كلما سمعت "وطفة" بوصول فوج جديد من أراضى الله المقدسة، خرجت من البيت مهرولة إلى الميناء، تفتش عن زوجها فى وجوه القادمين، فلا تجده، تسأل: "الحاج إبراهيم؟"
كثرت الإجابات، هناك من قال إنه طاف الحرم بجواره، وهناك من قال إنه بات معه على جبل عرفه، ومن قال إنه كان معه فى الروضة الشريفة بالمدينة، وفى كل الأقاويل، كان الحاج إبراهيم بخير.
قال إنه سيغيب شهرين ثلاثة بالكثير، لم يقل إن الغياب سيزيد عن سنة.
والغياب تزامن مع انقطاع موؤن "ضرار"، لم تأت هذا الحول كما اعتادت، لا حس ولا خبر عن "سلامه"، مع أن الحاج قد أكد عليه العودة بعد 3 شهور، لم يعد فى الموعد المحدد أو موعد الحول، وها هو الدقيق ينفد من البيت، انتهى البلح، لا يوجد سمن من مدة، ولولا ملاحظة فاطمة بنت الشيخ صالح للأمر أثناء زيارتها، لولا ما ترسله من دعم، لباتت "وطفة" وأولادها جوعى.
أين أنت يا حاج إبراهيم؟ متى ستعود؟ وكيف يستمر هذا الأمر حتى تعود؟ وكان السؤال الصعب الذى طرأ على عقل "وطفة": ماذا لو لم يعد؟
حملت السؤال إلى بيت الشيخ "صالح"، وكان فى وعكة صحية تمنعه من الخروج، دخلت غرفته برفقة فاطمة، اطمأنت عن الصحة ثم سألته:"ماذا لو لم يعد الحاج إبراهيم يا شيخ؟".
حدثها الشيخ عن الصبر، عن أن الغائب عذره معه، وقال لها إن ما سيحتاجه بيتها وأولادها فهو متكفل به لحين عودة زوجها.
فاجأته:"بدى أروح ضرار، وبدى تكون معى".
يعرف الشيخ صالح أن الذهاب لـ "ضرار"، دون الحاج إبراهيم، ليس بالأمر سهل، فقد سمع منه عن أولاد أخيه، عن عصبية "خطار" وطمع "محروسة" فى أرضه، عن انتهازية العمدة "مالك"، كما أن أخبار "ضرار" نفسها منقطعة من مدة، ولا يعرف أحد ما الذى يجرى هناك؟، زيارة ضرار لا يمكن أن تكون آمنه دون وجود الحاج إبراهيم، فللنتظر.
اتفق الشيخ صالح مع "وطفة" على الانتظار، لحين عودة الحاج إبراهيم، أو اكتمال وفاء النذر، نذر "مكة" لقضاء 10 سنوات فى خدمة الساحة، والذى لم يتبق فيه سوى 10 شهور، وقتها يمكن، وإن كان فى العمر بقية، سيصحبها إلى "ضرار".
******
فـــى ســاحــة سيـدى الجيـلانى، تعلـم الشيـخ الملثــم "عبد الوهاب/ مكة" لعبة التحطيب.
كان يتقنها درويش من الزائرين، تابعه "عبد الوهاب" فى وسط الحضرة يلعب بالعصا، بدت العصا كما لو كانت جزءا من جسده، وقدمه، حين انتهت الحضرة، سأله وهو يعطيه الكوز ليشرب: "هو ينفع الرقص واللعب بالعصا فى الذكر؟"، هز الدرويش رأسه مبتسمًا، رفع الماء يشرب وحين انتهى، قال: ربنا بيقول "يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون"، وأنا لسانى ويدى ورجلى هايشهدوا على أنى بحب الله وبحب رسوله، عليه الصلاة والسلام، وهتشهد معاهم العصاية دى".
عرف عبد الوهاب أن الدرويش صعيدى الأصل، كان لديه أطيان وخيل وأهل، ثم ترك كل شيء من أجل الطريق، وتحول إلى جائل يزور الأولياء من مكان إلى مكان، يصاحب المداحين ويذكر الله، لم يأخذ شيئا معه من حياته الأولى سوى تلك العصا.
وعرف الدرويش أن "عبد الوهاب"، فتاة مخبأة فى ملابس شاب، أثارت دهشته وإعجابه، استجدعها، فوافق على تعليمها العصا.
