كأنه لم يرد أن يأت إلى الدنيا، كان ميلاده عسرا، كاد أن يختنق، وحين نزل، ولد ضعيفا وهشا، اعتقدت أمه أنه سيموت،
لم يمت، لكنها اكتشفت بعد أشهر قليلة أنه لا يسمع، وبالتالى لم يتعلم النطق كباقى أقرانه، كثر إصابته بالمرض، قالت أمه إن مات فهو لله، وإن عاش فهو لله.
عاش "سلامه"، كان الولد الوحيد لـ "عياش" الحداد، والأول لـ "حليمة" بنت النور. مات أبوه عياش شابا، وتزوجت حليمة أمه من ابن عمتها وأنجبت منه، فقضى "سلامة" طفولته المبكرة حائرا ما بين بيت جدته وبيت أمه، ثم اعتاد أن تمضى معظم أوقاته فى المنتصف، فى الدرب الذى يفصل بين البيتين، ثم أصبح متجولا فى القرية، تستهويه الطريقة الصعيدية، أعلامها الخضراء، وحركات ايد أصحابها وهم يقرعون الدفوف، صحيح أنه لا يسمع، لكنه يمشى بجانبهم و يحاول تقليدهم فى الحضرات، وكأنه واحد منهم.
اعتادت أمه وجدته على غياب "سلامه" طوال اليوم، وعلى عودته قرب المغرب، يعود وفى يده خير، قد يكون الخير: جلباب، فايش، بطة، فاكهة، أو حتى حزمة جرجير، فقد أحبته الناس وتفاءلت به النساء، واعتاد الجميع أن يعطيه مما أعطاهم الله.
فى فترة ما، غاب "سلامه" أكثر من اللازم، اعتقدت جدته أنه عند أمه، واعتقدت أمه أنه عند جدته، وحين اكتشفا الأمر بعد أسبوع، وبدءا رحلة البحث عنه، وجداه فى ساحة الحاج إبراهيم.
دخل الساحة مع الدراويش، ووجد فيها الأكل والمنام، ورفق المعاملة، وراحة الروح من صاحب الساحة.
طلب الحاج إبراهيم من أمه وجدته أن يتركاه، سألوه: "تروح معانا ولا تقعد مع الحاج إبراهيم يا سلامه"، فاختار البقاء مع الحاج إبراهيم.
عشرون عاما مرت على هذا الاختيار، ومن وقتها و"سلامة" قريب من قلب الحاج إبراهيم، ورفيق معظم رحلاته.
كان الشاهد الثانى على زواجه من وطفة، أما الشاهد الأول فكان صياد.
******
رتب الحاج إبراهيم مع الشيخ صالح كل شىء، سيتزوج من وطفة فى "القصير"، ولن يعود بها إلى "ضرار" فى الفترة الحالية، فالأجواء ليست مناسبة بعد، ساعد الشيخ صالح صديقه فى الحصول على بيت بالإيجار، بيت جديد كان قد بناه صياد حجازى من حجر البحر، ليسكن فيه هو وزجه وأولاده، تغيرت ظروفه، فقرر تأجيره حتى يحسم أمره.
أعطى الحاج إبراهيم لوطفة، هدايا العرس،: عقد من الذهب، وخلخال من الفضة، خمارًا، ودرعًا، وإزارًا، وملحفة، وعباءةً، و3 أثواب، وخمس وسادات حشوها من الليف.
وفى ساحة سيدى الجيلاني، عقد القرآن، اتخذت وطفة الشيخ صالح وكيلا لها، وكان سلامه وراتب الصياد شهود.
كانت ليلة لله، ذبح فيه عجل، وُزع ما وُزع منه، والباقى طُبخ فى الساحة، خرجت الصوانى الشوارع، ذهبت إلى الميناء، وصلت الصيادون، فأكلوا وغنوا.
يا حلو ياللى جرحنى طيفك/ صدق وآمن ما أحب غيرك.
واللى بحبه طلع الجزيرة/ عاشق ومغرم ما بيده حيلة.
*******
وقفت أمامه، بلا خمار على الوجه، يراها لأول مرة بلا عباءة، فقط الخفيف من الملابس، نظر إلى وجهها المكشوف، الآن يكتمل لديه الوصف،: العينان واسعتان، الرموش كثيفة، الشعر داكن طويل، البشرة حنطية، لا بيضاء ولا داكنة، الأنف مرسوم، والشفاه ممتلئة.
