التنسيق الإقليمي الحقيقي لكن استمرار النهج الحالي. القائم على إدارة الأزمات لا حلها، قد يجعل العام الجديد امتدادا لسجل طويل من الإخفاقات وبين هذا وذاك يبقى الرهان الحقيقي على الدول القادرة على حفظ تماسكها، وفي مقدمتها مصر التي تظل رغم كل التحديات، ركيزة الأمن الإقليمي وصمام الأمان في محيط عربي شديد الاضطراب وتسعى دائما إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة بل في العالم نظرا لوضعها ومركزها ومكانتها العربية والإقليمية والدولية رغم حدودها الملتهبة والمحاولات المستمرة لهز أمنها واستقرارها. وذلك بفضل قيادتها الحكيمة الرئيس عبد الفتاح السيسي صاحب المبادرات الفاعلة والحكيمة على كل المستويات.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
الدكتور محمد شاكر: الحرب لها عواقب وخيمة تمس الملاحة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية السفير معتز أحمدين: تل أبيب تعتقد أن...
كشف الخبراء كواليس الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وأهدافها، موضحين أن التطورات المتسارعة لهذه الحرب تنذر بعواقب كارثية.. لا يتوقف...
مقرَّب من المرشد الإيرانى فتح الطريق أمام إلقاء 30 قنبلة على اجتماع موسَّع برئاسة خامنئي تل أبيب قادت واشنطن فى...
نظام المزايدة الإلكترونية يكسر حلقات الاحتكار ويوفر أسعارًا عادلة لجميع السلع