كان الصبح، وكانت "وطفة" جالسة على الأرض تلف الرحاية، وبجوارها صحن قمح، وفى صدرها ضيق من الحال، جعل أنفاسها مضطربة، وقتها دخل عليها "عبد الغفار"، لمحته فتوقفت عن الطحن، وقبل أن يصل إليها وقفت تسأله بغضب: "وين كنت طول الليل؟، كيف تسيبنى أنا وأختك نبات وحدنا؟، أكم مرة أقولك ما تبات بره".
علا صوتها، فاقترب عبد الغفار أكثر، وأخرج من جيب جلبابه نقودا، كثير من النقود، وألقاها تحت قدميها.
- إيش هادول؟
- سبب غيابى طول الليل؟
- ومنين جيبتهم؟
- من عملى وعرقى مع بدو الصحرا، بنرعى الغنم فى النهار، وفى الليل نصيد الغزلان، الحين بقى للدار راجل يصرف عليه، لحين نشوف قصة الحاج إبراهيم.
كان "عبد الغفار" يكذب، فلا الراعى يكسب تلك الأموال ولا الصياد، لقد كسبها من الإغارة على قوافل التجارة، بعد أن صادق فرعا من قبائل الرشايدة، يعيش على السطو والسرقة.
فى "ضرار"، حرر "خطَار" بتحريض من "محروسة" وبمساعدة العمدة "مالك"، وصية جاء فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، لأنها الدنيا دار ممر ودار فناء، وأن كل منا ستدركه المنية وإن طالت أمنيته، فإننى أنا الموصى العبد الفقير لله: إبراهيم بن عبد الله بن حسن الديابى" أوصى وأنا فى حالة معتبرة شرعاً بما يلي: أولا: أوصيت بأنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن الموت حق وأن الساعة لا ريب فيها، وأوصيت ورثتى بأن يقوموا بالرجوع إلى الله تعالى وأن يطيعوا الله ورسوله، صل الله عليه وسلم.
ثانيا: أوصيت بأن يفرز من كافة تركتى ما يلي: صدقة جارية مقدارها ربع فدان فى الأرض القبلية لبناء مسجد لله. ثالثا: توزع باقى أرضى وبيتى على أبناء أخى عيسى، "البس والقط ومحروسة وخطار"، بالتساوى والتراضى فيما بينهم.
وقد أقمت وصيا على تنفيذ وصيتى هذه السيد الفاضل/ مالك بن غنم، عمدة "ضرار".
أمهروها بختم الحاج إبراهيم القديم، ووضعوا عليها تاريخ 1301 هجرية، 1884 ميلادية.
*******
كانت "وطفة" تشعر أن مال ابنها لا يمكن أن يكون حلالا، لكنها مضطرة على الأخذ منه لستر بيتها، فقد مات الشيخ صالح، وضاق على بيته الحال فقلت المساعدة، مرت سنة أخرى على غياب الحاج إبراهيم، لم يظهر "سلامه"، وها قد اكتملت مدة نذر "مكة"، لا يمكن للحياة أن تستمر فى "القصير" لأكثر من ذلك، لا مفر من الذهاب إلى "ضرار"، ففيها أرض زوجها وبيته وورث أولادها.
قرب الفجر، عاد "عبد الغفار" مرتعشاً، فى الصباح رأت أمه على جلبابه بقعة دم، فسألته عن مصدرها، قال: دى وأنا باطارد فى غزال"، لا حظت "وطفة" ارتباكه، فردت مغلوبة على أمرها: "أنت تكذب على، ولما يرجع أبوك هاخبره بكل شى".
لم يطلب هذه المرة أن لا تخبر الحاج إبراهيم سيئاته، تركها ومضى، وهو يهمس لنفسه: "لن يعود".
ليلة الأمس، أثناء إغارته على قافلة من القوافل، وسرقته لمتاع أحد المسافرين، قاومه رجل عجوز، فأمسك بلثامه، حتى انكشف وجهه، قال له العجوز: "أنا أعرفك أنت ابن الحاج إبراهيم"، أصاب التوتر "عبد الغفار"، فاخرج سكينا، ووضعه فى الصدر المنهك، قال العجوز وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: "أهادا جزاء من غسل بوك ودفنه؟".
*****
كلما ضاقت عليها الدنيا، جلست "وطفة" على الميناء تتأمل البحر، الذى قذف بها إلى هذا المكان منذ 10 سنوات، تساءلت ماذا تفعل؟، بينما يغنى الصيادون: "أنا أحسب أن الغياب يومين/ أتارى الغياب شهور وسنين".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...
ما يقدمه فريق الزمالك من مستوى فنى متميز خلال الفترة الأخيرة يدعو للتوقف والتأمل، فقد فشل الأبيض مع عدد كبير...
في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...
عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،