"خذ حقك يا حاج"، قالت.
ابتسم الحاج إبراهيم، هز رأسه قليلا: أنتى جميلة يا وطفة، سبحان الخالق الوهاب.
لكننى يا ابنتى ما تزوجتك لشهوة، (يمسك لحيته البيضاء) وكيف ما أنتى شايفه، سافر الصبا عنى وما عدت أراه.
يا بنيتي، ربنا ساقك وساق ابنك لي، وساقنى ليكم، ما حدا منا خطط لشي، كل واحد منا كان فايت فى طريق قدره، الأمر كله لله، والحمد لله، أنا راضى ومبسوط.
خدى راحتك يا بنيتي، لكى الحماية منى ما حييت ولابنك اسمي، وإن عُزتى شى هتلاقينى نايم على الكنبة اللى بره، هنا جنبك.
تقدم الحاج إبراهيم للخروج، فوقفت "وطفه" أمامه، نظرت فى وجهه، قبل أن تعيد عينيها خجلا إلى الأرض: أنا ما وافقت عليك لاجل اسم ولدى بس، إيش تكون الجنة غير الأمان والسكن والرحمة والمحبة والروح اللى تحس بيك من غير ما تقول شيء، وكل ده عندك يا حاج.
فى تلك الليلة، نزل السيل فى "ضرار"، ولم يترك بيتا أو غيطا دون أن يصيبه.. كان "سلامه" مذهولا مما رآه وقت عودته.
اختار الحاج إبراهيم للصغير اسم "عبد الغفار"، فالله خلقنا عبيدا خطائين، وجعل لنفسه المغفرة.. فى الأيام الأولى من زواجه بوطفة، كان يحرص على الاستيقاظ مبكرا، ويجلس على حافة فرشة "عبد الغفار"، ليتابع لحظة إيفاقته من النوم وكأنها شروق الشمس، وكان إذا خرج اشترى له التمر والحلوى.
أما وطفة، فقد وجدت من الحاج إبراهيم، ما لم تجده من قبل، ولم تتخيل أن يكون موجودا.
فالحاج، يساعدها فى الطبخ، فى فرش الأرض، وغسل المواعين، يدخل إلى نفسها البهجة إذا مزح، والطمأنينة إذا احتضنها، وإذا حان موعد للصلاة، أمها.
يقدم اللقمة إلـــى فــم الـصغيــر، فمــا أن يفتح "عبد الغفار" فمه، يبعدها الحاج إبراهيم ويظل يلعب معه، يضحك الصغير وتضحك "وطفة" حتى يأتى الدور عليها فى اللعبة.
أحبها الحاج إبراهيم، حتى أنه كان يشرب من موضع شربها، ويأكل من موضع أكلها، ولم يخجل من إظهار الحب والمودة لها إذا صحبها إلى الخارج.
احتفالا بيوم المولد النبوى، رتب الشيخ صالح، رحلة خروج التوب فى شوارع "القصير"، تتقدم المسيرة الطريقة القادرية الجيلانية، ترفع الأعلام والشارات الخضراء، يرقص الخيل، ويقيم الباعة عند الساحة، بعد أن يغير الثوب، وتتم ختمة القرآن، والأوراد، وأكل الفقراء، سيكون الليل للمديح.
كانت ليلة خاصة شارك فيها الصيادون مع المُداح من أهل الطريقة، امتلأت الساحة بالناس، تركهم الحاج إبراهيم، وعاد إلى البيت، "يا وطفة، تعالى معى علشان تشوفى".
أخذها هى و"عبد الغفار" إلى الساحة، فرش عباءته وأجلسهما بجواره، كانت سعيدة ومبتهجة، وازداد تعلق قلبها بالحاج إبراهيم.
*****
يوما ما، لاحظ الحاج إبراهيم حالة الإعياء التى عليها "وطفة"، لم يستكن لتفسيرها بأن الأمر بسيط وسيمضى بالمشروبات الساخنة، استعان بزوجة الشيخ صالح، وكان لها خبرة فى أمراض النساء، قالت: مبروك يا حاج إبراهيم، جايلك خير فى الطريق.
حامل!، كيف؟، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عتيا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...
ما يقدمه فريق الزمالك من مستوى فنى متميز خلال الفترة الأخيرة يدعو للتوقف والتأمل، فقد فشل الأبيض مع عدد كبير...
في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...
عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،